الاقتصادي

الطاقة النووية الفرنسية تراهن على الصين لاحتواء التراجع

محطة للطاقة النووية في فرنسا (أرشيفية)

محطة للطاقة النووية في فرنسا (أرشيفية)

عانى قطاع الطاقة النووية في فرنسا جملة من العقبات هذه السنة، تضمنت عدم إيفاء الحكومة بوعودها وتأجيل مشاريع بمليارات الدولارات وإنقاذ واحدة من الشركات الوطنية الرئيسية من الانهيار وغيرها. وبلغت هذه المشاكل ذروتها عندما تم في أغسطس الماضي، إرغام أريفا، الشركة التي تعمل في تصميم وبناء محطات المفاعلات النووية حول العالم، على عقد صفقة إنقاذ بالمليارات مع منافستها إي دي أف والحكومة الفرنسية.
وتضررت الشركة من المنافسة الأجنبية والركود الذي ساد طلب الطاقة النووية العالمي في أعقاب كارثة فوكوشيما اليابانية في 2011، بجانب تجاوز التكاليف لمستوياتها. ويُذكر أن أريفا، لم تنجح في بيع مفاعل واحد جديد منذ 2007. وأكد رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالز، قبل إبرام الصفقة التي تقضي ببيع معظم أسهمها لشركة إي دي أف، ضرورة إعادة الشركة إلى دائرة العمل لمساهمتها في تعزيز الطاقة النووية كمصدر قوة لفرنسا.
ويعتبر قطاع الطاقة النووية الفرنسي، واحداً من أكبر القطاعات في العالم وأكثرها تطوراً، وذلك بفضل ما تملكه البلاد من 58 مفاعلاً تقدر سعتها الإنتاجية بنحو 75% من كهرباء البلاد، والتي تم إنشاؤها عقب الصدمة النفطية في 1973. وتصدرت فرنسا قائمة الريادة في تقنية مفاعلات الجيل الثالث المعروفة باسم المفاعلات الأوروبية مضغوطة الهواء، التي أحدثت ثورة كبيرة في عالم الطاقة النووية بإنتاجها الذي يصل إلى 1700 ميجا واط.
كما أن فرنسا يحسب لها استمرارها في استخدام الطاقة النووية التي تشكل جزءاً من مزيج الطاقة في أوروبا، عندما تخلت العديد من الدول عنها في أعقاب كارثة فوكوشيما.
ويقول جيان مارك، المدير التنفيذي لشركة أكسنتيور لتشغيل الموارد:«إن قطاع الطاقة النووية بما فيه الفرنسي، واجه تحديات كبيرة، ما حدا به إلى طرح العديد من الأسئلة على نفسه منذ الأزمة اليابانية».
لكن كانت السنوات الخمس الماضية بالنسبة لقطاع الطاقة النووية الفرنسي، بمثابة جملة من المشاكل التقنية وتجاوز التكاليف للحدود الموضوعة لها، ما أدى لانهيار أريفا وللشك في مقدرة البلاد على جلب تقنية الجيل المقبل.
وفي فنلندا، تأخر مفاعل أولكيلوتو 3، الأول الذي يبدأ تشغيله من جيل المفاعلات التي تعمل بضغط الماء، عشر سنوات عن موعده الأصلي وتجاوز تكلفته الأولية بنحو 5 مليارات يورو. ومن المتوقع أن يبدأ العمل في 2018. وفي سبتمبر الماضي، أعلنت إي دي أف، تأجيل العمل في مفاعل فلامانفيل في نورماندي بفرنسا، الذي من المتوقع بلوغ تكلفته الأولية نحو 3 مليارات يورو، وأن يبدأ العمل في 2012، بيد أنه لن يدخل حيز التنفيذ قبل 2018 بتكلفة تناهز 10,5 مليار يورو.
ومفاعلات أو آل 3 وفلامانفيل، هي من ضمن التجارب الأولى التي تبنت التقنية الجديدة. ومن المنتظر أن يسير العمل بسلاسة في مفاعل هينكلي بوينت في المملكة المتحدة، نظراً للدروس المستفادة من التجارب السابقة. ويجري العمل حالياً في اثنين من المفاعلات التي تعمل بضغط الماء في الصين، التي تتميز بخبرة كبيرة في مجال المشاريع المدنية الكبيرة، التي من المرجح إطلاقها بحلول 2017.
وبرزت آخر مشكلة في أبريل الماضي، عندما اكتشف منظم الطاقة النووية الفرنسي، استخدام حديد مغشوش في مفاعل شركة إي دي أف في فلامانفيل، ما ألزم الشركة إجراء اختبار.
وينبغي على فرنسا، التأكد من اشتراكها في توفير طلب الطاقة النووية للسوق الصينية الضخمة. وتعكس مشاكل الإنشاء هذه، التعقيد الذي تتسم به مشاريع المفاعلات النووية التي تعمل بضغط الماء، ما جعل البعض يتساءلون عما إذا كانت هذه المفاعلات الكبيرة ستجد الطلب أم لا، بالأخذ في الاعتبار حجمها الضخم وتكلفتها الباهظة. وتزامنت هذه التساؤلات مع الحوارات السياسية التي انطلقت في الداخل، في الوقت الذي تحاول فيه فرنسا تقليل اعتمادها على الطاقة النووية.
وبالاتفاق بينه وحزب الخضر الذي يحارب استخدام الطاقة النووية، وعد الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، بخفض حصة الطاقة النووية في فرنسا من 75 إلى 50% بحلول 2025. وربما ينجم عن ذلك، إغلاق بعض المحطات، رغم أنه ليس من الواضح ما يخلفها وأنها الأقل تكلفة، ما يعني ارتفاع فاتورة الكهرباء في البلاد.
ويرمي مشروع جراند كارنيج، لزيادة العمر الافتراضي لمحطات الطاقة النووية القديمة من 40 إلى 50 سنة بتكلفة تصل إلى 55 مليار يورو، في حالة الموافقة السياسية على ذلك.
واتضح أن إغلاق محطة نووية واحدة أمر ليس أمراً سهلاً. ووعدت الحكومة الفرنسية بإغلاق محطة فيسنهيم الأقدم في فرنسا العام المقبل. وبصرف النظر عن القرارات السياسية المتوقعة، ربما يعاني قطاع الطاقة النووية في فرنسا خلال السنوات القليلة المقبلة. ويترتب عليه كسب بعض المشاريع في الخارج، في بلدان مثل جنوب أفريقيا والبرازيل وبولندا وغيرها، بيد أن أملها ينعقد بصورة رئيسية على الصين التي تخطط لزيادة سعة الطاقة النووية لتصل إلى 58 ألف ميجا واط في حلول 2020.
ويضيف جيان مارك:«على فرنسا التأكد من مشاركتها في توفير جزء من هذا الكم الهائل من الطاقة النووية في الصين. ومن المنتظر أن يساهم ذلك في دفع عجلة النمو في البلاد. وينبغي علينا ألا ننسى أن الطاقة النووية، هي المصدر الوحيد حتى الآن لتوليد كهرباء رخيصة خالية من الكربون».

نقلاً عن: فاينانشيال تايمز