منوعات

أدب الحرب..كيف يمكن للإبداع أن يواكب تضحيات شهداء الوطن؟!

تلاحقنا يومياً الأخبار عبر الفضائيات، ومانشيتات الصحف، بقصص وبطولات الجنود الإماراتيين في اليمن، تضحيات شكلت واقعاً جديداً في المجتمع، بعد أن مست أخبار الحرب كل أسرة إماراتية، مما يطرح سؤالاً: هل يمكن أن تكون الحرب نافذة جديدة للمبدعين الإماراتيين لاقتحام «أدب الحرب» الذي قدم للإنسانية أعمالاً خالدة أشهرها «وداعا للسلاح» للكاتب الأميركي، و«الحرب والسلام» لـ تولستوي.. وأعمالاً عربية أخري كثيرة في هذا المجال.


بنبرة مغلفة بالحزن والفخر والاعتزاز بتضحيات الشهداء، بدأ الروائي سعيد البادي كلامه قائلاً: واقع الحرب هذه المرة لامس أعماقنا أكثر لأن أبناءنا وأشقاءنا مشاركون فيها، قصص الشهداء وقصص ذويهم وأبنائهم قصص مؤثرة في المشهد المحلي ويكاد لا يخلو منزل إماراتي من وجود أحد أفراد عائلته مشاركاً أو له علاقة بالحرب في اليمن.


قبل سنوات كتبت «رحلة إلى بلاد النارين» وكانت تسجيلا لرحلتي في العراق زمن الحرب في 2003 وفي روايتي الجديدة «مدن ونساء» ثمة فصل بعنوان الهروب من الجحيم فيه مشاهد موجعة من أرض المعركة في العراق. مشاهد الحرب في وقتنا الحاضر كثيرة وممتدة من اليمن جنوبا إلى ليبيا غرباً مروراً بالعراق وسوريا وفلسطين فلا بد أن تؤثر تلك المشاهد على الكتاب العرب بشكل عام والإماراتيين بشكل خاص.


وقد أذيع سراً هو أنني أعمل حاليا على نص يحاول الاقتراب من سعير الحرب من خلال شاب ترميه الأقدار في أتون الحرب في سوريا محارباً لدى كل الأطراف بحثا عن طوق النجاة للخروج من أرض المعركة.


الروائية نجيبة الرفاعي.. صارحتنا بأمنياتها أن يظهر على الساحة أدب البطولة، لا أدب الحرب، وشرحت وجهة نظرها.. قائلة: "بالنسبة لمصطلح أدب الحرب، لعله جديد على الساحة الأدبية الإماراتية، بحكم أننا لا نعيش -ولله الحمد- في جو من الحرب أو الدمار والتشتت، بل نعيش في أمن وسلام بفضل قيادتنا الحكيمة".


والرواية في الإمارات أصبحت لها مكانتها وتأثيرها، وإن كانت برأيي ما تزال في أشواطها الأولى، مقارنة بالحركة الروائية في الدول العربية الأخرى.


ومن يكتب عن أدب الحرب لابد أن يلامس ويعايش هذا الجو بشكل وثيق حتى يستطيع أن يوثقه بالطريقة المطلوبة ..لابد للكاتب أن يجالس الجندي، أو أم الشهيد، أو ابنه، حتى يترجم الإحساس بشكل صادق، ولابأس أن نجسد البطولة أو التضحية، ولكن برأيي أن أدب الحرب لم يظهر إلا في الدول التي عانت من ويلات الحروب وعايشت التشرد والفقر والقتل والخوف، فظهرت الروايات التي تتحدث عن هذا العصر. ونحن نتمنى ألا نعيش هذ الجو، وأن نحول أدب الحرب إلى أدب البطولة.


الكاتبة مريم النعيمي تقول "نعم أتوقع ذلك لأن الإمارات فيها كتاب على مستوى عالٍ من الثقافه الفكريه والتحليلية، كما أن هذه التضحيات العظيمه أثرت في قلوب وفكر الجميع خاصه أنه يوجد كثير من الميادين التي تحمل أسماءهم الطاهرة وأيضاً سنويا سوف نحتفل بيوم الشهيد، كل هذه المعطيات وغيرها ستولد أدب الحرب".


من جهته، يعتبر الكاتب والإعلامي الإماراتي محمد المسكري أنّ الأدب هو مرآة الواقع والقيم والهوية، وإذا كتب السرد الروائي الحدث فقط دون إعلاء القيم والمعنى فإنه سيكون ناقصاً لا يفي بغرض التعبير عن قضايا الوطن وهموم شعبه، ويقول: «إننا في الإمارات لدينا الطاقات المبدعة في مجال الكتابة الروائية، ولدينا منظومة الولاء والانتماء، ولدينا الهوية الوطنية ويوم العلم والشهيد، ولدينا كمٌّ كبيرٌ من التضحية دفاعاً عن القضايا العربية العادلة، بدءاً بقضية فلسطين وصولاً إلى اليمن، مروراً بالكويت ومصر وغيرها».


