صحيفة الاتحاد

الإمارات

شركات التكنولوجيا المالية تطالب بحوار شفاف مع الجهات التنظيمية لسد فجوة الثقة بالعملات المشفرة

متحدثون خلال الجلسة (الاتحاد)

متحدثون خلال الجلسة (الاتحاد)

مصطفى عبد العظيم (دبي)

أجمع مسؤولون وقادة في القطاع المالي المحلي والدولي على الدور المحوري الذي تلعبه التكنولوجيا المالية في صياغة مستقبل المعاملات والخدمات المالية ليس فقط بين الأفراد، ولكن للمؤسسات المالية وصناديق الاستثمار وإدارة الثروات، على حد سواء، لكنهم في الوقت ذاته شددوا على أن شفافية التعاملات المالية عبر القنوات التكنولوجية مثل العملات المشفرة وضرورة امتثالها للأطر التنظيمية قبل شرعنة عملياتها في الأسواق المالية.
وأكد هؤلاء أن التكنولوجيا المالية تلعب دوراً مهماً في التصدي للتحديات الحرجة أمام تعزيز الاحتواء المالي والنمو الاحتوائي وتنويع النشاط الاقتصادي، من خلال الابتكارات التي تساعد على تقديم الخدمات المالية للشريحة الكبيرة من السكان التي لا تتعامل مع الجهاز المصرفي، وتسهل إتاحة مصادر التمويل البديلة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وأشاروا إلى أن التكنولوجيا المالية تستطيع أن تساهم مساهمة كبيرة في تحقيق الاستقرار المالي، من خلال استخدام التكنولوجيا في ضمان الامتثال للقواعد التنظيمية وإدارة المخاطر، ويمكنها تيسير التجارة الخارجية والتحويلات، بتوفير آليات تتسم بالكفاءة وفعالية التكلفة للمدفوعات العابرة للحدود، كما يمكن أن يؤدي استخدام وسائل الدفع الإلكترونية إلى رفع كفاءة عمليات الحكومة.
وعلى الرغم من هذا التأييد القوي الذي أبداه المسؤولون والخبراء المشاركون في جلسة الثورة التكنولوجية في القطاع المالي التي أقيمت ضمن فعاليات اليوم الثاني للقمة العالمية للحكومات بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، إلا أنهم أجمعوا أيضاً على ضرورة أنه لا يجب إطلاق العنان لهذه الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا المالية بمفرداتها كافة التي تتضمن البلوك تشين وال فينتيك والعملات المشفرة، قبل إجراء مزيد من الإصلاحات لسد الفجوات في الأطر المعنية بالقواعد التنظيمية وحماية المستهلك والأمن المعلوماتي، فضلاً على تحسين بيئة الأعمال، والبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والتوعية المالية.

مراجعة الأطر القانونية
وأكد المسؤولون والخبراء، أنه، ولدعم تطور التكنولوجيا المالية وضمان إدارة المخاطر، يتعين مراجعة الأطر القانونية والتنظيمية والرقابية والأطر المتعلقة بإصدار التراخيص، الأمر الذي من شأنه أن يساعد على ضمان وضوح القوانين القائمة في تناول المنتجات المالية الرقمية ومعالجة المخاطر التي تنشأ من المنتجات ونماذج الأعمال المبتكرة على النحو الكافي، لافتين إلى أنه يمكن للتوسع في استخدام المختبرات التنظيمية أن يسهل فهم مخاطر التكنولوجيا المالية بصورة أفضل، وضمان تصميم القواعد التنظيمية على النحو الملائم.
وشملت قائمة المشاركين في الجلسة التي حضرها معالي عبيد الطاير، وزير الدولة للشؤون المالية، كلاً من معالي مبارك المنصوري، محافظ مصرف الإمارات المركزي، ومعالي أحمد علي الصايغ، رئيس مجلس إدارة سوق أبوظبي العالمي، وعيسى كاظم، محافظ مركز دبي المالي العالمي، ونيك كوك من هيئة السلوك المالي في المملكة المتحدة، ومايكل جروناجر، المؤسس والرئيس التنفيذي في «تشايناليسز»، وماركو سانتوري، الشريك في «كوري»، وجريج ميدكرافت مدير شؤون التمويل والمشاريع في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وسوبنيندو موهانتي، الرئيس التنفيذي للسلطة النقدية في سنغافورة، وجولي موناكو، المدير العام والرئيس العالمي لسيتي بنك.
وركزت الجلسة التي أدارها روس ليكو، نائب المستشار العام في صندوق النقد الدولي، على ثلاثة مواضيع رئيسة، تمحورت حول مدى مساهمة التكنولوجيا المالية لخفض تكاليف الخدمات المالية، وتقليل الزمن المستغرق لتنفيذها، وكيف يمكن لهذه التكنولوجيا أن تعزز من الامتثال للقوانين والتشريعات، وكيف يمكن لصنّاع السياسات أن يعززوا قضية الاشتمال المالي لتحقيق التقدم لهذه التقنيات، وهي ضمان وصول كل المواطنين للخدمات المالية كافة، المقدمة في الدولة، بشكل سريع وآمن وفعال.

