الملحق الثقافي

ما هو التأليف الموسيقي؟

التأليف الموسيقي علم كتابة العمل الأوركسترالي بكل أحجامه (أرشيفية)

التأليف الموسيقي علم كتابة العمل الأوركسترالي بكل أحجامه (أرشيفية)

التأليف الموسيقي هو حالة إدراك للتعابير والانطباعات الموسيقية، وكيفية ممارستها على الآلات المكتوبة لها في تلك المعزوفة، فهذا الخط البياني مختلف ومختلط التضاريس الصوتية في التصاعد والهبوط، يجعل من هذه المعزوفة أو المقطوعة الموسيقية تنبع بالحيوية والمشاعر، ما يجعلها مشوقة للاستماع. وقبل ذلك يعتمد التأليف الموسيقي على اختيار القالب الموسيقي لهذه المقطوعة، وتلك القوالب معروفة لدى المؤلف الموسيقي من خلال دراسته الأكاديمية، وهي متنوعة وكثيرة، وعلى سبيل المثال (قالب السوناتا/‏‏قالب الروندو/‏‏القالب الغنائي/‏‏قالب التنويعات/‏‏... إلخ). ومن المهم والضروري بعد ذلك استدراك واختيار موضوع (السلم الموسيقي) أو (المقام) الذي سيكتب به العمل الموسيقي، وذلك بالطبع يتبع اللون والطبيعة العامة والحالة النفسية والتعبيرية التي يريد المؤلف الموسيقي أن يكتب عمله فيها.
ويتكون التأليف الموسيقي من أربعة عناصر أساسية في تكوينه: اللحن/‏‏ الإيقاع/‏‏ الهارموني/‏‏ الطابع الصوتي، وتخضع تلك العناصر الأربعة للمزج ضمن نسيج متجانس ومتآلف صوتياً، وهذه المكونات الأربعة تدخل في بناء أي شكل موسيقي، منهجي، مبني وفق الطرق والأساليب العلمية الصحيحة للتأليف الموسيقي، واختلاف الأعمال الموسيقية وتنويعها بين المؤلفين الموسيقيين يأتي من خلال تنوع واختلاف هذه العناصر الأربعة وأسلوب استخدامها وتنوع مفرداتها داخل المقطوعة الموسيقية. وكل عنصر من هذه العناصر له ميزاته التأليفية الموسيقية التي ترتبط بشكل أو بآخر بالمجتمع والتقاليد والسلطة والسياسة والدين، وبمدى التطور الموسيقي العلمي فيه، ومدى تطور صناعة الآلات الموسيقية ونوعيتها.