ويضيف المسكري: «لا يمكن للأدب الروائي في الإمارات إلا أن يستمد من كل هذه المواقف المشرفة، سياسياً وعسكرياً، صدقيته وإبداعه في الطرح، فالمكان العربي متسع، والقضية العربية عادلة وحقيقة، وعلى الرواية أن تعبر عن كل ذلك بأسلوب إبداعي جميل وسلس، يصل بالقارئ إلى أن يعيش هذه الوقائع كأنها تحدث أمامه وبمشاركته، وهنا تتمثل قدرة الإماراتي على الإبداع في الكتابة الروائية، مخلصاً للمكان والإنسان الإماراتي، بدلاً من أن يكتب عن فضاءات متخيلة أو أماكن غريبة أو غرائبية».


للدم الإماراتي في اليمن الشقيق تأثير واضح في مسار الثقافة الإماراتية عموما وليس الأدب المكتوب فقط. بهذه الرؤية الاستشرافية للمستقبل للمشهد الأدبي الإماراتي.. شاركنا عياش يحياوي: كبير باحثين في أكاديمية الشعر بلجنة إدارة المهرجانات والبرامج الثقافية والتراثية بأبوظبي، سألناه؛ هل يمكن أن يظهر على الساحة الأدبية قريباً «أدب الحرب» تعبيراً عن تضحيات الجنود الإماراتيين في اليمن.. فقال: إن «أدب الحرب» مصطلح دقيق، يختلف عن الأعمال الأدبية المرتبطة بمفهوم المقاومة أو الصراعات العرقية والمذهبية العابرة، ولذا، فهو أدب مندمج بلحم الحرب وضجيجها، يصوّر نبض توتراتها المتصاعدة وانتصار الغريزة على الضمير. ذلك أن الحرب تبدأ من أجل النصر ثم تتحول في تصاعدها إلى غاية، حيث تصبح الرغبة في القتل والتدمير وتوخّي القتل هيمنةً على المُحارب.


وقد نُشرت دراسات كثيرة عن الانهيارات النفسية التي أصابت بعض الجنود بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، لأنهم فقدوا التوازن الذي خلقته شراسة الحرب فيهم.


لذا، أتصور أن أدب الحرب هو ذلك الأدب الذي يعيش كاتبه أتون الحرب بهيجاناتها التي ينتهي فيها فعل العقل العارف الحكيم، ويصوّر لامعقولية الفعل الحربي، حيث يصبح الجندي قطعة غيار مستخدمة لمواصلة فعل الحرب، فالحرب هنا هي الكينونة المُشوّهة الجديدة المنفصلة عن الكينونة الإنسانية الحضارية. ومن هذه الزاوية ربما أستطيع القول إن «أدب الحرب» ظهرت ملامحه بصورة جلية بعد الحرب العالمية الثانية وفي حرب الفيتنام والجزائر، كما ظهرت بعض ملامحه في الكتابات الأدبية التي أنتجها روائيون وشعراء شاركوا في الخنادق الأولى للحرب العراقية الإيرانية. وقد أصدرت حينها وزارة الثقافة عدداً من الأعمال الأدبية تحت شعار «أدب الحرب»، ومن بينها «سماء في خوذة» للشاعر عدنان الصايغ، و«حجابات الفار» للروائي نجمان ياسين.


غير أن ما سبق لا ينطبق على «أدب المقاومة» الشائع في المسطور الثقافي العربي الحديث، فإذا كان «أدب الحرب» بلا عقل فإن لـ«أدب المقاومة» أهدافاً إنسانية نبيلة أساسها السلام والعدل والدفاع عن الحق الإنساني. وأرى أن ما يمكن أن يظهر من كتابات أدبية خلال أو بعد «عاصفة الحزم» في اليمن يمكن دخوله في «أدب المقامة»، مقاومة الاستلاء على نظام الحكم بالقوة، والاستقواء بالأجنبي انطلاقا من حساسية مذهبية، ومقاومة المصالح الضيقة التي تتناقض مع مصالح الشعب اليمني الشقيق وأهدافه في التنمية والاستقرار.


ومن منطلق ما سبق، لا أعتبر الكتابات الشعرية التي صدرت في المملكة العربية السعودية مؤخراً بعنوان «حزميات» ضمن «أدب الحرب» بل يمكن دخولها في خانة «أدب المقاومة» إذا انطبقت عليها الشروط الواجب توفرها جماليا وموضوعيا في الأدب المقاوم. وجدير بالذكر أن أكاديمية الشعر في أبوظبي بصدد إصدار ديوان شعر يتضمن عدداً كبيراً من القصائد النبطية والفصيحة المتفاعلة مع تضحيات شهداء الإمارات في اليمن. وسيصدر لي قبل العيد الوطني القادم أول ديوان شعر في الدولة يتناول محورين هما: «جزر الإمارات المحتلة» وشهداء الدولة في اليمن. ولا يمكن حتى اللحظة إصدار أي حكم انطباعي سريع حول هذه الأعمال، وقد تتمكّن الساحة الثقافية من تقديم تصور حولها بعد قراءتها والوقوف على تمظهراتها الجمالية والإنسانية من الوجهة النقدية. غير أن ما يمكن قوله هو أنه سيكون للدم الإماراتي في اليمن الشقيق تأثير واضح في مسار الثقافة الإماراتية عموما وليس الأدب المكتوب فقط، ذلك أن أرواح الشهداء فتحت مسلكا نورانيا جديداً في الوعي الوطني والثقافي ستتشكل ملامحه رويدا رويدا.


