الملحق الثقافي

الفينيقيون: الشهيد لذّة النور

 من الحروب البونيقية التي خاضتها صور ضد روما

من الحروب البونيقية التي خاضتها صور ضد روما

مذ كانت الصراعات والحروب بين الشعوب القديمة والمتشكّلة في كيانات وممالك وإمبراطوريات سياسية ووطنية اعتبارية، مع بدء الكتابة في العام 3500 ق. م، كان هناك مفهوم الشهادة والاستشهاد دفاعاً عن الأرض والأوطان، وإن اتخذ هذا المفهوم في الأزمان الوثنية أبعاداً مختلفة عنه في أزمان الديانات السماوية الثلاث لاحقاً. وبتعريف حديث للشهادة والاستشهاد ينطبق في مضمونه، ربما على الحقب البشرية كلها.

يقول الدكتور عبد الله ابراهيم، عالم الاجتماع اللبناني وأستاذ فلسفة العلوم الاجتماعية (الإبستمولوجيا) في الجامعة اللبنانية ما يلي: «إن الشهادة والاستشهاد، هو الفعل الذي يقوم به شخص (ذكر أو أنثى) يعي تماماً الفعل الذي يقوم به. والفعل في الشهادة والاستشهاد هو فعل التضحية بالنفس بالتفاعل الفردي مع النمط المجتمعي المؤسسي (الانتماء المجتمعي والقيم المجتمعية) ووعي العيش الناتج عن التفاعل، والمواجهة الخارجية المرافقة لوعي العيش. والموت في الشهادة والاستشهاد، هو الشكل الذي يرتديه الفعل، وليس الفعل ذاته. والسمات الخارجية للموت في الشهادة والاستشهاد، هي سمات الموت الإيجابي».
والشهادة أو الاستشهاد في سبيل الوطن، هي أسمى أنواع الشهادات وأنبلها وأوثقها في تاريخ الشعوب والأوطان على كرّ الأيام والسنين، حتى وإن اندمجت بعقيدة دينية سمحة أو عقيدة قومية منفتحة على الإنسانية كافة.
والحقيقة أن فعل الاستشهاد لدى الشعوب الوثنية، كان يرتبط دوماً بالدين أو المعتقد ارتباطه نفسه بالأرض، وذلك كمحصّلة للحروب التي كانت تخاض دفاعاً عنهما متحدين معاً، وذلك كما تفيد الدراسات المتعلقة بعلم ثقافات الإنسان الغابر، والكتابات الآثارية التصويرية، ونصوص الملاحم القديمة، ونخصّ بالذكر الفينيقية منها مثل: ملحمة عنت، وملحمة كيريت، وملحمة دان إيل، وملحمة أقهات.. علاوة على دراميات وغنائيات الشعراء الفينيقيين، الذين أعاد اكتشافهم من خلال نصوصهم، الخبير باللغات السامية القديمة، البروفيسور الفنلندي يوسي آرو، بالاستناد إلى مرجعية الأب بارثولوميو (1758 – 1825)، عالم الآثار الفرنسي الشهير، ورائد التخصّص العلمي بالنصوص المدّونة أو المنقوشة، باللغتين الفينيقية والإغريقية على الصخور والجدران وألواح المكتشفات في أوغاريت وصور وصيدا وقرطاج وصبراتة ولبدة وجزر قبرص ومالطة وكريت وثاروس وسردينيا وصقلية. وانطلاقاً من هذه النصوص التي كان قد حققها وقمّشها ووضعها باللغة الفرنسية الأب بارثولوميو، استطاع البروفيسور يوسي آرو أن يدلف هو الآخر إلى دراستها ومقارنتها، بالاستناد إلى مواطنها الأصلية، وتقديمها بوجه شعري جديد لا يحيد البتة عن جوهره القديم.
وقبل أن نتطرّق للنصوص الشعرية الفينيقية ذات الصلة بموضوعنا: «فلسفة الشهادة والاستشهاد عند الوثنيين.. الفينيقيون أنموذجاً»، لابدّ لنا من الكلام على ديانة الفينيقيين، وتقاليدهم المعتقدية، وحروبهم الوطنية الدفاعية، التي ولّدت بدورها فعل البطولة والاستشهاد لديهم، وذلك كمقدمة للدخول عميقاً في الموضوع وإيضاح مداليله أكثر فأكثر.