التوزيع الموسيقي
نأتي على الموضوع الآخر والهام في التأليف الموسيقي، ألا وهو (التوزيع الموسيقي Orchestration) والذي يعد أحد أهم مفاصل العمل التأليفي الموسيقي، فهو المعرفة لموسيقى الآلات جميعها ومساحتها الصوتية وطابعها اللوني الصوتي وطرق استخدامها ومعرفة الكتابة لها ضمن المدونة الأوركسترالية (Score) وتأثيرها ووقعها على أذن المستمع. والتوزيع الموسيقي أو التوزيع الآلي هو فن الكتابة للأوركسترا والفرق الموسيقية، وذلك بجمع كل الأطباع الفردية للآلات وخلق أطباع أخرى مشتركة متآلفة، وكتابة دور كل آلة من الآلات الموسيقية المشتركة في العمل الفني الموسيقي في المدونة الأوركسترالية.
والتوزيع الموسيقي فن مهم ومؤثر في التأليف والأداء الموسيقي لتصوير التعابير والمعاني والأفكار والأحاسيس التي يقصدها أو يتخيلها المؤلف الموسيقي. وخير دليل على ما تحدثنا عنه هو عمل (لوحات من المعرض) للمؤلف الروسي الشهير (موسورسكي) والذي كتبه بالأصل لآلة البيانو، وقام بإعداده وتوزيعه للأوركسترا الكبيرة بعبقرية فائقة المؤلف الفرنسي الشهير (رافييل) وأصبحت شهرته كعمل أوركسترالي سيمفوني أكثر بكثير من معرفة المستمعين له كمؤلف للبيانو، واندمجت أسماء (موسورسكي، رافييل) وأصبح العمل باسميهما مقروناً.
ثمة زاوية أخرى أساسية في التأليف الموسيقي، والتي عرفت باسم (اللحن) (الميلودي Melody) وأصل الكلمة يونانية وتعني (الغناء)، ويعتبر اللحن من أهم عناصر التأليف الموسيقي، وكما يعتبر أساس البناء الموسيقي، واللحن في الموسيقا كالجملة المفيدة في اللغة، وهو عبارة عن خط لحني واحد تتعاقب نغماته وفقاً للقواعد الموسيقية، حيث الزمن والصعود والهبوط والقفز اللحني، ويجب أن يكون مسار اللحن طويلاً متدفقاً، وأن يشمل وقفات (ركوز) قصيرة، وأن يبلغ ذروة التعبير في نهاية المقطوعة، وأن يضمنه تصوراته وأفكاره مع تلوينها بالتظليل والتشكيل والتعبيرات المختلفة ليكون وقعها جيداً في الأذن، ويمكن أن يكون الخط اللحني منفرداً أو مصحوباً بأنغام هارمونية. وللصلة بموضوع اللحن، فهناك زاوية شائقة في عالم التأليف الموسيقي وتدعى (الارتجال الموسيقي Musical Improvisation)، وهو إنجاز عفوي مباشر لخلق فكرة موسيقية لحنية من غير تصميم أو تدوين موسيقي مسبق (غنائياً كان أم على آلة موسيقية) وهو أحد أشكال التأليف الموسيقي الآني (وليد اللحظة)، والارتجال هو أداء فني موسيقي تلقائي مرتبط بخيال المغني أو العازف طبقاً للحن مبتكر أو معروف (دون إعداد سابق له)، ففي الموسيقا الغربية عرف هذا الشكل الذي كان يمارسه قديماً عازفو الأورغن والكلافيسان، ومغني الأوبرا الإيطاليون في زخرفة أغانيهم، وعرف ودرج انتشاره بشكل يكاد يصل إلى العلمية في الأسلوب الموسيقي المعروف (الجاز Jazz)، وقد اعتمدت الموسيقى العربية منذ القدم هذا الأسلوب الموسيقي حتى أصبح من أصول الموسيقا المتداولة والشعبية، وخير دليل على الارتجال اللحني هو ترتيل القرآن الكريم والأذان والإنشاد الديني، وهذا يشكل بحد ذاته ظاهرة تأليفية موسيقية.

الإعداد الموسيقي
يتصل بالتأليف الموسيقي أيضاً ما يعرف باسم (الإعداد الموسيقي) (الترتيب أو التنسيق الموسيقي Arrangement) ويستخدم هذا اللفظ كثيراً في الموسيقى وفي الحالات التالية:
= إعداد كتابة المؤلف الموسيقي لعدد أقل من الآلات التي كتب فيها المؤلف لأوركسترا.
= إعداد كتابة المؤلف الموسيقي للفرق المدرسية أو فرق الناشئين بتبسيط بعض من فقراته الصعبة ليتمكنوا من أدائه.
= التوزيع الآلي لبعض المؤلفات الخاصة بآلة البيانو وإعدادها للأوركسترا.
= إعداد وكتابة المؤلف الموسيقي لآلة أو لبعض الآلات الأخرى غير التي كتبت لها المقطوعة، بحيث يكون هذا الإعداد الجديد ملائماً لتلك الآلة.
ويقوم بكل تلك العمليات في الإعداد وإعادة التوزيع والتنسيق موسيقيون مختصون يحملون شهادات في العلوم الموسيقية وبالأساس في مادتي (الهارموني والتوزيع الموسيقي)، وتلقى على عاتقهم عملية الحفاظ على الطبيعة العامة للمؤلف الموسيقي ومقامه وتعابيره، بل سيكون على هذا الإعداد الموسيقي نقل هذه المقطوعة من عالم إلى آخر بغية إيجاد تعابير وأحاسيس صوتية جديدة ومعانٍ أوسع للحنيات تلك المقطوعة. وعادة تُكتب أسماؤهم (الإعداد الموسيقي) على رأس صفحة المدونة الموسيقية للعمل بطريقة (Arranged by.......).

