الملحق الثقافي

المفهوم مُلتبسٌ.. وكلٌّ يدَّعي وصلاً بـ «الشهيد»

يذهبون وتبقى آثارهم والأكاليل (أرشيفية)

يذهبون وتبقى آثارهم والأكاليل (أرشيفية)

يشكل مفهوم الشهيد لدى الشعوب كافة واحداً من أكثر التفسيرات الخلافية، حيث تخضع اللغة كمحمول وحامل ثقافي إلى تطور طبيعي، كتطور تلك الشعوب نفسها، لهذا يحمل التعريف ثلاثة مستويات إبستمولوجية (معرفية). فاللغة وأصل الكلمة هي المستوى الأول لميلاد كل كلمة تتطور لاحقاً لتصبح في مسارها التاريخي مصطلحاً ومفهوماً، ويكتنز المستوى الثاني بالثراء والتنوع من تطور لغات الشعوب من مرحلة بدائيتها إلى مستوى أعلى للحضارة، فيتحول التطور التاريخي للمصطلح واشتقاقاته إلى مستوى ثانٍ لتلك المفردة، فيما يظل المستوى الثالث لمصطلح الشهيد اللغوي الفلسفي جامعاً حاملاً البعد السياسي والاجتماعي والثقافي.


في رحلتها المعرفية تكتسب المفردة كل ذلك التطور الإنساني الطويل من كل جوانبه، ويتحول المصطلح/‏‏ المفردة من كائن ساكن محصور في مكان ما إلى كائن حي في نطاق شمولي واسع، تجده لدى المجتمعات الإنسانية كافة ، وكأنما اللغة/‏‏ المصطلح، المعنى والدلالة تعبيران عن مخزون اللسانيات التي تلاقحت بين الشعوب والأعراق، نتيجة تلاقح التركيبة الإنسانية المعقدة منذ هجراتها الأولى. تلك الإثنيات تتبادل اليوم الجدل حول حقيقة لغاتها وأصل مفرداتها، ومن هو الذي سبق الآخر في استخدامه لمفردة الشهيد والشهادة؟، وكيف باتت الديانات تقدس مفرداتها وتفسيراتها؟، فيما نجد أن نظرة المجتمعات المدينية والنظرة الحداثية تختلف عن نظرة المجتمعات الأكثر قدماً، التي لها تفسيراتها المختلفة عن تلك المفردة/‏‏ الشهيد.

الشهيد لغةً
على الرغم من التماثل والتباين في هاتيك الحضارات، فإن اللفظة حظيت بمكانة خاصة في عصرنا الحالي، فلا يوجد قاموس اليوم لا يحتفظ بتلك الكلمة/‏‏ الشهيد والشهادة. وتعني كلمة شهيد في اللغة العربية ومعاجمها من قتل وضحى في سبيل الله والوطن والواجب. أما في الفضاء الأوروبي، خاصة في اللغات الحية، فإن منبعها إغريقي: (martys - الشهيد) والشهداء مارتيروس (martyros)، ومنها تفرعت إلى اللاتينية المتأخرة، فتمت كتابتها باختلافات طفيفة مع اختلاف طريقة النطق المتباينة بين الفرنسية والإنجليزية والإيطالية والألمانية والإسبانية، فيما احتفظت اللغة الإنجليزية المعاصرة بكلمة (martyr) التي كانت قبل 900 الميلادية تكتب (marter)، ثم تطورت في العصور الوسطى إلى (martiren)، فيما كانت الإنجليزية القديمة تكتبها بصورة مختلفة (martyrien)، بعد أن تم تحريفها من الاسم إلى الفعل والصفة.

مفهوم إشكالي
إن كلمة الشهيد أولاً تعني الشخص الذي يضحي بإرادته ورغبته، وثانياً الذي يواجه الموت تحت معاناة كبيرة ويقتل من أجل معتقداته، أفكاره، ومبادئه. لكن ثمة إشكالية تبرز هنا: من يا ترى له الحق أن يقرر ذلك، ما دام المتقاتلون يرون موتاهم شهداء، فيما ضحايا الطرف الآخر مجرد أعداء؟. وللشهادة والشهيد ميزتان أساسيتان هما: البطولة والتضحية، ولكن تبقى خاصية جوهرية تتمثل في أن الشهيد لا يقتل نفسه وإنما يموت بيد الآخرين.
ويتسم مفهوم الشهادة بتعقيد إشكالي سوف نتوقف عنده، لكون الشهيد والشهادة في دلالتها حملت ثلاثة أبعاد من التفسيرات: الأول هو البعد الديني، والثاني: السياسي، والثالث بعد مفتوح على مصراعيه، بحيث أضافت المجتمعات والنظم السياسية له ما تراه مناسباً لها، لا سيما وأن السلة اللغوية مفتوحة ومطواعة وتقبل حتى المعاني والتفسيرات المتناقضة.