تقاليد ومعتقدات
الفينيقيون شعب «متديّن» في الإجمال. وديانتهم مثل غيرها من ديانات الأقوام الوثنية، قامت في جذرها الأساس على واقع الخوف من الموت، وكذلك الدهشة مما تسبّبه الحوادث الكبرى التي تأتي مصادفة، وليس في مقدورهم فعل شيء إزاءها. فضلاً عن الأثر الغريب الذي تحدثه أجرام السماء على الأرض، وفي دخيلة الكائنات الحيّة على اختلافها، والإنسان في الطليعة بينها. فلقد انسحر الفينيقي، مثلاً، بقوى الطبيعة الجبّارة، واستسلم لها، وجعلها آلهة يتعبّدها آناء الليل وأطراف النهار، كالشمس والقمر والسماء والبرق والرعد والمطر والأرض والجبال والبحر. كما ألّه الفينيقيون ملوكهم وأبطالهم من المحاربين، (مثل ملقارت الذي كان إلهاً لمدينة صور، وهرقل الذي كان إلها لجزيرة ثازوس، وأشمون إله مدينة صيدا) وارتقوا في مستوى العبادة، انطلاقاً من حيثية أن كل إله يعبدونه، كان ثمة مسار روحاني عميق يربطهم به، ويتجلّون هم من خلاله عبر الطقوس التي يزاولونها أمام تجسداته في المعبد، حتى وصلوا فيما بعد إلى الاعتقاد بالتثليث الإلهي: «أب وأم وابن». أي «إيل، عناة وبعل». وهو ما أخذته عنهم الديانة المسيحية لاحقاً، والتي تقول بالأب والابن والروح القدس. وتجاوز الفينيقيون فيما بعد هذا التثليث إلى التوحيد، فصاروا يقولون بـ«إيل» كإله واحد، وموحّد بين جميع آلهتهم، التي ظلوا يتناوبون على عبادتها، من ضمن معادلة التعدّد في إطار التوحّد. ولذلك قال فيهم المؤرخ والباحث الإنثروبولوجي الألماني ريخ فان دهمن: «إنهم أول شعب آمن بالتوحيد على وجه الأرض».
وإنه لمثير هنا أن نعترف بأن الديانات سبقت الفلسفة، وربما مهّدت لها بهذه الكيفية أو تلك. فهذه الشفافية الروحانية المتولّدة في النظر إلى الآلهة والطبيعة عند الفينيقي، هي التي شفّت، على ما يبدو، عمّا في الدين من شعر، وما في الشعر من دين. ففي معتقد «المؤمن الفينيقي»، أن السماء والشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار، كلها أشياء دينية مقدسة، تعكس بدورها العلامات الخارجية المرئية للنفوس الباطنية الخفية.
والأمر عينه ينطبق على اليونانيين القدامى، الذين نقل إليهم الفينيقيون، رموز آلهتهم نفسها ليعبدوها، وتنعكس عليهم بالتالي هذه العبادة، كأحد أنساق المعرفة الروحية والذاتية، التي تبثها أشياء الطبيعة فيهم، فلقد جعلوا السماء، مثلاً، هي الإله «أورانوس»، والقمر هو الإله «سليني»، والأرض هي الإله سيبي، والبحر هو الإله «بوزيدن» والمطر هو الإله «داغون»... إلخ.
وأخذ الإغريق عن الفينيقيين، عدا الأبجدية كذلك، علم الفلك، بصفته «العلم الذي يساعد على الوصول إلى نبض الآلهة أكثر»، بحسب هيرودوت.
وبعدما آمن الفينيقيون بأن إله السماء أرشدهم إلى تقسيم الأرض، إلى خطوط طول وخطوط عرض، لتحديد الأمكنة وخرائط الانتقال والإبحار (وكانوا بذلك أول من رسم خطوط الطول وخطوط العرض على الخرائط، بين شعوب الأرض قاطبة) أخذ الأغارقة عنهم هذا التقليد وسخّروه لحاجات تنقلهم في البر والبحر.