من هو المؤلف الموسيقي؟!
المؤلف الموسيقي (Music Composer) هو مؤلف المقطوعات الموسيقية والألحان الجادة بأنواعها المختلفة وتدوينها للآلات أو الأصوات طبقاً للقواعد الفنية، وتسجيل كل تفاصيلها وألوانها التعبيرية، ويتطلب من المؤلف الموسيقي أن يكون ملماً إلماماً تاماً بالعلوم الموسيقية المختلفة، كالهارموني والكونتربوان والتوزيع الموسيقي... إلخ. إلى جانب ملكة الخلق والإبداع التي هي هبة ونعمة من الله، فترد على خاطره الجمل الموسيقية بطريقة تلقائية، وعليه يبتكر ويضيف أفكاراً جديدة في التراث الموسيقي، وإلا كان مقلداً أو نسخة مكررة لغيره. ولكل مؤلف موسيقي شخصيته وأسلوبه الخاص به بجانب مؤثرات العصر الذي يعيش فيه، ويمكن تقسيم مؤلفي الموسيقا إلى نماذج عدة:
1.المؤلف الموسيقي الدرامي الذي يؤلف موسيقا الأوبرا.
2.المؤلف الموسيقي السيمفوني الذي يكتب الأعمال الكبيرة للأوركسترا.
3.مؤلف موسيقى الحجرة (ثنائيات/‏‏ ثلاثيات/‏‏ رباعيات... إلخ).
4.مؤلف موسيقا الباليهات والأعمال الراقصة.
5.مؤلف الموسيقى التصويرية للمسرح والتلفزيون والسينما.
6.مؤلف الدراسات والتمارين الأكاديمية للجامعات الموسيقية.
أما مصطلح (الملحن Melodist) فهو مؤلف الألحان، ذلك الموسيقي الذي تؤهله قدراته وخبراته الدراسية على خلق الألحان والإبداع فيهما وابتكارها على أن تكون مميزة، وذلك من خلال معرفته وخبرته للمناطق والطبقات الصوتية (الآلية والبشرية) وطابعها النغمي، وأن يسخر كل هذه الإمكانات لصياغة تآليف قيمة، وعلى سبيل المثال، فقد درج في بلداننا العربية وبشكل واسع هذا النمط من الشخصيات الموسيقية (الملحن) وأصبح للكثير منهم شهرة فاقت حدود وطننا العربي لما امتلكوه من موهبة في صياغة ألحان غنائية وموسيقا آلية ما زالت حية حتى يومنا هذا، ونذكر منهم (سيد درويش/‏‏ السنباطي/‏‏ القصبجي/‏‏ محمد عبد الوهاب/‏‏ الأخوين رحباني... إلخ).
إن كل مؤلف أو ملحن موسيقي عادة ما يبدأ بفكرة موسيقية، وهذه الفكرة أدبية أو فلسفية تتمثل في لحن يهبط عليه فجأة على صور عدة، مصحوباً بإيقاع أو هارموني صوتي أو على هيئة لحن بسيط، ثم يبدأ برسم المسار اللحني له في الارتفاع والانخفاض أو الشدة أو الهدوء، فهو يريد معرفة المعنى العاطفي والتعبيري المناسب له، ثم بعد ذلك يقوم المؤلف باختيار الوسيط المناسب، يعني هل لحنه يناسب سمفونية؟! أم ذو طابع أكثر ذاتية وأحادية؟!
ويختلف كُتاب الموسيقا المؤلفون من شخص لآخر، فهناك من يعتمد على موهبته الفذة، وهناك من يعتمد على المخزون من الألحان، وهناك من يعمل ويعتمد على الألحان الشعبية ليستلهم منها أفكاره اللحنية في التعبير عن ما يريد. إن الحرية الفردية التي يملكها المؤلف الموسيقي تجعله يخرج عن القوالب الموسيقية التأليفية (مؤقتاً وليس نهائياً)، وذلك مقرون بالفهم الصحيح بالأساس للبناء الموسيقي الذي يظهر لنا أنه نمو تدريجي حي. وهناك من المؤلفين الموسيقيين من هو متحرر بشكل كامل من القوالب الموسيقية المعروفة بغية صناعة ابتكار جديد خاص يسعى من خلاله لبداية أو إنشاء مرحلة موسيقية جديدة مرتبطة بهذا النمط الموسيقي.