الإغريق نموذجاً
ليس كل موت شهادة لدى الإغريق، وإنما الموت من أجل معركة وقضية نبيلة، قد تكون هي الأفكار التي حملها فلاسفة الإغريق في وجه مجتمعات، كان الجدل حول فكرة الآلهة والنظام والسلطة فكرة لها قداستها، وقد اعتبر الإغريق الأوائل أن محاكمة سقراط، وقتله بالسم بتهمة تضليل وإفساد الشباب بمثابة أول شهادة. واعتبرت واحدة من قضايا الاستشهاد المبكر لإعدام واغتيال الفكر في وجه طغاة أثينا، تلك البدايات السقراطية في الفلسفة، كانت منابتها على مشارف الحدود القريبة من البحر الأبيض المتوسط. يقول سقراط: «إن الكتب تهترئ يا عزيزي أفلاطون. يجب الكتابة في نفوس البشر وقلوبهم بالحبر الأزلي، وليس بالحبر الذي يجف كينبوع ماء ربيعي». وكان يردد: (لقد قضيت حياتي كلها في تعليم الناس أن يكونوا لطفاء وشرفاء، وألا يلهثوا وراء الترف والمناصب. وأهنت باستمرار، غير الشرفاء والمفسدين. ومقابل أعمالي هذه، لم أحصل على أحذية ذهبية، كما فعل ايمبيدوكلس، بل إني هجرت أملاكي بشكل نهائي. يا لعظمة تلك الشهادة التاريخية لشهيد الكلمة الحرة. ولم يتوقف الشهداء ولم تتوقف المحاكمات، ويا للمفارقة العجيبة في التاريخ).

الإيمان والبطولة
تؤكد كل الدراسات التاريخية والحكايات المعاصرة، على ثنائية الإيمان والبطولة وأنهما متلازمان؛ فحيث يوجد الإيمان العميق بالفكرة يقتضي أن تكون بطلاً في لحظة المواجهة حتى من دون ساحات بطولة، فقد تكون وحيداً منسياً في الأقبية، قد تكون بلا وسام في لحظة المواجهة، ولا تنتظر نتيجة إيمانك أوسمة قادمة، هكذا تبقى المسافة بينك وبين الموقف البطولي هو درجة عمق ذلك الإيمان، الذي حملته أولاً بمفردك، ثم جاء المريدون وكبرت كرة الثلج، وبعدهم كبر الطوفان. ويصبح لـ رأس يوحنا المعمدان وصلب المسيح قداسة مؤبدة، ويغدو الشهيد أيقونة.

الشهيد والبعد الديني
مع دخول البشرية في مرحلة الأديان السماوية، تعاقب وتطور المفهوم الديني لمفردة الشهيد، وستهتم الديانات الثلاث بمفردة الشهيد، فعلى سبيل المثال لم يكن في، القاموس العربي، في الجاهلية كلمة شهيد، وإنما كانت من نتاج الديانة الجديدة في المجتمع القرشي، التي بدأت تواجه ديانات سابقة وأوثاناً جاهلية قديمة، بل وباتت الرسالة المحمدية مستهدفة والنبي ذاته (صلى الله عليه وسلم)، عرضة للقتل والاغتيال، ومشروع شهادة محتملة وممكنة، نتيجة تربص كفار قريش به، ولكن تلك الرسالة والتبشير بها والدعوة إليها ستقدم شهداء أوائل، منهم نساء ورجال.
كما سيقف عيسى المسيح أمام قومه اليهود مبشراً بديانته الجديدة، لتصبح الشهادة بالصلب أول نمط من التعذيب، ويتحول المسيح كشهيد إلى أيقونة مقدسة، ولتتحول الآلام التي عاناها خلاصاً بشرياً ونموذجاً للتضحية في سبيل رسالته في الأرض. سيعقب النموذجين والرسالتين، اتباع وشيع وقديسون كطابور من الشهداء على مدى الزمن، قاتلوا وماتوا وقتلوا تحت عسف التعذيب. غير أن البعد الديني تم تحريفه على يد الغلاة في كل الديانات، وفتحوا نوافذ التفسير والاجتهادات الباطلة، كما هم نماذج فرقة الحشاشيين في الإسلام قديماً والمنظمات الإسلامية المتطرفة بأصولها السلفية حديثاً، لندخل في مأزق التشويه لحقيقة رسالة الأديان بخطها المعتدل.