ولا يغربّن عن البال أن الفينيقيين جعلوا للحرب إلهاً يعبدونه سمّوه «البعل»، وهو في منظورهم، الإله الرب أو السيد، الذي يعمل للحياة الدائمة ويكره الموت، ولذلك هو الذي سيحتضن أبطالهم أو شهداءهم، ويشملهم بـ«نعمة الخلود»، ويتحوّلون بالتالي إلى رموز وعلامات محلّقة في ذاكرة المجموع على كرّ الأجيال والآماد.

حروب الفينيقيين وشهداؤهم
على الرغم من أنهم كانوا كارهين للحروب، متجنّبين لها، ومنصرفين كلياً إلى التجارة، والإعمار، والمثاقفة مع الشعوب التي حلّوا بينها.. وعلى الرغم من أنهم في العام 870 ق. م. توقفوا، ولمدة ثلاثة قرون عن خوض أي حرب، والتزموا بذلك، إلّا أن حروباً طويلة ومتواصلة فرضت على الفينيقيين، واضطروا مرغمين إلى خوضها دفاعاً عن الذات والأرض. وقد سُمّيت هذه الحروب بـ«الحروب البونية» أو «البونيقية» (التسمية مشتقة من اللفظ اللاتيني لمصطلح قرطاجي: بونيكي (punici)، وجاءت وقائعها على ثلاث مراحل، بدءاً من السنة 264 ق. م. وحتى السنة 146 ق.م. ودارت بين الإمبراطورية الفينيقية القرطاجية من جهة والإمبراطورية الرومانية من جهة أخرى. وكان الرومان هم من بدأ العدوان فيها، كما يقول المؤرخ بوسينيون، لأنهم «قرروا تقويض السيطرة القرطاجية على البحر المتوسط، واحتلال كل الجزر الفينيقية فيه، وكذلك المدن البرية الفينيقية على السواحل الإفريقية». وجاءت الشرارة الأولى للعدوان الحربي الروماني، من جزيرة صقلية، لكن قرطاج كانت متصدية لهذا العدوان ونجحت في ردعه. غير أن الأمور انقلبت فيما بعد، وسيطر الرومان في نهاية المطاف على إمبراطورية قرطاج، وهدموا المدينة عن بكرة أبيها وحلّت الإمبراطورية الرومانية محلها بدءا من العام 146 ق. م.
من جهة أخرى، كان الفينيقيون قد جابهوا من قبل حرباً مدمّرة للدولة الأم لقرطاج ولسائر المستوطنات الفينيقية: مدينة صور، التي اجتاحها الإسكندر المقدوني قبل اندلاع الحرب البونية بـ65 سنة، ولم يتمكن منها إلا بعدما حاصرها لمدة سبعة أشهر، واجه خلالها مقاومة عنيفة وفائقة الشجاعة من جانب الصوريين. ومن هنا جاء انتقام الإسكندر كبيراً عندما سقطت المدينة، فدخلها وأمعن فيها قتلاً وحرقاً، فضلاً عن إعدامه سبعة آلاف من المقاومين الصوريين الأشداء وصلبه لأكثر من 2500 آخرين، وتعمّد بعد ذلك أن يمشي مزهواً بسيفه بين صفين من المصلوبين.
هذا المشهد المأساوي الدرامي ما زال مقيماً، وإن بشكل خيالي وأسطوري، في أذهان نفر من شعراء مدينة صور وفنانيها حتى أيامنا هذه، وبينهم، على سبيل المثال لا الحصر، المسرحي والكاتب الساخر غازي قهوجي، فضلاً عن مؤرخ المدينة الشهير معن عرب، الذي كان دعا إلى إقامة مهرجان مسرحي عالمي في صور، تتجسّد فيه صورة بطولة المدينة في مواجهتها التاريخية لأعتى قوة في العالم القديم. لكن رغبة معن عرب لم تتحقق بسبب اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في العام 1975.

