صحيفة الاتحاد

منوعات

إمبراطورة اللحم "الجملي": مهنة الجزارة أنستني أنني امرأة

المعلمة هويدا حسني، نموذج للتمرد على التابوهات والثوابت ومثال حي على وجود نساء لا يعترفن بالواقع المفروض، «إمبراطورة اللحم الجملي»، هكذا يناديها تجار اللحم فى السوق، وهكذا تُعرف فى منطقة البساتين، احترفت الجزارة من عمر عشر سنوات ومكثت فى المهنة ما يقرب من أربعين عاماً قضتها فى صنع كيان واضح ومؤثر ومعروف، كونها امرأة لم يمنعها من الإمساك بالسكين الكبيرة وذبح وتشفية وتجويف الأضاحى، حتى أصبحت لخبرتها بمجرد النظر لقطعة لحم تعرف نوع المذبوح ولأي جزء منه تنتمي هذه القطعة، تعترف أن هناك غشاً كبيراً فى سوق اللحوم وتؤكد أن هناك جزارين يبيعون لحوم الحمير فعلاً، وفى الحوار التالي تتحدث عن كل هذا وتوجه بكيفية تفادي الغش التجاري فى اللحم.


..كيف جاء لقب «إمبراطورة اللحم الجملى» الذى ذاع صيتك به؟


ــ فى بداياتى افتتحت محل جزارة فى منطقة «بير أم سلطان» وعملت مع معلم كبير فى سوق الجزارة اسمه الحاج صالح رحمة الله عليه، وهو الذى أطلق علي لقب «إمبراطورة اللحم الجملى» لما شاهد بنفسه مهارتي في المهنة واحترافي للدبح والتشفية وكسب السوق من خلال البيع بأسعار أقل من الجميع، كان يعتبرنى ابنته ومن شدة إعجابه بعملي أطلق علي هذا اللقب ومن وقتها عرفت به.


..كيف جاء التحاقك بمهنة الجزارة أصلاً وهي مهنة شاقة جداً على النساء؟


ــ ورثت المهنة أباً عن جد، أنا أكبر أخواتى ووالدي كان يحتاج من يساعده فى محل الجزارة الذي يملكه فلم يجد أمامه غيري وكان وقتها عمري عشر سنوات، أعجبني أن أقوم بما يقوم به الرجال، وكُنت سعيدة بخوض التحديات التي واجهتني وسعدت أكثر بقدرتي على تجاوزها، وعلمت المهنة لأخواتي عندما كبرن وأصبحنا جميعا نملك محلات جزارة يأتيها الجميع من كل مكان.


.. ما هي المقومات الواجب توفرها فى المرأة لتعمل جزارة وتنجح؟


ــ أن تكون واثقة في نفسها وإن يكون قلبها قوياً ولا تهتز أبداً، وأن تحب ما تعمل، وتتعامل مع كل الأمور بقلب رجل.


..تعودتِ على منظر الدماء وأصبح لا يزعجك، أليس كذلك؟


ـــ تعودت على دماء الأضاحى التي حللها الله، أما لو رأيت دم إنسان فإني أُصاب بحالة هستيرية وأغيب عن الوعي، لا أستطيع تحمل رؤية دم إنسان حتى لو كان جرحاً بسيطاً في إصبعه.


..هل تعرضتِ من قبل لمفاجأة أثناء عملية الذبح؟


ـــ الحيوان يتمرد لو اهتزت اليد التي تذبحه، أو قطعت نحره بشكل غير سليم، كل من يتقن أصول الذبح لا يتعرض أبداً لتلك المفاجآت والحمد لله أنا لم أتعرض لها.


..هل سحبت منك مهنة الجزارة أنوثتك؟


ــ نعم فى بداية زواجى كرهتها وشعرت أنني لا أستطيع الاستمتاع بحياتى مثل باقي النساء، وشعرت أن ما أقوم به يتعارض مع الأنوثة وتفاصيلها لكني استطعت تجاوز هذا الشعور من خلال التوفيق بين بيتي وعملي ومن خلال الفصل بين وقوفي في المحل ووجودي فى البيت فكنت وما زلت رجلاً فى العمل وأنثى عادية فى بيتي.


..هل تزوجتِ من جزار أيضا؟


ــ لا، زوجي كان فى البداية عاملاً «مبلط» ووالده كان يملك محل (كبابجي) ويستورد مني اللحوم، فأقنعته أن يترك مهنته لأعلمه مهنة الجزارة حتى نكون يداً واحدة وننجح معاً.


..هل تمكّن زوجك من مهنة الجزارة مثلك؟


ــ فى البداية كانت له أخطاء فادحة وتسبب لي فى مشاكل كثيرة مع الزبائن بسبب عدم قدرته على التفرقة بين أماكن القطع المناسبة لكل زبون لكني وقفت بجانبه وتحملته وكنت أصلح ما يُفسده حتى تعلم وأصبح مثلي.


..هل ورّثتِ إمبراطورية الجزارة لأولادك؟


ـــ أنجبت أربعة أولاد، ولدين وبنتين، زوجتهم جميعاً، رفض أزواج البنات أن يعملن معي فجلسن فى بيوتهن، أما الأولاد فأصبحوا معلمي جزارة مثلي.


..وبالنسبة لأحفادك؟


ــ أحفادي التسعة معجبون جداً بالنجاح الذي حققته وجميعهم يتمنون أن يكونوا مثلي، لكني لا أحبذ ذلك وأتمنى لهم استكمال مشوار التعليم ليصبحوا فى وضع اجتماعى أفضل، لا أتمنى أن يصبح أحفادي جزارين مثلي حتى لا يمروا بالشقاء الذي مررت به وأنا أصنع اسمي ووجودي.


..كيف ترين شكل الجزار في السينما المصرية؟


 


ــ إلى حد كبير السينما المصرية قدمت الجزار بالشكل الحقيقي، أعرف معلمي جزارة كثيرين لا يتكلمون إلا بالسكين والصوت العالي ليخشاهم الناس، أما أنا فأفضل السلام والتعامل بالحسنى والحديث بعيداً عن السكين.


..إحساسك بعد أن أصبحتِ مشهورة؟


_ منحنى الصيت ثقة أكبر في نفسي وعزيمة أكبر ودفعني للمزيد من الحرص على العمل وتطوير نجاحي للأفضل، أنا أرى أن النجاح سهل جداً لكن الحفاظ عليه من أصعب ما يكون.


..ما هو النجاح الأكبر الذي تطمحين إليه؟


ــ أطمح لفتح محلات جزارة في كل الدول العربية


..هل يبالغ الزبائن في الحديث عن ثروة الجزارين؟


ـــ كنا نكسب كثيراً قبل الثورة، لكن الوضع الآن تغير وكل حسابات السوق اختلفت فأصبح العمل حالياً على كثير من الخسارة وقليل من المكسب ومازال البحث جاريا عن سُبل لتحجيم الأزمة.


 


..بعد ظهور فئة من الجزارين أصحاب ضمائر ميتة.. نصيحتك للزبائن لتفادي شراء لحم الحمير؟


_ حقيقة هذا موجود، ونصيحتي للناس أن لا يشتروا من جزار غير معروف، وعليهم التأكد من وجود ختم المدبح على اللحم قبل شرائه وختم المدبح معروف للجميع وعلى من لا يعرفه أن يقوم بزيارة للمدبح ليعرفه ويحفظ شكله جيداً حتى لا يتعرض لشراء لحم عليه ختم مزور أيضاً.