البعد السياسي
مع البعد السياسي، نقف تاريخياً أمام نمط من الشهداء قدموا أرواحهم إما لأفكارهم وعقائدهم أو لقضية الوطن كقضية سياسية مهمة، ليصبح الوطن مقدساً والدفاع عنه من الأعداء شهادة سامية، فقد كرست الدول مع تطورها أوسمة وتقاليد إنسانية من النصب التذكارية والجندي المجهول. هؤلاء شهداء عصر الدول الحديثة والثورات والحروب، سيمنحوننا أبطالاً جدداً قارعوا المستعمر إبان حركات التحرر في العالم ضد الكولونياليات، ليمتزج دمهم بدم قضية تحرر الوطن. هؤلاء كنموذج للشهادة عنوان موتى وشهداء وأبطال القضية الوطنية. ألم تستحق الجزائر وسام أرض المليون شهيد وعمر المختار بطلاً ليبياً أولاً وعربياً ثانياً وإسلامياً أخيراً؟
وهناك من الأمصار والثورات ما نعجز عن ذكره، فتكاد كل أمة وشعب تفخر بشهدائها، الأبرار، مؤكدة الكلمة بعيداً عن مضمونها وبعدها الديني.

الأنا والآخر.. الحقيقة والإشكالية
عرفت الحروب القديمة بين المسيحيين الكاثوليك والبروتستانت كحروب دينية. والحروب بين البلدان الإسلامية، كحروب المذاهب والطوائف في البلد الواحد/‏‏الوطن، هؤلاء كانت أمامهم حقائق ملموسة على الأرض والواقع، فمن يتقاتلون ينتمون للديانات نفسها، سواء المسيحية أو الإسلام، والموتى بين المتقاتلين من الدين الواحد، تقفز أمامهم حقيقة واحدة تحتاج إلى تفسير ديني وأخلاقي، هل موتاهم (الطرف الآخر) شهداء كموتانا؟ وسواء حلت الإشكالية بين الطرفين أو لم تحل، فهي قائمة على الصعيد العملي، وكل طرف يعتبر موتاه شهداء لقضيته العادلة، ومن ماتوا من الطرف الآخر/‏‏ العدو مصيرهم نار جهنم وبؤس المصير. من تلك الإشكالية القديمة وتناقضاتها، وقعت كل الشعوب المعاصرة في حروبها الأهلية، وتطاحنها المستمر في الحالة نفسها من الدعائية والتحريض والتناقض، فصراع اليمين واليسار في اليونان أو لبنان أو الجمهوريون والملكيون في الحرب الإسبانية والمكسيكية، أو الحرب العراقية الإيرانية، وغيرها كثير، يرون جميعهم أن أبطالهم شهداء ماتوا من أجل قضيتهم وأفكارهم، وحمل كل شهيد في الوطن الواحد – وهم موتى! – أوسمة مختلفة، وتمجيداً مختلفاً، ومقابر منفصلة، فمن اعتبر هناك بطلاً كان لدى الآخر بمثابة الخائن والمرتد، والعكس كذلك. كلهم تحت مظلة فكرهم وعقيدتهم يرون أنفسهم شهداء باستحقاق، والسخرية أنك تتسلم (شهادة!) الشهادة والغفران والمكانة العليا في الفردوس. وهناك ما لا يحصى من النماذج لتلك الإشكالية بين الأنا والآخر في ثنائية انتزاع الاعتراف بين البشر، كمرتبة الشهادة ولقب الشهيد البطل!.