فتية ملقارت
ونستدرك فنقول إن صور الفينيقية قدمت شهداء كثر في عملية التصدي الملحمي لجيش الإسكندر، يصفهم الشاعر والكاهن الهلينستي من أصل فينيقي أويناس يوناتاس بـ«فتية ملقارت»/‏ الذين ما هانوا ولا استسلموا/‏ بل خاطوا للزمن وقتاً آخر/‏ ووهّجوا بدمائهم خمائر رائحة الأزل/‏ جعلوا حتى عشب الآفاق يرتعش/‏ والشمس تصاب بغوايات أكثر فتنةً/‏ لم تسقط صور، بل حملها الشهداء/‏ إلى حيث تعمى عيون الأعداء/‏ عن رؤية الخلود/‏ صار القلق ينهش أكوانهم الصغيرة/‏ ويرديهم الواحد بعد الآخر/‏ لم تسقط صور/‏ بل أعارت روحها لجنائن الأحياء/‏ يتشح بها إله السماء بعل شميم/‏ وتدفع بها عشتروت نحو ولادات جديدة/‏ تصير بالدفء الإلهي أشعة لا توصف/‏ تفتح كل الأبواب الموصدة/‏ وتهطل من أفق الآفاق/‏ معلنة ما لا يولد من مفاجآت تعانق النشوات/‏ صائحة بأعلى صوت:/‏ أنا الربان فاتبعوني/‏ وستظفرون بسحر سر كل الأسرار».
هكذا كان الفينيقيون يشركون معهم قوى الغيب في كل شيء، وخصوصاً في فعل الشهادة أو الاستشهاد، فإلههم حاضر في كل لحظة، في قلوبهم وعقولهم، يقدمون له الأضاحي الغالية والعزيزة، بما فيها الأنفس، مرضاة له، كي يخلصهم من أوشالهم وأمراضهم البشرية التي لا تحصى. يروى عن القائد القرطاجي هملقار ابن ماغون أنه كان يقود جيشاً لمحاربة الإغريق في صقلية في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد. وبينما كان جيشه الضخم، المؤلف من شعوب مختلفة، مشتبكاً في القتال، كان هو ملتزماً بتقديم تقدمات ومحرقات للآلهة، يسألها معاونته للنصر. وعندما عرف أن جيشه كان يتراجع ويشارف على الهزيمة، استنتج أن آلهته لم تكن راضية عن تقديماته وأضاحيه من الحيوانات وسكائب الخمر. وعندها لم يجد بداً من تقديم نفسه أضحية للآلهة، فقفز في النار ذاتها التي كان يوقدها لحرق أضاحيه. وبذلك يكون قد استشهد كقائد لينقذ اسمه من ذل الهزيمة والخضوع للمنتصر، وغدا شخصاً خالداً بنظر قومه، يتخذونه رمزاً حياً للتضحية والوفاء لأجل الوطن، ولأجلهم هم سواء بسواء. وقد أنشده الشاعر الفينيقي الكاهن أويناس يوناتاس هذه الأبيات:
يا كليّ الشجاعة/‏ خذ بأرواحنا/‏ خذ بحقولنا ببحارنا كلها إليك/‏ تعبرنا الآثام من بعدك/‏ ووجع الأوهام والتخيلات/‏ واجعل الإله إيل يرضى عنا/‏ لأننا لم نضح معك/‏ ولم نكسب شرف الغبطة والإشراقة الأبدية/‏ ومن حارب منّا ولم يسقط/‏ فهو يعتذر منك/‏ ويطأطئ رأسه الحائر أمامك/‏ مدى العمر/‏ ماذا نفعل إجلالاً لك بعد؟/‏ لقد استنّفدنا كل المشاعر/‏ وكل وقدات العقل/‏ وتخدّرت فينا كل البصائر والحواس/‏ ومن يود أن يعثر على صورتك فينا/‏ عليه أن يبحث بين الدم السري للحروف والكنوز/‏ فكيانك يحتضننا من غير أن ندري/‏ ليوجدنا من جديد».
