تقارير

ضحايا الهجمات الغادرة

لا تزال أجواء الهجوم الغادر الذي شنته على باريس مجموعات تنتمي إلى تنظيم «داعش» الإرهابي مسيطرة على المشاعر والإجراءات الرسمية والشعبية وقليلة هي المعلومات التي توافرت حتى الآن، وأذيعت ونشرت في أجهزة الإعلام.
ومن ناحية المشاعر الشعبية في فرنسا وغيرها (حتى هنا في كندا)، فقد كان يطغى الحزن أحياناً وسوء الفهم أحياناً أخرى حيال مواقف بعض السياسيين الذين يدفعون نحو تحميل المسلمين الفرنسيين عامة مسؤولية هذا العمل غير الإنساني ويصعدون نغمة الكراهية، لدرجة مطالبة الحكومة الفرنسية بإغلاق المساجد وترحيل أئمة المساجد المتهمين في نظرهم ببث الكراهية، وهي دعوة وجدت استجابة من رئيس الجمهورية الفرنسية، مضافة إليها دعوة أخرى لتجريد المواطنين الفرنسيين المسلمين-المتهمين بمعاداة فرنسا ونظامها الدستوري- من جنسيتهم، وإن كان الرئيس قد غلف استجابته بتصريحه أنه يتشاور مع المحاكم حول قانونية هذا الإجراء الآن.
الأجواء الشعبية والرسمية تعيد إلى الذاكرة تلك الأيام التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة والتي التهبت فيها المشاعر ضد المسلمين عامة والأميركيين منهم بخاصة. ورغم أن بعض علماء المسلمين المسؤولين قد بادروا وأدانوا وشجبوا بشدة الهجوم الإرهابي الغادر الذي راح ضحيته مئات القتلى والجرحى من المدنيين ومن كل الجنسيات، إلا أنك تجد بعض الأصوات خاصة في الصحافة والإعلام الأميركي تتساءل عن تردد وتأخر بعض الحكومات العربية والإسلامية في إدانة أحداث الجمعة الماضي الدموية، بل إن بعض المعلقين زعموا أن الدول العربية المشتركة في التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد «داعش» ليست جادة ولا حاسمة في محاربة التنظيم الإرهابي.
بل زعم معلق مشهور أن ما هو مطلوب الآن هو المعلومات الاستخبارية عن «داعش» منذ نشأته الأولى وإلى الآن، وهي (أي المعلومات) متوفرة لاستخبارات دول منطقة الشرق الأوسط التي يقال إن بعضها كان على صلة بتأسيس التنظيم. وتساءل المعلـــق: هل قدمت الاســــتخبارات العربية المعنية ما لديها من معلومات مؤكدة لنظيرتها الأميركية والفرنسية؟
خلط الأوراق هذا سيستمر لفترة من الوقت والهزة العصبية التي أحدثتها «الحرب على فرنسا» من قبل «داعش»، كما قال الرئيس الفرنسي، ستستمر لوقت أيضاً، لكن لابد من أن تأتي لحظة يصحو فيها العالم وينظر بعين العقل والبصيرة والتحليل الموضوعي لهذا الخطر الداهم الذي يهدد البشرية جمعاء، وليس العالم الغربي وحده. لقد تبارى قادة الدول المجتمعون في قمة العشرين في تركيا في الخطب والأحاديث الحماسية تأييداً ودعماً للحكومة الفرنسية ومواساة الشعب الفرنسي وأعلنوا أنهم يقفون إلى جانبهما وسيواصلون حربهم ضد الإرهاب، لكن الكلمات الحماسية لم تعد تكفي فالمطلوب الآن هو تحرك دولي منظم لشن حرب حقيقية على «داعش» وغيرها من الجماعات الإرهابية، والتي لا ترعى ولا تحترم حياة البشر، صغارهم وكبارهم، والتي تلتحف بالجهاد الإسلامي زوراً وبهتاناً، وهي في واقع الأمر أشد عداوة وخطراً وضرراً على الإسلام والمسلمين.
إن الذين خططوا ونفذوا هجمات الجمعة في باريس كانوا يعلمون سلفاً أن عملهم هذا لا يصل بهم إلى مكان ولن يحقق لهم نصراً عسكرياً على الجمهورية الفرنسية، وإنما كان هدفهم - كالعادة - هو بث الرعب والخوف في صفوف المدنيين، وتحقيق أكبر قدر من الدعاية المجانية للتنظيم التي تتبرع له أجهزة إعلام جاهلة أو متجاهلة.
هل صحيح أن هجمات الجمعة الماضي هي في بعض المعاني دليل على ضعف التنظيم الذي اهتزت الأرض من تحت أقدامه في سوريا والعراق مؤخراً؟ قد يكون الأمر كذلك.. لكن المؤكد أن هجمات الجمعة الماضي في باريس قد خلفت وراءها ضحايا كثيرين أولهم القتلى والجرحى وأسرهم، وأكثر منهم عدداً ملايين اللاجئين السوريين والعراقيين وغيرهم ممن كانوا يقفون على أبواب الدول الأوروبية يبحثون عن ملجأ لأطفالهم ونسائهم وكانت نتيجة الجمعة الماضي عندما أغلقت أوروبا أبوابها أمامهم ومثلهم ملايين المسلمين الأوروبيين ستغلق بعض مساجدهم، وسيعانون الأمرَّين من جراء الغضب الشعبي والرسمي على المسلمين عامة، مما بدأت آياته تظهر للعيان في فرنسا وبلجيكا والدنمارك.
وفي كندا، ارتفعت أصوات تطالب رئيس الحكومة الكندية أن يتريث في إنجاز وعده ومشروعه باستضافة خمسة وعشرين ألفاً من اللاجئين السوريين بدعوى الخوف من تسرب الإرهابيين الدواعش بين صفوفهم، ولكنني لا أظن أنه سيستجيب لهذه الأصوات النشاز هنا، لكن على الأقل ستشدد أجهزة الأمن في التحقق من شخصيات الضيوف القادمين إلى كندا، وهو أمر لا غبار عليه، مما قد يعطل وصولهم إلى هنا رغم أن رئيس الحكومة الجديد لن يتراجع عن وعده القاطع.

*عبدالله عبيد حسن*
*كاتب سوداني مقيم في كندا