ألوان

عربة السيدات في المترو المصري.. سوق ومنبر وساحة معركة

وسائل النقل تحت الأرض فى مصر تعد عالماً موازياً مستقلاً بذاته، حيث تشهد خطوط مترو الأنفاق الثلاثة من الغرابة والعجب والفلسفة الحياتية أحياناً رصداً حقيقياً للظاهرة والمكان.


ويمكن اعتبار خطوط مترو الأنفاق في مصر أسواقاً متحركة، حيث يباع في المترو كل شيء، بداية من أداوت التجميل والملابس، مروراً بلعب الأطفال وأداوت المطبخ، وصولاً إلى الفطير المشلتت.


وصحيح أن قانون مترو الأنفاق يجرّم البيع والشراء فيه، إلا أن شرطة المترو ما تزال عاجزة عن منع حركة البيع داخل العربات لأن البائعين لا يكشفون عن وجودهم ولا يعرضون منتجاتهم إلا بعد غلق الأبواب وتحرك القطار وقبل التحرك يضعون حقائب البضائع بجانبهم وكأنهم ركاب عاديون.


وترتكز حركة البيع وعرض المنتجات على عربة السيدات تحديداً، ربما اعتقاداً بأن السيدات هن الأكثر اهتماماً وانجذاباً للعروض والخصومات ورخص البضائع، وهن الأكثر تفاعلاً مع البيع والشراء.


يُغلق الباب ويتحرك القطار، وعندها تبدأ بائعة مواد التجميل في عرض ما لديها، تليها بائعة أدوات الطهي، مع إعلان السيدة التي تجلس بجوار الفطير المشلتت الطازج أنه طازج وساخن وشهي ورخيص.


وعلى الجانب الآخر قد تظهر فتاة ترتدي نقاباً أو خماراً، على أقل تقدير، وتصيح بأعلى صوتها قائلة: «أخواتي المسلمات، رددوا معي دعاء الركوب»، وتتلوه، فيتفاعل معها من يتفاعل ويتجاهلها من يتجاهل، ولا مانع  أن تضع ملصقات على جدار العربة فيها أحاديث قدسية ونبوية على اعتبار أنها صدقات جارية ستؤجر على كل عين تقع عليها.


ومن غير المقبول أن تُفتح سيرة الرئيس المعزول محمد مرسي في عربات النساء، فالحديث عن هرطقات الشرعية المزعومة سيودي بقائلته للتعرض لهجوم شديد من باقي الراكبات، وربما تعرض نفسها للضرب أيضاً.


ويلصق البعض أحيانا منشوارات سياسية سرعان ما يزيلها آخرون بأوامر عليا مشددة تمنع وجود أية ملصقات سياسية فى المترو سواء كانت  مؤيدة للنظام الحاكم أو ضده، كما توجد أيضاً ملصقات التوظيف وملصقات التنويه عن الغائبين، وهي الأطول عمراً بين الملصقات.


وتسببت آثار محو تلك الملصقات من على زجاج العربات وجدرانها في جعل الشكل العام للمترو مؤسفاً جداً وينسف المليارات التى تنفقها الدولة على صيانته ومحاولات تقديمه لخدمة الجمهور بأفضل شكل.


ولا يمكن أن نغفل هنا عما يفعله المتسولون في الناس، فعربة السيدات هي الأكثر جذباً للمتسولين ربما لأن الشائع أن النساء يتفاعلن أكثر مع المشهد الذي يقدمه المتسول، لكن المسألة أصبحت لافتة للنظر جداً خاصة مع زيادة أعدادهم، والتي تسببت في نشوب معارك بين المتسولين أنفسهم داخل العربة بسببب تضارب أماكن وجودهم وعدم التزام كل متسول بالعربة المتفق عليها مع زعيم «لوبي المتسولين».  ويتسبب وجود الأطفال فى عربة السيدات بآثار نفسية سيئة جداً على الراكبات ربما لكثرة البكاء الذى يثير الأعصاب وربما لكثرة الحركة والصوت العالي وربما لأن وجودهم كان سيتسبب ذات مرة فى انقلاب القطار من على القضبان وكانت واقعة شهيرة قام  فيها أحد الأطفال بفتح كابينة القيادة على السائق وقام بالعبث فى بعض الأزرار، إلا أن السائق أنقذ القطار بأعجوبة وتقرر نتيجة لذلك نقل عربة السيدات إلى منتصف القطار بعد ما كانت في أوله.