وثمة شاعر هيلستيني آخر من أصل فينيقي يدعى كيليكس مابليارس يرفض أن يرى القائد هملقار في صورة الراحل عنه، بل هو يطلّ عليه كل يوم، ويباركه:
لم ترحل عنّا أنت/‏ بل ذهبت إلى ما وراء الشمس/‏ لتطلّ علينا كل يوم/‏ وتباركنا بلذة نورك/‏ الذي بات يحيي كل شيء/‏ ويجعل طريقنا في البر آمنة/‏ وفي البحر أكثر سلاسة/‏ العذارى على الصفّين من جدثك الذهبي المسّجى/‏ وفي صفّ واحد كذلك/‏ من الأرض إلى السماء/‏ ومن السماء إلى الأرض/‏ هبوطاً وصعوداً.. صعوداً وهبوطاً/‏ بأمر من جميع الآلهة المستنفرة/‏ أيضاً لأجلك».
شهيدة قرطاجة الاستثنائية
مثل هذا الاستشهاد الاستثنائي، النادر والعجيب، هو ما مارسته أيضاً زوجة قائد قرطاجي آخر يدعى هستدرول؛ فبعدما تفاجأت بزوجها وهو يتسلل إلى معسكر القائد الروماني المنتصر سيبيو إيمليانس طمعا بالهرب والنجاة بعد سقوط قرطاج، رأت المرأة زوجها وهو يستعطف الروماني للعفو عنه، فأسقط بيدها، وما سوى لحظات حتى صرخت بوجهه تدين ضعفه واستخذاءه للأعداء، مذكّرة إياه بقوله إنه لن يأتي ذلك اليوم الذي يرى فيه الشمس ونار الأعداء تحرق وطنه في وقت معاً. عندئّذ قفزت المرأة مع ابنيها في النار غسلاً للعار والشنار، ولاسيما أنها كانت تحارب مغتصبي وطنها وقاتلي شعبها.
هذه الرواية التي يذكرها المؤرخ الروماني سترابو في إحدى مروياته ذهبت مضرب المثل في حياة الفينيقيين، كونها تنمّ عن شجاعة المرأة القرطاجية المحاربة، والتي أقامت بالفعل بين الموت والحياة علاقة ترادف لحسم الموقف البطولي بسرعة وفي توقيته الملائم، وحسمت موقفها، فكانت بذلك «شهيدة حرب أولى وليست منتحرة» على حد قول عالم النفس اللبناني ابن مدينة صور د. يوسف حب الله. هذه المرأة والتي تدعى إيتالا، ألهمت العديد من الشعراء والفنانين الفينيقيين وغير الفينيقيين، وحتى من وسط أعداء قرطاج أنفسهم، كالقائد العسكري والأديب الروماني سيبيو إيليانس، «الذي بكى من شدة إعجابه وتأثره بشجاعتها إيتالا» على حدّ قول المؤرخ الإغريقي يوليبيوس الذي كان شاهداً بنفسه على هذه الواقعة.
غير أن أهم من استوحى أسطورة إيتالا الواقعية هذه في قصيدة رائعة، كان الشاعر الهيلستيني من أصل فينيقي إليوس أغريوس الذي حيّا افتداءها الشعب القرطاجي والبلاد القرطاجية قائلاً:
رمت نفسها في النار/‏ لتخضرّ البلاد/‏ وتزدهر الينابيع الباردة/‏ وتتنقّى الغابات من الثعابين الغادرة/‏ حقاً إنه لموت جديد هذا الموت/‏ يجعل الأرض تخلع عريها/‏ لتلبس عرياً جديداً لا مثيل له/‏ ولا جديد بعده/‏ يجرّ الكواكب من أماكنها/‏ ويطويها بضيائه/‏ الذي لا يطويه ليل الأزمان الطويل/‏ أيتها الملكة المغسولة بروحها/‏ من عيون روحها/‏ لك منّا الحب الخالص كله/‏ يا صورة قرطاج /‏ قبل الموت وبعد الموت/‏ هنيئاً لك هذي النار التي لا تلد الخيانات/‏ ولا تمتزج أبداً بالفوضى المظلمة/‏ ولا تذكي إلاّ لمعان الذهب فيك/‏ هنيئاً موتك الذي افتدانا جميعاً بالحياة/‏ وأبقى البلاد لتظلّ تلوّح لنا بالأعياد/‏ هنيئاً لنا هذا الحضور المشتعل لنصرك على الأعداء/‏ أنت التي تبحرين في خلايانا/‏ وفي خلايا الهواء القرطاجي/‏ الذي يظل يطلّ من أبراج الإله إيل علينا.