بثقة شديدة، يراهن الروائي محمد مستجاب على ظهور أدب يواكب الحرب التي تشارك فيها الإمارات قائلاً: يجب أن يكون الحدث مزلزلاً يأتي فيجذب الكاتب بقوة كي يؤرخه وكي يحلله وكي يمجد أبطاله أيضا، وتاريخياً هذه أول حرب يخوضها أبناء دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد اتحادها في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، فمن المؤكد سوف تري الساحة الأدبية الفترة القادمة بعض الكتابات، سوف يأتي من يكتب عنها كحدث جديد وكشخصيات كانت تعيش حياة عادية وفجأة وجدت نفسها تحمل السلاح وتوضع في قلب النار ضد طائفة أو ضد الحويثيين في اليمن، وبالتالي فإن الحرب هنا لن تكون هي المسيطرة على جميع الأمور أو عقليات الشعب الإماراتي وجيشه، نعم سيخرج أدب به الكثير من الجروح والقصص وطلقات الرصاص والتضحيات الكبرى، سيخرج أدب حقيقي يصب في تاريخ الأدب الإماراتي الناشئ ولكنه لن يمثل تياراً بالمعنى المفهوم، وأعتقد أن السيرة الذاتية أو المذكرات هي التى سوف نجدها خلال الفترة القادمة في الأدب الإماراتي.


يستعرض مستجاب.. في لمحة سريعة أهم الأعمال التي تناولت الحروب قائلاً: الأدب العظيم لا يترك أي شيء يمر في الحياة، فما بالنا بالحرب، تلك التى نسمع عنها أو نقرأ بعض السطور عنها أو قد نشاهدها في أحد الأفلام، لكن أن تكون مشاركاً فيها سواء على الجبهة حيث السلاح والقنابل والعدو ولا شيء آخر، أو تكون من جنود الجبهة الداخلية، من المؤكد سوف تثير الحرب الكثير من المشاعر وتحرك الكثير من الأقلام سواء لتأريخها لحظة بلحظة كما فعل أستاذنا الراحل فتحي رزق في كتابة «جسر على قناة السويس» وهو عبارة عن مذكرات يومية لجرب الاستنزاف حتي عام 1974، أي بعد انتهاء حرب أكتوبر، كما سنرى رواية حكايات الغريب والرفاعي للراحل جمال الغيطاني والتي رصد فيها هؤلاء الأبطال أو تلك التغيرات التى تحدث للشخصية المصرية أثناء حدث عظيم سواء سلبي كنكسة 1967 أو حرب أكتوبر، وسنجد كذلك أدب الأستاذ فؤاد حجازي بصفته محارباً على الجبهة وراية أبناء الصمت للأستاذ مجيد طوبيا، كل تلك الأعمال كان يجب أن ترى فيها الحرب سواء كجندي يمسك السلاح أو مراسل حربي يري بعينه أهوال الحرب أو شخص عادي يتقبل ويرى تأثيرات الحرب على الناس، وعالميا سنجد من كتب عن الحرب بعد أن خاضها وأشهرهم همنجواي الأميركي والذي كتب «وداعا للسلاح» او حتى رواية «الحرب والسلام» والتي تتحدث عن غزو نابليون إلى روسيا.


يرى الشاعر والناقد الفلسطيني سامح كعوش أن النتاج الإبداعي الروائي الإماراتي مقبلٌ حتماً على إنتاج أدب روائي خاص بالحرب العادلة التي تخوضها دولة الإمارات في اليمن إحقاقاً للحق ونصرةً للمظلوم، وهذه المحورية الإبداعية الرئيسية التي أسست عبر التاريخ لكل أدب روائي مبدع وخالد، فأدب غسان كنفاني ليس بعيداً عن ذلك كمثال، لأن السرد لمجرد السرد الحربي والعسكري لا يقع في الرواية ولا يقترب من السرد، وقد بينت تجربة الحرب اللبنانية عبثية الكثير من السرديات التي كتبت عن الحرب لمجرد الكتابة عنها، وكذلك كتابات الاشتراكيين الروس والفيتنام والكوبيين وغيرهم.


ويؤكد كعوش: «إن دماء شهداء الإمارات وتضحيات جنودها البواسل في ساحات الوغى ستنكتب روايةً وطنية ذات قيم سامية عليا تتخذ من السرد الروائي مساحة توجيه وطني بامتياز».