صحيفة الاتحاد

الرياضي

المدربون والأندية ·· من الضحية(2-3)

تفنيش المدربين
هل يؤثر على المنتخب؟!

تحقيق - ممدوح البرعي:

المقاصل الممتدة عبر المواسم الأخيرة لمدربي أندية الدرجة الأولى لكرة القدم لا تتوقف تأثيراتها على الأندية نفسها فنياً ومالياً، ولكن ذروة الخطورة أن تصل إلى منجزات المنتخب وهو يتطلع لاستثمار لقب ''خليجي ''18 وتحقيق قفزة نوعية جديدة·
وكما أن العلاقة وثيقة بين النهر والمجرى فإن نتاج الأندية يصب دائماً في مجرى المنتخب، فإذا تدفق الموج قوياً عاتياً دبت الحياة وتحركت المياه الراكدة في عروق المنتخبات ·· وإذا تعطلت عطاءات الأندية حل الجدب وجفت ينابيع المنتخب ·· وكلما تمتعت الأندية بأجهزة فنية قوية مستقرة وأحرزت تطورا تدريجياً كلما انعكس ذلك على قوة وسخونة المسابقات المحلية وأفرزت عناصر أكثر تفوقاً للمنتخب وأمكن مع هذا المناخ الفني المستقر الوصول إلى نوع من التنسيق الضروري والعميق بين الجهاز الفني للمنتخب وأجهزة الأندية، بحثاً عن استراتيجية واحدة للكرة الإماراتية وهي قمة ما يمكن الوصول إليه على طريق التطوير·
لذلك توجهنا مباشرة إلى الأطراف ذات العلاقة بالمنتخبات وأثرنا القضية بحثاً عن أبعاد جديدة وحلول ممكنة·
عبدالقادر حسن يضع القضية في معمل تشريح اللجنة الفنية:
التطوير لا يأتي بكثرة التغيير