القديسون الجدد
إذا كان الصحابة والقديسون الشهداء والحواريون شهداء من المستوى الأول، ذي البعد الديني، فإن القديسين الجدد في عالم السياسة والأفكار الثورية ممن تحولوا إلى شهداء ونماذج بطولية وأيقونات العصر الحديث لم يظلوا نماذج تحتذى وحسب بل أصابهم ما أصاب غيرهم من ثقافة السوق، فقد أصبحت صورة جيفارا مشروعاً تجارياً، بعد أن كان موضوعاً سياسياً ملهماً لحماس الشبيبة في العالم، وتم تسليع جيفارا عبر الفانيلات والقبعات والشارات والملصقات والأغاني والأفلام، بل وبتنا نرى صورة جيفارا في الولاعات وعلب البيرة والحانات والمرافق الإعلانية والدعائية، لجذب الشباب عبر تلك الإيقونة المقدسة، كبطل مات تحت التعذيب من أجل قضيته وأفكاره. تلك الإيقونة العلمانية للشهادة وسط الشباب الحداثي المتبختر بيساريته، بشعره الطويل في مراقص، البوب ميوزيك، يقابلها على الطرف الآخر قديسون جدد وأيقونات إسلامية، حظي أسامة بن لادن بمرتبة خاصة بين الشباب الإسلامي المتطرف، فيما ظل جيفارا قديساً للشباب اليساري. بين نموذجين متناقضين، وعلى الرغم من اختلاف التوجهات والعقائد، إلا أن المعطيات والمحصلات النهائية أفرزت أبطالا وقديسين لهم مريديهم، يتتبعون خطاهم، ويقدسون مواقفهم ويتمثلونهم في الحياة. في إطار هذا المثال البارز عالمياً والتقريبي، لا يعني أنه لا يوجد شهداء في العالم الإسلامي أو ثوريون يساريون غير جيفارا، تتكدس أسماؤهم أيضاً في الأرشيف كشهداء قضية وأفكار سياسية حديثة.

مارتن لوثر كنغ وغاندي
قدم القس مارتن لوثر كنغ نفسه كشهيد قضية عادلة في المجتمع الأميركي القائم على التمييز العنصري، وبذلك الاغتيال تكون الديمقراطية الأميركية متهمة بالتواطؤ مع الأجهزة الأمنية، التي تتحكم فيها الأوليغارشية الأميركية. هنا نحن أمام نموذج شهيد المسيحية القس في مجتمع مدني له إيقوناته الجدد وشهداؤه الأبطال المبجلون، فيما المهاتما غاندي كنموذج في المجتمع الهندوسي في ظل نضال سلمي لا عنفي في مجتمع مدني، بات ضحية وقتيلاً من تلك الهندوسية المتطرفة، ليتحول غاندي إيقونة من الشهداء في عصر الكراهية بين الديانات في المجتمع الواحد. على الضفة الأخرى كان رابين والسادات يموتون كخونة في عيون جماعات تنتمي للعرق والديانة والمعتقد ذاته، ولكنهم على مستوى السياسة والأيديولوجيا ليسوا إلا خونة لشعبهم ووطنهم وقضيتهم، ولا يستحقون وسام لقب الشهيد!، فيما يرى البعض الآخر العكس تماماً، لهذا نقع دوماً في إشكالية الأنا والآخر، الشهيد بين البطولة والخيانة من وجهة نظر متباينة بين ضفتي النهر. نترك للعقل خصوصيته ومحاكمته التاريخية، فسقراط مات سنة 399 قبل الميلاد، من محاكمة عادلة، وتجرع سم الغدر والاختلاف في الرأي، فيما البشرية ما زالت تصفق للشهداء الجدد كل يوم، الصغار منهم والكبار، من دون أن تسأل نفسها سؤالًا عميقاً تأملياً هل نحن فعلًا بحاجة إلى الشهداء؟.

الانتحاريون الإرهابيون
من خلال قراءتنا لمعنى الشهيد قاموسياً وتاريخياً واصطلاحياً، لاحظنا أن الشهيد يقتله طرف آخر فهو لا يقتل نفسه، ووجدنا كيف كانت حالة اليابان، حيث يقتل الطيار نفسه ولكن وفق ظروف معركة محددة، لا يكون فيها المدنيون ضحايا ذلك الانتحار، بينما الانتحاريون الإرهابيون الجدد لا يهتمون من هو الطرف الذي يمكن تدميره، نساء، أطفال، عزل في بيوت الله، في أمكنة عامة وأفراح، كل هذا في عرفهم وتفسيرهم نمط من الشهادة، ومن يقومون بها هم شهداء في أعلى مراتب الجنة!، لهذا يستنسخون تجارب فرقة الحشاشين وفرق الغلاة في التاريخ الإسلامي، بمستوى أكثر بشاعة وعدوانية، لتصبح فرقهم ومنظماتهم المعاصرة وجهاً آخر للإرهاب الجديد، وكل ما عملوه هو استبدال الخنجر بالناسف والحزام والمفخخات، متوهمين أن تلك العمليات كفيلة تغيير الأنظمة أو إسقاطها، وبجذب شباب غر لصفوفهم لإعلاء كلمة الله في الأرض بعد نيله مرتبة الشهادة. هنا يقفز سؤال يطرح نفسه: هل نحن أمام غسيل دماغ للشباب والفتيان بخديعة منحهم لقب الشهيد بعد الانتحار؟