فتح حوار شفاف
وطالب مشاركون في الجلسة بضرورة العمل على فتح حوار شفاف بين الهيئات والمؤسسات الرقابية والتشريعية والقطاع الخاص والشركات العاملة في مجال توفير التكنولوجيا المالية، وصولاً لسد الفجوة بين الجانب التشغيلي والجانب التنظيمي، لافتين إلى أنه من الأهمية بمكان العمل سوياً لتسريع وتيرة الاعتماد على التكنولوجيا المالية كخيار لا غنى عنه للمستقبل لا سيما وأنه يمكن التغلب على المخاطر التي قد تنشأ عن هذه التكنولوجيا بحلول أكثر شفافية وقدرة على مراقبة العمليات والبيانات وتتبعها من قبل الجهات الرقابية، مطالبين في الوقت ذاته بوضع معايير عالمية ضمن شفافية المعاملات التي تتم عبر القنوات المالية التكنولوجية المغلقة.
وأكد معالي مبارك المنصوري، في مستهل مشاركته بالجلسة، أهمية الدور الذي تلعبه التكنولوجيا المالية في عملية الشمول المالي الذي يتصدر اهتمام الحكومات لكونه يوفر للمواطنين الخدمات المالية كافة التي يحتاجونها بالشكل المطلوب، مشيراً إلى أن دولة الإمارات كانت سباقة في هذا المجال باعتبارها مركزاً مالياً عالمياً، وحلقة مهمة في القطاع المالي العالمي.
ولفت معاليه إلى سعي القطاع المالي في دولة الإمارات لتطبيق وتوظيف التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي لتحسين وإنجاز الخدمات المالية وتقديمها بكلفة أقل، مشدداً على ضرورة وضع الأمن المالي في كأولوية رئيسة عند الحديث عن التكنولوجيا المالية للحفاظ على ثقة المتعاملين.

مبادرات الإمارات
واستعرض محافظ المصرف المركزي عدداً من المبادرات التي وضعت دولة الإمارات في صدارة البلدان المتقدمة في مجال الشمول المالي، والتي كانت لها السبق في تفعيل العديد من الخدمات المالية الإلكترونية، مثل الدرهم الإلكتروني، ودفع المعاملات الحكومية إلكترونياً، مشيراً إلى أنه لم يكن ليتم بناء هذه الأنظمة إلا من خلال التعاون المشترك بين الجهة التنظيمية والرقابية والجهات الحكومية الأخرى.
وفيما يتعلق بالتحديات التي تحد من الانتشار الواسع للتكنولوجيا المالية، أوضح معاليه أن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 قد دفعت العديد من الأجهزة الرقابية لوضع سياسات جديدة لمنع تكرار الأزمة في المستقبل، وبطبيعة الحال فإن القوانين والتشريعات لم تكن فقط أكثر صرامة حيال مكافحة غسيل الأموال والممارسات المالية غير المشروعة، بل أكثر تعقيداً أيضاً.
وأشار معاليه إلى بعض التحديات المتمثلة في إنفاق البنوك مليارات الدولارات لضمان الامتثال للسياسات المالية الصارمة، الأمر الذي خلق مزيداً من التعقيدات التي لا تتوافق مع الرغبة بجعل التعاملات المالية أرخص وأسرع، مؤكداً أن استخدام التقنيات الحديثة سيحد من هذه التعقيدات، وسيساعد على تحليل وتحديد توجهات معينة، لكيلا يتم إنفاق أموال هائلة على الموارد.
وأشار المنصوري إلى ضرورة أن يتعاون المشرّعون مع مزودي الخدمات، خاصة أن مزودي التقنيات أصبحوا يأخذون زمام المبادرة، ويُحدثون تغييرات جذرية وإحلالية في القطاع من خلال توفير الحلول.