أكد عبدالقادر حسن عضو اللجنة الفنية باتحاد كرة القدم أن التغييرات السريعة المتتالية للمدربين والأجهزة الفنية بأندية الدرجة الأولى لاشك تضر باللاعبين والأندية فهي تؤثر تأثيراً عميقاً على اللاعب نفسه نظراً لأن لكل مدرب أسلوبه الفني والخططي وطرق في التدريب وتحديد للواجبات وكلما استقر المدرب تطور اللاعب من مباراة لأخرى ومن موسم إلى موسم وتحسن أداء الفريق وهو ما ينعكس دون شك على المنتخب·
أما التغييرات السريعة المتعاقبة بمعدل يتراوح بين اثنين وثلاثة مدربين للفريق في الموسم الواحد فهو أمر خطير له انعكاسات سلبية كبيرة على مستوى كرة القدم الإماراتية لأن هناك لاعبين يظهرون ثم يختفون نظراً لاختلاف رؤية كل جهاز جديد وقناعته بمجموعة معينة من اللاعبين وهو ما يحرم المنتخب من تثبيت مجموعة محددة ومراقبة تطويرها وإعادة تطعيمها كل فترة بدماء جديدة·
وقال عبدالقادر حسن إنني من مؤيدي الاستقرار في كل شيء وأرى بداية لتحقيق هذا الهدف أن تحسن الأندية اختياراتها ولكي تحسن الاختيار فلابد أولاً أن تضع أهدافاً محددة واستراتيجية واضحة للفريق على ضوء تقييم صحيح لكل العناصر المتوفرة وبالتالي يمكنها النظر إلى أهداف واقعية فيكون بينها من يبحث عن البطولة ومن يستطيع المنافسة ومن يسعى فقط للبقاء في الدرجة الأولى ومن يرد إعادة بناء فريق جديد وتطويره عبر عدة سنوات وبالتالي يمكن اختيار نوعية المدرب التي تناسب هذه الأهداف والابقاء عليه من عامين إلى خمسة أعوام يستطيع خلالها أن يضع ويطبق خطط التطوير·
أما الاختيارات العشوائية فتنجم عنها تغييرات سريعة تحكمها نتيجة مباراة أو اثنتين·
وأضاف أن المدرب أيضاً يأتي وفي حساباته الرحيل في أية لحظة فلا يكون مستقراً في عطائه مع الفريق ولا يستطيع أن يضع خططاً قصيرة وطويلة المدى لأنه لا يعرف ما إذا كان سيرحل اليوم أم غداً ويضطر للتعامل بالقطعة مع المباريات ولا يصب خلاصة فكره بصورة صحيحة لصالح فريقه ولا يحسب أهدافاً محددة لهذا الموسم توصله إلى أهداف جديدة في الموسم التالي ولا يستطيع البحث عن تصعيد مجموعة من لاعبي الفئات السنية لدعم الفريق في المستقبل لأنه لا يتعامل مع مستقبل ولكن مع مباراة وهدف وقتي ·· وهناك شكوى دائمة من الأندية أن المدربين لا يطلعون على فرق الفئات السنية والسبب يرجع إلى أن المدرب لا يعلم هل هو باق أم لا·
التغيير لأسباب جماهيرية
وقال عبدالقادر حسن إن تغيير المدرب لا يكون دائماً عن قناعة فنية ولكنه يأتي أحياناً من إدارات الأندية لمواجهة ضغوط جماهيرية وإعلامية وربما نتيجة ضغوط من اللاعبين أنفسهم وهو أمر بالغ الخطورة والمفترض على أقل تقدير أن يبقى المدرب لمدة عامين وألا نتعامل مع المدربين بالقطعة·
وأضاف عبدالقادر حسن أن المدرب الفرنسي آلن ميشيل أكبر دليل على ما أقول فقد تولى في بداية الموسم تدريب نادي دبي وحقق معه نتائج جيدة ولدى بدايات التراجع استغنى عنه النادي وها هو اليوم يعود إلى تدريب الأهلي حامل اللقب وأحد أكبر أندية الدولة ·· فهل كان آلن ميشيل بالأمس مدرباً ضعيفاً واليوم عملاقاً؟!