ومن بين الأبطال الذين واجهوا جحافل الرومان في قرطاج الفينيقية التي سقطت في العام 146 القائد الميداني العسكري المجهول كفتار ماقون. وكان هذا المحارب القرطاجي الشجاع قد سقط شهيداً بعدما أسقط المئات من أعداء بلاده الغزاة. كان عاشقاً لقرطاج ولفينيقيا كلها؛ يقول عنه البروفيسور يوسي آرو بأنه «ربما يكون أعظم شهيد عرفته ملاحم الحروب الدفاعية عن قرطاج، لا لشيء إلا لأنه كان يؤثر الانطواء عن مجتمعه في أيام السلم، مبتعداً كلياً عن المناصب السياسية القيادية وحتى العسكرية». وأكمل البروفيسور آرو وصفه للقائد القرطاجي الشهيد ماقون بهذه الجملة الشعرية: «كان لقرطاج ثوب الروح وثوب العقل». رثاه الشاعر الهيلستيني من أصل فينيقي كيليكس يوناتاس بقصيدة حملت عنوان «ألوان الأبطال». تقول القصيدة:
ها هو نعيمك يقذفنا بألوان الثمار/‏ كل ثمرة بلون/‏ لون فوق البحر/‏ ولون فوق الرمل/‏ ولون في وسط السماء/‏ ولون في دائرتها الواحدة/‏ ولون في الأفق البائن/‏ ولون في الأفق غير البائن/‏ ولون الألوان فوق قرطاج التي لا تموت/‏ قرطاج التي تنطق بروحك وبروح هنيبعل/‏ وإيتالا العظيمة/‏ وروحي ولديها النديين/‏ وكل الأبطال الذين ضحّوا بحياتهم/‏ لمجد الإله إيل الذي كلما/‏ خلق لوناً ولدت من اللون ألوان/‏من دم الأبطال الذي لا يجفّ.
وله قصيدة أخرى فيه عنوانها: «تبخير دائم للوطن» تقول:
الفصول كلّها تغنّي لك /‏ والتبخير كذلك /‏دائم الانبعاث في مجامر المساء/‏
كما في مجامر الصباح/‏ والأنصاب الفضّية لبعل صور/‏ ما انفكت تومض بلمعانها البعيد/‏ الموؤود داخل لمعانك/‏ أيها الوجه النقي كنقاء الإله بعل/‏
بموتك أنت لا تلبس الغياب كالضباب الزائل/‏ وإنما تبدّد كل ضباب خفيف أو كثيف/‏ لن تعرف عيوني الارتواء بمشهدك/‏ لا ولن يغزوني أي حزن بعدك/‏
إلاّ حزن أني بقيت حيّاً/‏ ولم أعتل معك أقواس الإله إيل/‏ أنت السعيد بكل مواسمك/‏ ازرعني في قلب غبطتك/‏ أضواء تتماهى بغبطتك/‏ حيث يمتلئ كل شيء ساحر/‏ بكل شيء أكثر منه سحراً.