ريادة سوق أبوظبي العالمي
وأكد معالي أحمد علي الصايغ أن سوق أبوظبي العالمي يعتبر التكنولوجيا المالية أحد أهم وأبرز أدوات القطاع المالي في المستقبل، لذلك بادر من تأسيسه بوضع خطة استراتيجية لتطوير أعمال التكنولوجيا المالية لاسيما وأن هذه التكنولوجيا ستغير عمل المصارف والمؤسسات المالية، وذلك من منطلق الحاجة إلى الفهم العميق لهذه التكنولوجيا وطبيعة عملها، ومن ثم دعم الشركات الناشئة العاملة في هذا القطاع.
وقال الصايغ: «إن السوق يمتلك أكبر عدد من شركات التكنولوجيا المالية في أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا بعد المملكة المتحدة»، كما أشار إلى الدروس المستفادة من استضافة هذه الشركات والتعرف إلى المخاطر التي تواجهها، وكيف يمكن مساعدتها للحد من هذه المخاطر.
وقال معاليه: «إن السوق قام في أكتوبر من عام 2016 بإطلاق «المختبر التنظيمي» لـ«سوق أبوظبي العالمي»، وهي المبادرة الأولى من نوعها في المنطقة، وليشكل إطار عمل تنظيمي وتشريعي وموجه لشركات التكنولوجيا المالية»، مشيراً إلى أن المختبر يوفر بيئة تتيح لشركات التكنولوجيا المالية القدرة على تطوير واختبار منتجاتها وخدماتها وحلولها المتصلة بالتكنولوجيا المالية، ضمن بيئة آمنة ومحكّمة، تتمتع بضوابط وتشريعات محددة، من دون التعرض لأي أعباء تنظيمية أخرى، مما يتيح للمشاركين فرصة استكشاف وتطوير الحلول المبتكرة، في بيئة حيوية محددة المخاطر وذات تكاليف مالية فاعلة اقتصادياً.
وأشار معاليه إلى سوق أبوظبي العالمي نجح خلال فترة قصيرة في أن يجذب العديد من شركات التكنولوجيا المالية التي رأت في السوق المنصة المثالية للانطلاق نحو تحقيق أعمالها في بيئة آمنة ومحفزة على الابتكار والإبداع، منوهاً بدور السوق في إنجاح أعمال هذه الشركات التي شاركت بفعالية في مهرجانات الفينتيك في سنغافورة والقاهرة.
وأشار الصايغ إلى أن برنامج مسرعات الأعمال في سوق أبوظبي العالمي دخل في شراكة مع «بلج آند بلاي» لتأسيس برنامج مسرعات الأعمال الأول من نوعه عالمياً، لتقديم الدعم اللازم لمركز ابتكار التكنولوجيا المالية التابع لسوق أبوظبي العالمي، مشيراً إلى أن البرنامج سيولي تركيزاً خاصاً لدفع عجلة تطوير خدمات التكنولوجيا المالية في المنطقة.
بدوره أكد عيسى كاظم، محافظ مركز دبي المالي العالمي، اهتمام المركز منذ تأسيسه بالاستفادة من التكنولوجيا المالية ضمن استراتيجية متكاملة لتعزيز مساهمة القطاع المالي في الناتج المحلي للإمارة التي زادت من 6% في عام 2004 لتصل إلى 13% حالياً.
وأكد كاظم أن التكنولوجيا المالية المتسارعة في متغيراتها من شأنها أن تشكل مستقبل القطاع المالي، لهذا سبقت الإمارات دولة المنطقة في عملية الشمول المالي، في حين لا يزال هناك نحو 70% من سكان منطقة الشرق الأوسط ليسوا مشمولين بالخدمات المالية حتى الآن، مشيراً إلى أن جيل الألفية سيكون محركاً مهماً في عملية الشمول المالي من خلال الولوج إلى المؤسسات المالية المصرفية غير التقليدية.

