منوعات

الصينيون في المغرب.. ماذا يفعلون؟!

صيني يلاحق سيارات مسرعة بعينيه الضيقتين، يهش ذبابة شاردة، قبل أن يعود إلى تأمل شاشة هاتفه النقال، قيلولة الصينيين قصيرة جداً، لذلك يخصصون لها وقتاً أقصر، غالبا ما يكون فوق كرسي العمل، لبضع دقائق.


صيني آخر يعبر الشارع، ومحلات كثيرة يسيرها باعة صينيون، يتحدثون مع المغاربة بلسانهم. إنها مشاهد سريعة قد يلحظها يوميا مغاربة كثيرون أينما ذهبوا.


«عندما جئت إلى المغرب في بداية التسعينيات، كنت أحلم فقط بعمل مستقر. أنا صيني من الأقلية المسلمة وقد نزحت مبكراً هرباً من الفقر والظروف الصعبة التي كنا نعيشها كمسلمين في تلك الفترة. تزوجت مغربية، وبدأت من الصفر. في السابق كنت أجد صعوبة في توفير مصروفي اليومي. الآن لدي أعمال تجارية ناجحة رفقة رجال أعمال صينيين ومغاربة».


الكلام هنا لعادل عبد الحكوم. يعرفه أغلب الصينيين الوافدين على المغرب، كما يضطلع بحكم إتقانه اللغة العربية بمهمة الترجمة للمواطنين الصينيين في تعاملاتهم مع الإدارات المغربية. في نهاية عقده الرابع، يثير الانتباه إليه دائما لأن ملامحه صينية خالصة لكنه يتحدث بـ«الدّارجة» المغربية، بل ويتفنن في إلقاء النكات واستحضار الأمثال التي يرددها المغاربة عموما في أحاديثهم الساخرة.


بالنسبة لـ«عبد الحكوم» فإن العمل اليومي يحتم عليه التعرف على صينيين جدد، والأكثر من هذا أنه يعيش معهم مشاكلهم والعراقيل التي تصادفهم، خصوصا خلال الأيام الأولى لقدومهم إلى المغرب.


هذه المهمة التي يقوم بها لسنوات طويلة، كانت كافية، على حد قوله، لفهم خصوصية المجتمع المغربي والتأقلم معها، ويُرجع سبب إقبال الصينيين على المغرب كوجهة للعمل والاستقرار، إلى كون السوق المغربية تشهد إقبالا كبيراً على المنتجات الصينية، كما أنها بوابة كبيرة على دول إفريقية كثيرة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق السوق المغربية.


عملية الوساطة، أو الترجمة، التي يقوم بها عادل، تجعله يعيش حياة أخرى يخصص لها وقتا ثالثا على حساب عمله وأسرته المغربية. إذ يؤكد أنه يكون مضطراً أحيانا إلى ركوب سيارته في ساعات متأخرة من الليل، لتقديم يد العون لصيني في أحد المستشفيات، أو مراكز الشرطة، أو في حالات مستعجلة.. خصوصا إذا كان المواطن الصيني لا يتحدث إلا الصينية، إذ يتولى عادل مهمة الترجمة لصالح المواطن الصيني، وتوضيح طريقة التعاملات الإدارية المغربية.


أغنياء «درب عمر» «لين»، اسم أشهر من نار على علم. أغلب الصينيين، الذين جاؤوا إلى المغرب، يدينون لـ«لين» بالمال، لأنه تولى مهمة إحضار صينيين، كانوا عاطلين عن العمل في بلدهم الأصلي، وأوكل إليهم مهمة تسيير محل تجاري، واقتسام الأرباح سنويا أو دوريا.


يحمل الجنسية الصينية والأسترالية أيضا، ولديه أعمال ومشاريع في أوروبا وفي أستراليا أيضا، والصين بطبيعة الحال، لكنه يؤكد أنه يمضي أغلب أشهر السنة في المغرب لتفقد مشاريعه. يقول: «بالنسبة لي، كل صيني هنا، يعنيني أمره.


لا يمكنني أن أقبل أن يعيش صيني ظروفا صعبة خارج البلاد، لذلك أؤكد دائما على روح التضامن بيننا كجالية قوية في المغرب. لدينا رغبة كبيرة للعمل في المغرب مع تجار مغاربة، وأفتخر بالعلاقات الطيبة التي تجمعني بهم. أشعر بالفخر كلما رأيت صينيا يفتح محلا لبيع المنتجات الصينية في المغرب، وما حققناه من نجاح اقتصادي هنا، بعد أن كان عددنا لا يتجاوز العشرات قبل سنوات قليلة، أكبر دليل على قدراتنا على التعايش والتواصل».


يملك لين مطعما صينيا، يعد القبلة الأولى لأغلب الصينيين الذين يستقرون في الدار البيضاء. يقع في قلب منطقة «درب عمر» التي تعد معقلا للتجار الصينيين المتوافدين على المغرب.


«&rdquoفرانك» مواطن صيني مقيم في المغرب منذ ست سنوات، يقول إنه لا يعرف صينيا اختار الإقامة خارج الدار البيضاء، ويرجع الأمر إلى أن الدار البيضاء تعتبر عاصمة للمال والأعمال بالمغرب، وبما أن الصينيين جاؤوا لممارسة التجارة، فإنه من غير المنطقي أن يختار صيني الإقامة خارج الدار البيضاء. يقول: «كنت أعزب عندما جئت إلى المغرب. هنا تعرفت على زوجتي التي جاءت بدورها إلى المغرب لتعمل في التجارة.


تعرفت عليها في احتفال داخل منزل صديق صيني مشترك بيننا. وقررنا الارتباط، ونحن نعيش هنا كما لو أننا في الصين. إذا كنت تتحدث الفرنسية أو الإنجليزية فلن تجد صعوبة في الاندماج السريع داخل المجتمع المغربي. في بعض الأحيان يجد بعض أصدقائنا الصينيين مشاكل في التعاملات التجارية، لكن الأمر يبقى نسبيا وعرضيا، ويتم علاجه دون أن يتضرر أي طرف. ابنتي الصغرى تدرس في مدرسة «للبعثة» الفرنسية، ولاحظت أنها اندمجت بسرعة مع جنسيات أخرى..».


إشاعات تلاحق الصينيين من الإشاعات التي تلاحق الصينيين في المغرب أنهم يأكلون لحوما غريبة، يجد أغلب المغاربة أنها مقززة. قبل بضع سنوات انتشرت إشاعة، نفى الكثيرون ممن التقيناهم صحتها، مفادها أن عدداً هائلا من القطط والكلاب الضالة اختفت من الشوارع والأحياء المجاورة للأماكن التي يختار الصينيون الإقامة بها، بحكم قربها من المركز التجاري «درب عمر». والسبب، حسب الإشاعة، أن بعض الصينيين يقبلون على استهلاك لحوم الكلاب والقطط. لكن الذين التقيناهم، نفوا جملة وتفصيلا أن يكون انتشار الصينيين وراء اختفاء تلك الحيوانات الأليفة، مؤكدين أن المطعم الصيني بتنوعه ورقيّه، يشهد إقبالا من المغاربة أنفسهم.