وثمة شاعر قرطاجي محارب، شارك في المعارك القرطاجية الأولى التي خيضت في غرب صقلية ضد الرومان واسمه فيلون الصوري، استطاع أن يبقى على قيد الحياة، على الرغم من شراسة المعارك وخطورتها عليه، هو غير المدرب كفاية على القتال. يذكر المؤرخ سترابو أن الشاعر فيلون الصوري رثى بقصيدة مقاتلاً قرطاجياً شاباً، توسّم فيه أن يكون ذخراً عسكرياً لقرطاج، لكنه سقط قبل أوانه، على الرغم من شجاعته. وقد سمى القصيدة «ثروة الوطن»:
لم تتكسّر أشرعتك يا بطل صقلية/‏ بل أراها الآن مفتوحة لظلال الدنيا/‏ تسخر من الوجوه اليابسة للأعداء/‏ وتحوّل دم أبطالنا إلى فضاء مشع بعشتار/‏ إنك ثروة لهذا الوطن/‏ بل ثروة لأوطان الآخرين/‏ وحتى لأوطان الأعداء المدهوشين بقوة شجاعتك/‏ تراهم يردّدون اسمك في الليل والنهار/‏ أكثر مما نردّده نحن/‏ يتعلّمون منك/‏ أكثر مما نتعلم نحن/‏ شجاعتك والشعر كوكبان ملتقيان/‏ يستضيء بهما الليل والنهار/‏ كل كما يريد أو يشتهي/‏ ألا فلننعم الآن بجوهرك الخفي/‏ ولترفرف الطيور دوماً بتقاسيم حضورك.

ثراء
عدا المعاني الثرية والعميقة الوضوح في هذه القصائد التي تؤشر إلى جوهر الشهادة والشهيد عند الفينيقيين كقوم وثنيين، نراها من جانب آخر، تؤشر إلى أنها نتاج حضارة دينية كانت تجمع رؤى الفينيقيين و«تخطّط» لغاياتهم وانتشارهم السلمي بين الشعوب المختلفة، من دون عصبية أو تمييز. وكانت العقيدة الديونيسية، أي الاعتقاد بتجدّد الحياة، مع تجدّد الطبيعة تنهض مع هؤلاء الأجداد الكبار والرائعين لكل العرب، في مشرق الوطن العربي ومغربه اليوم. ومن علامات براعتهم وفذاذتهم أنهم كانوا هم وراء فلسفة الديونيسية هذه، حيث يشير هيرودوت إلى أن هذه العقيدة حملها معه أبو الأبجدية الفينيقي قدموس إلى بلاد الإغريق، وراح هو ورجاله يعلّمونها بطقوسها المتعدّدة هناك. ومن هنا يجيء معنى التجدّد لفلسفة حياة الشهيد بعد استشهاده في هذه القصائد التي سجّلها شعراء هيليستينيون من أصول فينيقية مباشرة. ولا غرو، فالفينيقيون كانوا أول من آمن بين الشعوب الوثنية بتجدّد الحياة، وانخلاعها على ذاتها وموجوداتها عليها. وما قصة الإله أدونيس عندهم إلا الدليل الأبلغ على ذلك. فهم كانوا في فصل الربيع من كل عام يحتفون بولادة هذا الإله من جديد، حيث تتفتح الأزهار متفجرة بالألوان الزاهية، وحتى بتنويعات الفراشات والأطيار كعلامات على هذه الولادة الديونيسية الجديدة.

فعل وعي.. واختيار
إن الشهادة والاستشهاد، هو الفعل الذي يقوم به شخص (ذكر أو أنثى) يعي تماماً الفعل الذي يقوم به. والفعل في الشهادة والاستشهاد هو فعل التضحية بالنفس بالتفاعل الفردي مع النمط المجتمعي المؤسسي (الانتماء المجتمعي والقيم المجتمعية) ووعي العيش الناتج عن التفاعل، والمواجهة الخارجية المرافقة لوعي العيش. والموت في الشهادة والاستشهاد، هو الشكل الذي يرتديه الفعل، وليس الفعل ذاته. والسمات الخارجية للموت في الشهادة والاستشهاد، هي سمات الموت الإيجابي.

عالم الاجتماع اللبناني عبد الله إبراهيم

الإله «البعل» سيحتضن أبطالهم أو شهداءهم ويشملهم بـ«نعمة الخلود»
.......................
كان الفينيقيون يشركون معهم قوى الغيب في كل شيء وخصوصاً في فعل الشهادة
.......................
العقيدة الديونيسية هي الفلسفة الكامنة وراء الاعتقاد بتجدد حياة الشهيد