حاضنة لشركات التكنولوجيا المالية
وكشف محافظ مركز دبي المالي العالمي عن اعتزام المركز طرح حاضنة جديدة لشركات التكنولوجيا المالية، من خلال الصندوق المتخصص بقطاع التكنولوجيا المالية الذي تم إطلاقه مؤخراً بقيمة 100 مليون دولار، لتسريع وتيرة تطور التكنولوجيا المالية، من خلال الاستثمار في المشاريع الناشئة منذ تأسيسها.
وأوضح أن الصندوق يهدف إلى المساعدة في تأسيس ودعم نمو شركات التكنولوجيا المالية الناشئة والشركات في مراحل النمو الأولى، وتتطلع إلى الوصول إلى أسواق منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب آسيا، لافتاً إلى أن الصندوق سيستفيد من البيئة الداعمة للتكنولوجيا المالية التي يوفرها المركز، بما في ذلك تراخيص لاختبار الابتكارات وأسعار مشجعة ومساحات عمل تعاونية.
وأضاف أن هذه الخطوة جاءت امتداداً لمبادرة «الفينتك هايف» التي تحتضن من 12 إلى 13 شركة، والتي أعلن عنها المركز في العام الماضي بالتعاون مع شركة أكسنتشر، بهدف ربط تكنولوجيا الخدمات المالية الحديثة بأسواق الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب آسيا، وتوفير منصة تجمع شركات الخدمات المالية والتكنولوجية تحت سقف واحد.

لا تذبحوا العملات المشفرة

تطرقت الجلسة للحديث عن مستقبل العملات المشفرة التي ما زالت تخضع لجدل واسع بين الجهات التنظيمية وشركات التكنولوجيا المالية والمتعاملين بهذه العملات، وأكد سوبنيندو موهانتي، الرئيس التنفيذي للسلطة النقدية في سنغافورة، ضرورة التعامل مع هذه العملات وعدم رفضها كلياً لاسيما وأنه يمكن العمل على سد الثغرات التنظيمية التي تواجه حركة هذه العملات باتباع قنوات واستخدام أدوات أكثر شفافية وقابلة للمراقبة والتتبع من قبل السلطات والجهات التنظيمية.
وطالب موهانتي الجهات التنظيمية والرقابة بعدم وأد تجربة العملات المشفرة التي ما زالت في مرحلة الاختبار، والاستفادة من التكنولوجيا المالية والبلوك تشين والبيانات الموثوقة، مشيراً إلى أنه يجري العمل في سنغافورة على مشروع لتطبيق تجربة أعرف عميلك ضمن قنوات البلوك تشين، داعياً الجهات التنظيمية والمصارف المركزية بعدم إطلاق البيانات الرسمية التي تنتقد هذه العملات.
من جهته، قال مايكل جروناجر، المؤسس والرئيس التنفيذي في «تشايناليسز»: «إننا ما زلنا في المراحل الأولية لهذه العملات، ونحن بحاجة إلى بنية تحتية كبيرة»، فيما أكد وجريج ميدكرافت، مدير شؤون التمويل والمشاريع في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن من المبكر جداً إصدار حكم على العملات المشفرة، خاصة أنه ليس هناك فهم لأنواعها التي تتضمن الإصدارات الأولية للعملات والعملات المضمونة بأصول، والعملات المقابلة للسلع، مؤكداً أننا أمام فرصة كبيرة للعمل معاً على تقليل مخاطر هذه العملات.