الاقتصادي

العالم يعاني من نقص الكوادر المؤهلة



إعداد- مريم أحمد:

أكد أرباب العمل في أنحاء متفرقة من العالم مواجهتهم لصعوبات في ايجاد عُمّال وموظفين مهرة لشغل وظائفها الشاغرة· وعلى سبيل المثال، أفاد تقرير لمدراء أحد المصانع في مدينة هوتشي مين الفيتنامية أن العديد من عمالها، ممن تبلغ أجورهم الشهرية حوالي 62 دولارا أميركيا، ذهبوا لقضاء اجازة أسبوعية في فبراير الماضي، ولم يعودوا بعدها الى العمل· وفي بلغاريا، تواجه الشركات نقصا حادا لخبراء الكمبيوتر· وفي بيوريا بولاية الينوي الأميركية، تكافح شركة '' كاتر بيلار إنك '' من أجل تدريب عدد كاف من فنيي الخدمات ولا تجد أفرادا يملكون القدرة على التعلم· وعلى هذا علق ستيفن هيتش، مدير قسم الموارد البشرية في شركة '' كاتر بيلار إنك ''، قائلا: '' نحن نواجه مشكلة عالمية، ويبدو أنها تتفاقم يوما بعد يوم''·
وهذه الأزمة العالمية المتمثلة في شح العمالة الماهرة ، بدأت تشغل بال العديد من أصحاب العمل في الأشهر ، وذلك بالرغم من تسريح بعض الشركات لعمالها، بما في ذلك شركة سيتي جروب التي تخطط لتسريح وإقالة ما يقارب 15 ألف من عمّالها و مُوَظفيها· وفي الواقع، تبقى معدلات البطالة في الولايات المتحدة هي الأقل، حيث بلغت في فبراير الماضي حوالي 4,5 في المائة، حتى أن الشركات الواقعة في بلدان تملك معدلات بطالة عالية بدأت تشعر بالمشكلة· وقال جيفري جويرس، المدير التنفيذي في ''مان باور'' للتوظيف: '' تلك ليست ظاهرة في الولايات المتحدة فحسب·''· وقد توصلت شركة التوظيف في دراسة لها شملت 37 جهة عمل في 27 دولة ، اعلنت عن نتائجها في مارس الماضي ، أن حوالي 41 في المائة من جهات العمل تلك تواجه مشكلة في توظيف العدد الذي تحتاج اليه لشغل الوظائف الشاغرة·
مالذي يحدث في سوق التوظيف العالمية الآن؟ فبفعل الاقتصاد العالمي الذي ينمو بمعدل 5 في المائة سنويا منذ عام ،2004 فإن الاستراتيجيات التي طوّرتها الشركات للتقليل من تكاليف العمال- بما في ذلك من تقليل الأجور- قد أثبتت عدم فعاليتها·
ويبدو أن نبع العمالة الرخيصة من الهند والصين ومناطق أخرى قد بدأ ينضب في الوقت الذي أصبحت الحاجة للعمال الماهرة تفوق المعروض من الكوادر البشرية من ذوي المهارات المطلوبة· وعلق بيتر كابيللي مدير قسم الموارد البشرية بجامعة بنسلفانيا وارتون سكول، بقوله: '' ماتزال الشركات حريصة على إبقاء تكاليف عنصر العمل تحت السيطرة، وهذا جعلها تقع في شر أعمالها· والبعض الآخر من الشركات يهتم بتدريب كوادره البشرية كي لا تضطر الى توظيف المواهب والكفاءات عالية الأجور في سوق مفتوحة· وهناك شركات قامت بتخفيض مستويات عمليات التوظيف والنقل الى مناطق بِكر، ومقاطعات لم تُكتشف بعد، كالعاصمة البيلاروسية مينسك، ومدن صغيرة في بلغاريا أو رومانيا''·
من ناحية أخرى، يستمتع الافراد من ذوي الكفاءات والمواهب بهذه الأحداث، ففي حال كنتَ تملك شهادة في هندسة البترول في ولاية كلورادو حيث شركات الطاقة، كشركة شِل ''وإنكانا'' وهاليبورتون''، التي يرتفع فيها معدل التوظف· وأشارت سو توفن، مديرة مركز التوظيف في ميسا كاونتي وورك فورس الى أن إغراء قطاع النفط الأميركي قوي جدا حيث يمكنك العمل على حفّارة دون الحاجة الى تدريب، وتتقاضى 30 دولارا على الساعة الواحدة·''· على الجانب الاخر فإن شركة كونسول ، ومقرها بتسبيرج ، يائسة هذه الأيام في بحثها عن عمال لمناجم الفحم لدرجة أنها أطلقت حملة اعلانية في اجهزة الاعلام وعلى شبكة الانترنت للبحث عن عمال· وفي مجال الزراعة، كانت للاجراءات المتبعة ضد الهجرة غير