جريمة بحق الطفولة
هل يستحق العالم لطمة حضارية عندما يدفع الوطن أو الساسة بالأطفال لحافة الموت، لكي يتغنوا بشهادتهم، هل نرفع قبعاتنا احتراماً لجندي مدجج بالسلاح يصوب بندقيته على طفل كلّ سلاحه حجارة؟ هل نغفر لمليشيات تجند الأطفال لمعارك قتال ثم تبكي على موتهم كشهداء وضحايا وأبطال؟ وبدلًا من أن يكون ذلك الطفل في مدرسته وحدائق اللعب والأحلام، يتم زجه في جيوش المرتزقة الجديدة، لكي يمنحوه أكذوبتهم بأنه أصبح مقاتلاً وبطلاً وغداً يكون شهيدا في الجنة. ألسنا في زمن يدعو للسخرية، حيث تنتهك فيه الطفولة باسم تلك الأوسمة والألقاب والتصنيفات، في وقت جميعنا بحاجة إلى حماية أطفالنا من الموت، لأنهم جاؤوا للحياة من أجل المستقبل والفرح والسعادة. كم هو موجع أن تحمل أماً فلسطينية أو غيرها من الأمهات طفلها الغريق أو المضرج بدمه، لنسمع بعدها قصائد البطولة والمجد، التي تموت في اليوم الثاني داخل جاكيتة الشاعر الثمل بالهزيمة من داخله. لا أجدني سعيداً بلقب الشهيد يمنح كوسام للطفل، لكنني مجبر على تقبل حقيقتها المرة.

النساء في خط الشهادة
لا يمكننا إحصاء عدد وأسماء الشهيدات من النساء لحقبة تاريخية طويلة، ولكننا سنختار نماذج لتسليط الضوء على حقيقة أن المرأة مثل الرجل كانت في مقدمة المانحات أرواحهن للتضحية، لتجترح المرأة البطولة من أجل عقيدتها وفكرها ومبادئها. تعتبر سمية بنت الخياط الصحابية الجليلة أول شهيدة في الإسلام، تقدم درساً للرجال قبل النساء، عن أن الدعوة المحمدية فتحت للنساء طريقاً للشهادة كشريك في الجهاد والدعوة. أما جان دارك، الشابة الفرنسية، ذات التسعة عشر ربيعا، فكان عليها أن تموت حرقاً بالنار للدفاع عن أفكارها ومواقفها. وبعد 25 سنة من إعدامها 1920 قضت لجنة مختصة من الكنيسة ببراءتها من التهمة، لتعتبرها قديسة!. ولكن قبلها بعام سيقذف رجال البوليس في النهر في العاصمة برلين بجثة روزا لوكسيمبورغ البولندية بعد تعذيبها. وفيما بعد طبقاً لمكتب الاتحاد لحماية الدستور اعتبرت شهيدة.
ثلاثة نماذج إنسانية يعقبها ملف كبير من شهيدات نساء العالم في كل القارات، متن بوسائل مختلفة وفي ظروف غامضة، لتسطر النساء حضورهن التاريخي في عالم الشهادة، واليوم، تأتي الشهيدات العربيات في مقدمة نساء العالم.

