عربي ودولي

بعد هجمات باريس?.. أوروبا منقسمة بين هويتها وحاجتها لليد العاملة

بسفن متهالكة لا تقوى على مواجهة الأمواج يتوجّه آلاف النازحين سوريين وعراقيين ومن جنسيات أخرى نحو أوروبا هرباً من الحروب والقتل المجاني في بلدانهم، ظناً منهم أن أرض الخلاص هناك، بـ «مراكب الموت» الموجودة في موانئ المتوسط يحمل كل منهم حكايته وهواجسه، منها ما يُروى ومنها ما يظل مكتوماً في البال.


لكن، مَن قال إنّ هؤلاء كلهم أبرياء؟ الوقائع تشير إلى أن تنظيم «داعش» الإرهابي ربما استغل معاناة النازحين لينقل وسطهم العديد من خلاياه النائمة إلى دول أوروبا لينفذ مخططاته هناك، وهذا ما ظهر في اعتداءات باريس الأخيرة، إذ تبين أن أحد المنفذين لاجئ سوري، كما تلاحق اليونان اثنين من النازحين المسجلين لديها لهما ارتباط بهذه الأحداث، وقد عثر في بروكسيل على سيارة استأجرها شخص يُعتقد أنه على صلة بما جرى.


تقول رنا وهي طالبة لبنانية تتابع دراساتها العليا في باريس، في حديث مع «الاتحاد»: «عندما أُخرج كتاباً بالعربية لأقرأه في القطار، أعيده تلقائياً، أتصرف بلا وعي، لأني أخشى ردة الفعل عندما يعرف الركاب أني عربية» وتضيف: «بعد أحداث شارلي إيبدو، تغيّر التعاطي معنا كعرب، وبعد الهجمات الأخيرة ستتعقد الأمور أكثر».   


وتُجمع آراء الخبراء السياسيين والدبلوماسيين على أن ما حصل في باريس سيترك أثراً واضحاً على السياسة الأوروبية في التعاطي مع ملف اللجوء عموماً ومع العرب والمسلمين، مؤكدين أن الأصوات التي كانت على وسط اليمين صارت أقرب إلى التشدد.


على سبيل المثال لا الحصر، أعلن وزير الشؤون الأوروبية البولندي المقبل، كونراد زيمانسكي، أن بلاده ستتوقف عن استقبال لاجئين بموجب البرنامج الأوروبي المختلف عليه لتوزيع اللاجئين بين الدول الأعضاء في الاتحاد.  


وكتب أن قرارات المجلس الأوروبي التي انتقدناها في شأن توزيع اللاجئين والمهاجرين على جميع دول الاتحاد الأوروبي هي جزء من القانون الأوروبي، ولكن بعد أحداث باريس المأساوية، لا نرى إمكان سياسية لاحترام تلك القرارات. وبموجب الخطة يتعين توزيع نحو 160 ألف لاجئ سجلوا في اليونان وإيطاليا على دول الاتحاد، وترفض عدد من دول أوروبا الشرقية تلك الخطة بشدة.   الهوية أولاً


ورأى سفير لبنان السابق في واشنطن عبد الله بو حبيب، أن أوروبا تعاني من معضلة أساسية وهي حاجاتها لليد العاملة والفئات العمرية الصغيرة من جهة، وهمّ الحفاظ على الهوية من جهة أخرى.


وقال في حديث إلى «الاتحاد»: «بعد أحداث باريس لا شك أن النزعة للحفاظ على الهوية ستكون غالبة، وإن كانت ألمانيا فضّلت في البداية ترجيح الميل إلى الحصول على اليد العاملة الرخيصة، فإن ما جرى قلَب الموازين، ففرنسا التي استقبلت العدد الأقل من النازحين في أوروبا تلقت الضربة الأكبر».


وأضاف: «تسرّعت ألمانيا في خيارها استقبال هذا الكم من النازحين وفتح أبواب أوروبا أمام موجة النزوح هذه، كان في وسعهم إنشاء قنصليات في دول الجوار السوري للتأكد من هويات الراغبين في النزوح، اليوم أصبحت المسألة أكثر تعقيداً».


ولفت إلى وجود تغيير في اللهجة إزاء ملف النزوح في أوروبا وحتى في أميركا، معتبراً أن هذا الموضوع سيكون مطروحاً للدراسة على طاولة قمة «مجموعة العشرين».


وتابع بو حبيب: «في الأيام القليلة الماضية كان الحديث عن مصير الرئيس الأسد هو الأساس في مفاوضات فيينا في شأن سوريا، اليوم حتى هذا الأمر سيتغيّر، الغرب عموماً لا يهمه بقاء الأسد أو رحيله في مقابل أمن دوله، ولا يمكن للسعودية أن تتمسك طويلاً بهذا الملف وسط تسارع التطورات، وإن أصرت على البت في مصير الأسد فذلك سيؤسس مشكلة بينها وبين الأطراف الغربيين».


وأوضح أن الدول الأوروبية انتقلت فعلاً بعد هجمات باريس إلى إجراء عمليات تقصٍ واسعة لهويات النازحين المسجلين لديها، والسلطات الأمنية تسعى للتأكد من هؤلاء وتدقيق المعلومات التي بحوزتها عنهم قبل اتخاذ قرار منحهم حق اللجوء أو الإقامة على أراضيها، وختم بالإشارة إلى أن أوروبا في مرحلة انتقاء وتصفية للنازحين الآن.   الاحتمالات مفتوحة


بدوره رأى الباحث السياسي اللبناني وأستاذ العلاقات الدولية سامي نادر، أن مسألة النزوح كانت في الأصل مثار جدل أوروبي داخلي، ولم يكن سهلاً تقبله، كما لقي معارضة شرسة من أحزاب اليمين في كل هذه الدول، وما جرى في باريس سيعزز موقف هذه الأحزاب وسيضعها في موقع قوة لتقول إنها كانت على حق منذ البداية.


وقال في تصريح خاص بـ «الاتحاد»: «حتى في ألمانيا التي كانت أكثر انفتاحاً في هذا المجال، نجد أن المستشارة أنغيلا ميركل بدأت تغيّر موقفها من اللجوء، وللأسف فإن أحداث باريس ستجعل الشعب السوري يدفع الثمن».


وأضاف: «الأكيد أن دول أوروبا ستتخذ خطوات أكثر تشدداً في منح تراخيص العمل، وربما يعمد بعضها إلى إقفال الحدود، والأرجح أن يكون هناك رحيل تلقائي من الذين ظنوا للحظة أن أوروبا هي الملجأ، ومثلاً هناك 4 آلاف شخص موضوعون تحت الرقابة في فرنسا، لذلك نعتقد أن كل الاحتمالات ممكنة وواردة في التعامل مع النازجين أو مع الذين هم من أصول غير أوروبية في هذه المرحلة».