مشكلة الاختيار أن الأندية تفتقر إلى تقييم واقعي لإمكانات فرقها ولاعبيها وكلها تحاول أن تبحث عن البطولة في بداية الموسم ثم تجدها تصارع الهبوط في نهايته ·· ليس هناك تقييم موضوعي ليعرف النادي مكانه الصحيح وماذا يريد حيث لا وضوح في الهدف ولا الرؤية ولهذا يقع التغيير·
مشكلة البديل
وقال عبدالقادر حسن إن المشكلة الثانية المرتبطة بإبعاد المدربين هي اختيار المدرب البديل حيث تعتقد الأندية أن المدربين الذين سبق لهم العمل بالدولة أو منطقة الخليج العربي هم الأقرب للتعامل مع الوضع القائم والأكثر دراية بمستويات وظروف اللاعبين وبالتعامل معهم نفسياً وبذلك يسهل على الأندية الاختيار ولا تجتهد في البحث عن جديد ولا تتعب نفسها أو تتجرأ على المجازفة وبالتالي فإن مثل هذا المدرب الذي عاش نفس الأوضاع سابقاً يأتيك وهو يدرك تماماً أنك غداً سوف تطيحه من جديد فلا يستطيع أن يراقب ويخطط لتطوير بعض المراكز في الفريق كحراسة المرمى على سبيل المثال إذا ما كان الفريق يعاني نقصاً فيها وكيف يسد النقص ومن هي العناصر المتاحة وكيف تتطور عبر عدة مواسم وهكذا·
أيضاً هناك عوامل مساعدة لها دور رئيسي في نجاح عمل المدربين إضافة إلى تحقيق عنصر الاستقرار مثل الامكانات المتاحة والمعسكرات والمباريات الودية ومستوى اللاعبين ومدى تجاوبهم وتعاون الإدارة وغيرها من العناصر الضرورية التي ينبغي أن تتوازى مع حسن الاختيار وعنصر الثبات والاستقرار·
وعن المعوقات المالية التي تحول دون اختيار أمثل لمدربين على مستوى رفيع قال عبدالقادر حسن إن الاختيار ''الأرخص'' يكلف أكثر لأنك تغير ثلاثة مدربين في الموسم وتخسر مبالغ باهظة لو تجمعت كلها في مدرب كبير ذات شهرة وسمعة طيبة لكان أوفر مالاً وجهداً·
العلة ليست في المدرب
وقال عبدالقادر حسن إن أغلب المدربين الذين عملوا على ساحة كرة القدم الإماراتية على مستوى جيد ولو قيمناهم لوجدنا أكثرهم أصحاب تاريخ وانجازات ولهم أسماء لامعة وأحياناً لا تكون العلة في المدربين أنفسهم ولكن في كيفية التعامل معهم وتوفير عوامل النجاح وغالباً ما نتعامل معهم ''بردة الفعل'' فنستجيب للضغوط دون تقييم موضوعي ولو لم يكونوا على مستوى طيب لما تعاقدت معهم الأندية من الأصل·· إذن المشكلة لا تكون دائماً في المدرب ولكن في كيفية التعامل مع المدرب·
وتطرق عبدالقادر حسن إلى القضية من زاوية أخرى فأشار إلى أن نتائج المنتخب الأول باستثناء ''خليجي ''18 والتصفيات الآسيوية لم تكن جيدة لأن المنتخب طالته نفس العلة التي تعانيها الأندية فتراجع مستواه وتراجعت نتائجه منذ عام 1996 لأن عددا كبيرا من المدربين تبدل عليه وكانت الخطوة الجيدة الأخيرة التي اتخذها اتحاد الكرة هي تجديد عقد مدربه الفرنسي عبدالكريم ميتسو حتى عام 2010 وهو ما أوجد نوعاً من الاستقرار في المنتخب وجعله ينظر للمستقبل باستراتيجية واضحة وهذا ما نطالب به الأندية·