الشرعية الى الولايات المتحدة دور في التقليل من عدد العمال في الحقول والمزارع الأميركية لدرجة أدت الى تعفن المحاصيل الزراعية العام الماضي· وتكمن المشكلة في أن الشركات غير قادرة على ايجاد، موظفين من ذوي الخبرات التقنية، والتجارية لتقديم العروض الترويجية للمنتجات المعقدة للمستهلك· ومن بعد هؤلاء الخبراء التقنيين والتجاريين، يأتي دور المعلمين، والميكانيكيين، والفنيين· يقول مايكل ألتر، رئيس شركة SurePayroll Inc '': '' هنالك عدة مهن تحتاج وتتطلب مهارات معينة''·
وتعاني شركات التصنيع اليابانية من قلة عدد العمالة الماهرة نظرا لارتفاع عدد الكفاءات الماهرة من كبار السن مقارنة بالشباب، وكذلك بسبب موجة تسريح العمال التي وقعت خلال التسعينيات''· ويعلق هيساشي يامادا، الخبير الاقتصادي، بالمعهد الياباني للأبحاث في طوكيو، على هذا بقوله: '' الآن نحن ندفع ثمن عدم تطويرنا للموارد البشرية''·
أما الصين، فمن المتوقع أن تشعر بألم تلك المشكلة العمالية قريبا· لكن مشكلة الصين الاساسية في الوقت الحالي تكمن في خلق فرص العمل لملايين العمال الذين يتدفقون الى المدن من المناطق الريفية بحثا عن فرصة عمل ، أما أجور العمال، فبالكاد تشهد ارتفاعا· لكن ربما يتغير ذلك الوضع في الوقت الذي تحرص فيه الحكومة الصينية على تشجيع تقديم الحوافز المادية للعمال المواطنين للبقاء والعمل في المناطق الريفية، وحيث تتركز أغلبية المصانع في بعض المناطق الساحلية· ويكافح أرباب العمل حول العالم، ممن يدركون تماما ماهية تكاليف العمال، من أجل الحفاظ على العمل والعمال· ففي اليابان، كان معدل التضخم في يناير الماضي صفرا وبالتالي تحرص الشركات على إبقاء نسبة زيادة الأجور عند الحد الأدنى لها· وفي المقابل، نجد أن عالم الأعمال الياباني شهد ولا يزال مناورات ايجابية أدت الى تحسن وتطور ملحوظ، ومن تلك المناورات إعادة توظيف المتقاعدين· وعلى سبيل المثال، طلبت شركة تويوتا موتورز، من موظفيها ممن تزيد أعمارهم على الستين عاما، تأخير موعد تقاعدهم لعام أو أكثر· وفي أوروبا، تقوم شركة أديكو السويسرية بتعليم مجموعة من النجّارين البولنديين اللغة النرويجية كي يصبحوا مؤهلين لشغل وظائف في قطاع البناء في مدينة أوسلو· وهناك شركة كاتربيلار التي تقوم حاليا بمضاعفة برامج التدريب وانشاء شبكة من المدارس المهنية في ست دول، والتي تدرس منهجا خاصا بسياسة شركة ''كاتربيلار'' ، حيث ينضم إليها الطلاب بعقد يلتزم فور تخرجهم بإيجاد وظائف مناسبة لهم·
من ناحية أخرى، تلقى أزمة القوى العاملة في الهند المزيد من الاهتمام· اذ أشارت نتائج استطلاع أجرته شركة التوظيف مان باور للتوظيف أن 9 في المائة فقط من الشركات الهندية واجهت صعوبة في إيجاد قوى عاملة مستعدة لشغل وظائفهم الشاغرة· وذلك مقابل 40 في المائة في الولايات المتحدة، وحوالي 8 في المائة في المكسيك· وتفسير تلك المعدلات حسب ما أفادت به شركة التوظيف هو أن هذا الانقلاب العكسي الجاري في الهند يُعَدّ سريعا، لأن أصحاب العمل لا يترددون في إغراء موظفين مهرة وأكفاء من شركات أخرى منافسة، بمجرد أن يتأكدوا من حاجتهم الى ملء الوظائف الشاغرة لديهم· لكن سرقة المواهب الخلاّقة من الشركات المنافسة لا يعد من الاستراتيجيات الناجحة على المدى البعيد· ومن هذا المنطلق، بدأ أصحاب العمل بشنّ حملات بهدف زيادة فرص التدريب، ورفع مستويات التعليم· وبالرغم من أن الهند تُخرّج سنويا ما يقارب 400 ألف مهندس، إلا أن القليل منهم يملك المهارات اللازمة، والقدرات اللغوية المطلوبة للعمل في شركات متطورة ومتعددة الجنسيات·