الاقتصادي

لبنان.. من السرية المصرفية المطلقة إلى المشروطة

قبل الجلسة التشريعية الأخيرة كان لبان بين خيارين، فإما أن يتجاهل مشاريع القوانين المحالة منذ سنوات إلى مجلسه النيابي وبالتالي يجد أنه أصبح خارج المجتمع المالي الدولي، وإما أن يُقرّ هذه القوانين وإن توجّب ذلك التخلي عن شيء من نظام السريّة المصرفية التي تمتع بها منذ زمن بعيد.


اختار ممثلو الشعب الوجهة الثانية ضماناً لبقاء لبنان ضمن الأسرة الدولية والتعاون مع المؤسسات والحكومات في العالم لناحية تبادل المعلومات في إطار مساعي الحد من عمليات التهرب الضريبي. لكن ذلك لم يأتِ بسهولة إذ خاض النواب المنقسمون سياسياً نقاشات أفضت إلى إقرار القوانين معدّلة، ما دفع العديد من النواب والمراقبين إلى الاعتقاد بأن عصر السريّة المصرفية إنتهى.


رئيس الحكومة السابق ورئيس كتلة "المستقبل" النيابية، فؤاد السنيورة، الذي يتمتع بخبرة مصرفية واسعة، دعا إلى الاعتراف بأن العالم اختلف وأكد أن السريّة مستمرة لمن لا شبهة عليهم.


وبما أن المصرف المركزي ومحافظه هما الجهة المحولة البت في مَن يمكن أن تُرفع السريّة عن حساباته، فإن نائب "حزب الله"، نواف الموسوي، وصف المحافظ بأنه "حاكم لبنان".


بهذه الوتيرة من السجال بين "المعسكرين" إستمرت النقاشات فأقر قانون نقل الأموال عبر الحدود بسقف 15 ألف دولار يستطيع الفرد نقله من لبنان وإليه من دون تصريح، على أن يصرّح عن أي مبلغ يتخطى هذا المبلغ وتوضيح قيمته ومصدره وهدفه. أما قانون مكافحة تبييض الأموال كان مصيره مشابهاً، نقاشات حادة وسجالات عنوانها الحد من سلطة "المركزي"، ونجح نواب "حزب الله" في ذلك.


السريّة مشروطة   "الاتحاد" سألت مصادر مصرفية عن حقيقة المس بنظام السريّة فأجابت بأن الدول العربية وافقت على قوانين مكافحة تبييض الأموال، لافتة إلى أن الخيار هو إما أن يكون لبنان جزء من المجتمع الدولي او العكس.


وشددت المصادر المقرّبة من المصرف المركزي على أن السريّة المصرفية لا تزال موجودة لكنها مشروطة بالتأكد من شرعية الودائع، وقالت: "هذا النظام وُجد ليحفظ الاموال النظيفة وليس تلك المشبوهة وكان هدفها في الأصل عندما اعتمدت إستقبال الأموال وجذبها". وأكدت أن رفع السريّة عن أي حساب لن يكون اعتباطيا بل سيخضع لضوابط.


وفي السياق، أشادت "جمعية مصارف لبنان" في بيان حصلت "الاتحاد" على نسخة منه بـ"التوافق السياسي حول عقد الجلسة التشريعية الأخيرة، والذي أثمر إقرار مشاريع القوانين المتعلقة بتبادل المعلومات الضريبية، وتعديل قانون مكافحة تبييض الأموال، ومشروع التصريح عن نقل الأموال عبر الحدود، واتفاق الأمم المتحدة المتصل بتجفيف مصادر تمويل الإرهاب".


سويسرا عالمياً.. لبنان إقليمياً


وأوضحت "شبكة العدالة الضريبية" في استعراض لنتائج مؤشر السريّة المالية، التي نقلها التقرير الأسبوعي لـ"بنك الاعتماد اللبناني"، الذي حصلت "الاتحاد" على نسخة منه، أن "السريّة لا تسهّل التهرّب الضريبي وحسب، بل تعزّز عمليات الاحتيال وتبييض الأموال ونشاطات غير مشروعة أخرى".


وأورد التقرير أن "سويسرا احتلّت الصدارة في مؤشّر السريّة الماليّة لهذه السنة، تبعتها هونغ كونغ والولايات المتحدة وسنغافورة وجزر كايمان، فيما حلّ لبنان في المرتبة السابعة عالمياً والأولى في الشرق الأوسط، مسجلاً "مستوى مرتفعاً جداً".


وأشادت الشبكة في تقرير خاص عن لبنان، بـ "صلابة القطاع المالي الأوفشور والقطاع المصرفي، الذي يُعتبر كبير الحجم مقارنة بالدول ذات مستوى دخل مماثل".


وأفاد تقرير لـ"صندوق النقد الدولي" بأن "الجالية اللبنانيّة المقيمة في الخارج والسريّة المصرفيّة والقدرة على تحويل العملات ومعدّلات الفائدة المرتفعة، تشكّل الحجر الأساس لدى المصارف اللبنانية". وأثنى على "جهود لبنان في مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب بفعاليّة أكبر". 


وطالب "الصندوق" في مناسبات عديدة السلطات المعنيّة بـ"العمل على تحسين الشفافيّة بدلاً من الحفاظ على مستويات السريّة المرتفعة".


يُذكر أن نظام السريّة المصرفية يعود أساساً إلى اقتراح السياسي البارز، ريمون إده، مشروع قانون في هذا الشأن بعد زيارته سويسرا. عام 1954. وفي العام 1956، أُقرّ القانون.


في تلك المرحلة، تحوّل لبنان إلى "سويسرا الشرق"، وحظي بمكانة إستثنائية جعلته ملاذاً آمناً للرساميل الأجنبية وأموال المغتربين، ووجهة مفضلة لرجال الأعمال العرب.