بوفالقة ·· ورأي فني من قلب أجهزة المنتخبات:
مدربون يتلاعبون
وآخرون تجاوزتهم الأحداث

استطلعنا رأي أحد أعضاء الأجهزة الفنية للمنتخبات الوطنية فأكد نور الدين بوفالقة مساعد مدرب المنتخب الأولمبي والشباب أن الظاهرة سلبية بكل المقاييس لأن التغيير في أغلب الحالات قبل نهاية الموسم لا يحقق نتائج إيجابية ولكن يضر بالفريق·
وأضاف: إن الأندية تتحمل المسؤولية لأنها أولاً يجب أن تتريث عند التعاقد للحصول على المعلومات الكافية عن المدرب وهل يستطيع تحقيق الأهداف التي تسعى إليها أم لا ؟·· وفي كل الحالات يجب على الأندية طالما تعاقدت أن تعطي المدرب فرصته كاملة وفي أوروبا والفرق الكبيرة لا مجال لتغيير المدرب على الطريق قبل نهاية الموسم على اعتبار أنه يعرف الفريق وعلى دراية كاملة بالنواقص والإيجابيات كما أنه يعرف الفرق المنافسة وبالتالي يكون من الأنسب ألا يرحل إلا في آخر الموسم وبالتالي يأخذ النادي فرصته في البحث عن بديل·
وأضاف بوفالقة أن الواقع لدينا - للأسف - ليس كذلك ومع ثاني أو ثالث هزيمة تلجأ الأندية إلى التغيير وهي تدرك أن البديل في أغلب الحالات ليس الأفضل لكنها تقدم عليه لمجرد أنه يمنح الفريق جرعة نفسية وربما بالفعل يحقق الفوز بعد ذلك في مباراة أو مباراتين لكن سرعان ما تعود النتائج السلبية ولا يجدي التغيير·
هذا هو الجانب الفني للقضية ·· وعلى الجانب المادي فإن الأندية تستنزف مواردها في استهلاك المدربين الذي يصل إلى ثلاثة وربما يزيد في الموسم الواحد ·· ومن الناحية العملية تجد اللاعبين قد تجمدوا حيث أن اللاعب عندما يعمل مع مدرب يعتاد على طرق وأساليب محددة ثم يأتي جديد بفكر جديد وطرق مختلفة فلا يتطور اللاعب طبق جدول زمني محسوب كما أن المدرب الجديد يبدأ عادة من الصفر مع ملاحظة ما يتطلبه هذا الأمر من تغيير وبحث عن لاعبين في مراكز معينة علاوة على أنه يفرض على اللاعبين أن يتأقلموا بسرعة على معطيات جديدة وكلها أمور تثير البلبلة والارتباك·
وعن رأيه في جدوى تدخل اتحاد الكرة لتقنين لوائح معينة يمكنها الحد من الظاهرة قال نور الدين بوفالقة إن الاتحاد لا يستطيع أن يجبر الأندية على التمسك بمدربيها لكن نظراً لأن القضية فيها إهدار للمال ولجهود التطوير فمن الأجدى إرساء آلية معينة داخل الأندية نفسها للتحري والاختيار ثم يمكن لاتحاد الكرة المساعدة في الحل بفرض نوع من الرقابة كما هي الحال في إنجلترا على سبيل المثال حيث لا يمكن لأي مدرب أن يعمل إلا بشروط وضعها الاتحاد الإنجليزي تتضمن الشهادات العلمية والخبرات والدورات وهكذا·
كذلك في فرنسا لا يمكن لأي ناد أن يتعاقد مع مدرب إلا بضوء أخضر من اتحاد الكرة على اعتبار أن لديه القنوات والوسائل السريعة والفعالة للتحري عن المدرب الجديد، وهناك حالات رفض فيها الاتحاد بعض المدربين ولجأت الأندية إلى آخرين غيرهم·
وأذكر أن هناك مدربا برتغاليا قام نادي لانس بتوقيع عقد مبدئي معه لمدة عامين ثم رفض اتحاد الكرة الترخيص له·
وقال بوفالقة إن العكس يحدث لدينا فيوافق الاتحاد بعد الأندية التي تتعاقد دون الرجوع إليه ·· وأعتقد أن الأهم من ذلك كله أن يكون لدى الأندية قناعة بعدم جدوى التغيير خلال الموسم وأن تبادر لدى التعاقد قبل بداية الموسم بالتريث والتحري وتحديد الأهداف مثل البحث عن نتائج سريعة أو تكوين فريق أم إعادة البناء من جديد بعناصر صغيرة شابة، وهكذا يمكن تحديد المدرب المناسب لأن هناك خلطا يحدث في أغلب الحالات يتبعه تغيير المدرب لأنه لم يحقق نتائج جيدة·
وتطرق بوفالقة إلى الحالة العكسية وضرب أمثلة بأخطاء المدربين مشيراً إلى أن بعضهم يدرب في ناد ويبحث آخر في نفس الوقت أما لأنه يدرك صعوبة البقاء أول أنه يسعى إلى زيادة المقابل المادي وهو ما يفقده التركيز·
وفي أحيان أخرى يحقق النادي نتائج عالية ويتمسك به النادي لكنه يفكر في كيفية الهروب لأنه تلقى إغراءً كبيراً من مكان آخر وربما يتعمد اختلاق صدامات مع اللاعبين ومشاكل مع الإدارة إلى أن تسوء النتائج وتتم إقالته!! وإذا كانت هذه أقلية لكننا يجب أن نذكرها إحقاقاً للحق·
مدربون تجاوزتهم الأحداث
وقال بوفالقة إن هناك شريحة أخرى من المدربين ممن يأتون إلى الساحة تجاوزتهم الأحداث حيث أن كرة القدم في 2007 ليست كالكرة عام 1995 أو 98 أو حتى عام 2000 وهناك تطورات دائمة لا يلاحقها بعض المدربين ممن يأتون إلى الأندية ولا ينجحون·
وفي أوروبا توجد قواعد تلزم المدربين بالاطلاع على كل جديد في عامل الكرة الحديثة ويحصل المدرب على شهادة بذلك كل عام وفي بعض الحالات يكون ملزماً بتقديم تقرير فني عن التطور في زاوية معينة تأكيداً لاطلاعه على الجديد·
وقال إن العديد من المدربين الأجانب الذين يأتون إلى هنا يفتقرون إلى هذه الحداثة وأفكارهم تجاوزتها الأحداث ·· صحيح أن جانب الخبرة كبير لديهم لكن ذلك لا يكفي غالباً·
المنظور الضيق
حول خطأ المنظور الضيق الذي تلجأ إليه الأندية أحياناً لدى البحث عن مدربين فتقصر مساعيها على أصحاب الخبرة السابقة بالمنطقة ضرب نور الدين بوفالقة مساعد مدرب المنتخب الأولمبي مثالاً بما حدث العام الماضي مع نادي العين حيث تعاقد مع المدرب يوردانسكو وكان سبب التعاقد أن المدرب سبق له العمل مع نادي الاتحاد السعودي وهو منافس العين في ذلك الوقت بالبطولة الآسيوية واعتقد العين بذلك أنه جاء بالرجل الصحيح الذي يعرف كل شيء عن منافسه وكانت نظرة خاطئة لم تحقق النتائج المطلوبة لأن إلمام المدرب بالمنطقة أو بالفريق أو المنافسين هو جزء بسيط من عناصر النجاح وهناك وسائل كثيرة للإلمام السريع بهذه الخبرات والمهم أن يكون المدرب جيداً مطلعاً على الحديث مناسباً للأهداف الموضوعة ولأن يوردانسكو لم يكن الرجل المناسب في هذه المرحلة فلم يحقق الطموح رغم ما يملكه العين من كفاءات وإمكانات وإدارة ناجحة وهو من أكبر وأنجح الأندية لكن الخطأ وارد دائماً وعلينا دراسته والاستفادة من أخطائنا·