تلحين لا تأليف
في وطننا العربي هناك خلط كبير في المفاهيم العامة لمصطلحي (التلحين والتأليف الموسيقي)، فالتلحين وكما أشرنا سابقاً هو لحني أحادي وغالباً ما يرتبط بالغناء، أما التأليف الموسيقي فهو علم كتابة العمل الأوركسترالي بكل أحجامه، وغالباً ما يرتبط بالموسيقى الصرفة، ففي موسيقانا العربية لا توجد (مؤلفات موسيقية) بمفهومها الكلاسيكي العالمي، إنما اقتصرت على بعض القطع الموسيقية (أحادية اللحن)، أما التلحين فله الحيز الأكبر في موسيقانا العربية وإرثنا الموسيقي الجميل، خاصة الغنائي منه الذي أغنى الموروث اللحني العالمي في الطبيعة والتدوين والمفهوم العام للجملة الموسيقية. أما (المؤلفون العرب الكلاسيكيون) وتلك التسمية أتت من أن هؤلاء يعملون في مجال التأليف الموسيقي الغربي، فيعود لهم الفضل الكبير في إرساء مفهوم التأليف الموسيقي وتطوره في منطقتنا، زد على ذلك أن الكثيرين منهم قد عمل على التراث والفلكلور المحلي ضمن أعمالهم السيمفونية، ما أغنى المكتبة العربية والعالمية بأعمال موسيقية مهمة. وقد عرف منهم الكثير في الصالات العالمية ودور الأوبرا، منهم: أبو بكر خيرت- مصر، توفيق الباشا - لبنان، عبد الرزاق العزاوي- العراق، محمد مقني- تونس، راجح داوود- مصر، صلحي الوادي- العراق... وغيرهم.

غير قابليْن للفصل
تعتمد المواد الموسيقية الدراسية للتأليف الموسيقي على العلوم الموسيقية التالية: (النظريات الموسيقية/ الهارموني/ البوليفوني/ التحليل الموسيقي/ التوزيع الموسيقي)، بالإضافة للموهبة الكبيرة لدى المؤلف الموسيقي في قراءة النوطة ضمن علم (الصولفيج) المتطور. كما أن عنصريّْ المؤلف والتأليف الموسيقي لا يمكن الفصل بينهما، فالتأليف الموسيقي هو نتاج المؤلف الموسيقي المبدع الذي يصنع الفكرة ويستخدم أدوات التأليف التي يجب أن يكون ملماً بها ليعبر عن محتوى الفكرة الموسيقية لديه، وهنا يكون الإبداع والاختلاف بين المؤلفين الموسيقيين من خلال استخدامهم لأدوات التأليف الموسيقي التي يضعها في قالب أو شكل موسيقي يقدم لاحقاً للمستمع.

إلهام
إن العبقرية والإبداع في التأليف الموسيقي، هو إلهام غريزي فطري لدى هذا الإنسان الموهوب بالقدرة على الخلق والإبداع، ويمكن صقل موهبة العبقرية بمواصلة التدريب والتعليم، وقد قال الفيلسوف شوبنهور (العبقرية هي الوحي والإلهام عند قوم صفت قلوبهم وتسامت مشاعرهم).

العرب والتأليف الموسيقي
في موسيقانا العربية لا توجد (مؤلفات موسيقية) بمفهومها الكلاسيكي العالمي، إنما اقتصرت على بعض القطع الموسيقية (أحادية اللحن)، أما التلحين فله الحيز الأكبر في موسيقانا العربية وإرثنا الموسيقي الجميل، خاصة الغنائي منه الذي أغنى الموروث اللحني العالمي في الطبيعة والتدوين والمفهوم العام للجملة الموسيقية. أما (المؤلفون العرب الكلاسيكيون) وتلك التسمية أتت من أن هؤلاء يعملون في مجال التأليف الموسيقي الغربي، فيعود لهم الفضل الكبير في إرساء مفهوم التأليف الموسيقي وتطوره في منطقتنا.