الشهيد نصاً
التحولات من الموت إلى القداسة لها حضور ثقافي بارز، والمريدون يصنعون القديس وعبادة الفرد، ولكن النص الأدبي في سرده الشعري والروائي، يخلده المبدعون، والمفارقة حينما لا يصبح النص تعبيراً عن الشهيد والشهادة، وإنما الشاعر والكاتب نفسه مشروعاً للاغتيال والتعذيب والموت، وكثير منهم وقفوا عند حافة الشهادة وشرفة الموت، وكتبوا أجمل نصوصهم مثل: ريتسوس وناظم حكمت، بينما لوركا ونيرودا باتوا رموزاً في الشهادة، وتحول مغني تشيلي فكتور خارا في انقلاب 1973 شهيداً بحنجرة غناء أبدي، وستظل مرثية محمود درويش في الطفل محمد الدرة تستصرخنا، كما مكث يانيس ريستوس ثماني سنوات في جزر نائية تحت التعذيب وهو يكتب أشعاره السرية، لتتحول إلى غناء في البيوت والحانات وتتلقفها الحناجر وتحفظها الذاكرة الشعبية، يقول: «لقد خرجت من احلك الظلمات. خرجت حياً من الأمراض، ومن جلسات التعذيب. ويمكنني القول إنني خرجت من أغوار الموت»، ويكتب في قصيدة أخرى: «إذا كان الموت هنا، فهو يأتي ثانيا، الحرية دوما تأتي أولا».. يذكرنا ريستوس بعذابات ناظم حكمت الخمسة عشر عاماً في سجون تركيا وكيف نجا بأعجوبة، حكمت الذي قال عنه بابلو نيرودا (المثل الحي للبطولة، وللرقة في آن). كلهم حملوا أكفانهم واستعدوا للموت والشهادة دفاعاً عن مثلهم وأفكارهم، ونال بعضهم وسام، الشهادة، من دون رغبة في الموت أو شجاعة في المواجهة، وإنما نصوصه عن الموت والقتل والتعذيب في لحظة تجلياتها الابداعية الممكنة تجعل من المثقف/‏‏ البطل شهيداً بالفعل. وأخيراً تبقى قصيدة الشاعر السوداني الفيتوري عن إعدام الشهيد
عبد الخالق محجوب مفردات صلاة طقوسية وصوفية، بتلك الروائح والبخور الإفريقية: صوتك بيرق وجهك.. قبرك، لا تحفروا لي قبرا سأرقد في كل شبر من الأرض، أرقد كالماء في جسد النيل.. أرقد كالشمس في حقول بلادي مثلي أنا ليس يسكن قبرا.
يموت الطاغية ولا يترك أثراً ولكن الشهيد يعيش حياً في أفكاره وقضيته، والأعمق حين يكتبها الشاعر المبدع، فهو وحده من يخلد ويكتب التاريخ إبداعاً.


ليس كل موت شهادة وإنما الموت من أجل قضية نبيلة
......................
ثنائية الإيمان والبطولة متلازمة والمسافة بينهما عمق الإيمان
......................
هل نحن أمام غسيل دماغ يجري للشباب بخديعة الاستشهاد
......................
يموت الطاغية ولا يترك أثراً لكن الشهيد يبقى حياً

أكاليل الحزن
عرفت الشعوب كيف تحترم أبطالها الذين لم يعودوا من الحروب، تركت لهم أكاليل حول النصب التذكاري، وأهازيج شعبية تتناقلها الألسن.. يومها، في تاريخ ضارب في القدم.. لم تكن هناك جندرمة تمنعك، وإنما فضاء حر ومفتوح من كل القبيلة والمدينة التي بعثتك للذود عنها؛ فمتَّ مضرَّجاً بدمك في الصحراء البعيدة. لم يعرفوا معنى مفردة (طقوس الشهادة) ولكنهم صنعوا حولها القرابين والأضحيات وصلوات من التأبين المتوالي. علقوا رمحك وترسك وسيفك بكلمات مقدسة جليلة، ولكنهم لم يهتموا بالمفردة في قاموسهم، ثم جاء الوقت لتتحول إلى لغة ومعنى وتضاريس اجتماعية للمتاجرة أحياناً عند الساسة والأبطال المزيفين، المرتجفين، خوفاً من خوض المعارك المميتة.

فدريكو غارثيا لوركا
ولد فدريكو غارثيا لوركا عام 1898، لوالدين إسبانيين في غرناطة. لم تقف رؤاه عند الشعر وحده ودخل عالم المسرح كاتباً مبدعاً رابطاً بين الحضارة الإسبانية وجذورها الأندلسية العربية. كان يتغنى بالحضارة العربية الإسلامية، ويفتخر بالأندلس وبأنه أندلسي. أعدم رمياً بالرصاص بتهمة كونه جمهورياً يحمل فكراً تنويرياً، في السابع عشر من أغسطس عام 1936م. وكان استشهاده سبباً في خلوده، في ذاكرة الأدباء والمفكرين والثوريين في العالم، ولتصبح كلماته نبراسا لهم يستمدون منها أفكارا وعبارات ودراسات، وليبقى في قلوب الأحرار رمزاً طاهراً من رموز الحرية في العالم. وقد تنبأ لوركا نفسه بنهايته في قصيدة كتبها:
وعرفت أنني قتلت
وبحثوا عن جثتي في المقاهي والمدافن والكنائس
فتحوا البراميل والخزائن
سرقوا ثلاث جثثٍ
ونزعوا أسنانها الذهبية
ولكنهم لم يجدوني قط.