صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

تداعيات «الطائرة الروسية».. انعكاسات مباشرة على السياحة وتحديات للاقتصاد المصري

سياح في مطار شرم الشيخ  تمهيداً للمغادرة.(أرشيفية)

سياح في مطار شرم الشيخ تمهيداً للمغادرة.(أرشيفية)

عبدالرحمن إسماعيل (القاهرة)

يخشى مسؤولون في قطاع السياحة المصري أن تؤدي التداعيات السلبية لحادث سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء الشهر الماضي، والتي لا تزال تتفاقم آثارها يوماً بعد يوم، إلى ضربة موجعة لواحدة من أربعة مصادر رئيسية يعتمد عليها الاقتصاد المصري في تدبير احتياجاته من النقد الأجنبي.
ورغم الضربات الموجعة العديدة التي تعرضت لها السياحة المصرية خصوصاً في تسعينات القرن الماضي، وأشهرها حادث الأقصر المعروف (نوفمبر 1997) والذي راح ضحيته 58 سائحاً على أيدي مسلحين من الجماعة الإسلامية، إلا أن الحادث الأخير يعتبر الأشد إيلاماً ليس لقطاع السياحة فقط، بل للاقتصاد المصري الذي يعاني في الفترة الأخيرة من تراجع ملموس في مصادر تمويله من النقد الأجنبي.
قبل حادث الطائرة الروسية بأسبوع واحد، خفض البنك المركزي المصري قيمة العملة المحلية مرتين متتاليتين بنحو 20 قرشا، لتكسر العملة الأمريكية لأول مرة أمام الجنيه حاجز 8 جنيهات، مما أدى إلى قفزة غير مسبوقة في سعر الدولار في السوق السوداء، أثارت حفيظة الكثير من رجال الأعمال وأصحاب المصانع، ودفع ذلك الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى قبول استقالة محافظ البنك المركزي هشام رامز وتعيين طارق عامر بدلاً منه، وتزامن ذلك مع تراجع متسارع في احتياطي البلاد من النقد الأجنبي ليصل إلى 16,3 مليار دولار من 36 مليار دولار قبل أحداث يناير 2011.
وحسب اقتصاديين وسياحيين، يضيف حادث الطائرة الروسية ضغطاً جديداً، ليس فقط على قطاع السياحة الذي كاد يستعيد عافيته بعد ثلاث سنوات عجاف تلت أحداث يناير 2011، ولكن على مجمل الاقتصاد المصري، في ظل اعتقاد شريحة كبيرة من المصريين، منهم حكوميون رسميون، بأن أطرافاً غربية وأمريكية تتخذ من حادث الطائرة بعداً سياسياً للإضرار بالاقتصاد المصري.

ضربة قاصمة
هذا ما يراه فتحي غازي، نائب رئيس شعبة أصحاب شركات السياحة والطيران في اتحاد الغرف المصري، مضيفاً لـ «الاتحاد» أن إجلاء السياح الروس والبريطانيين من شرم الشيخ، وما تبعه من تعليق الرحلات بين الجانبين المصري والروسي، يشكل ضربة قاصمة للاقتصاد المصري، خصوصاً لقطاع السياحة. وأجلت كل من لندن وموسكو رعاياها من منتجع شرم الشيخ، وقررت الأخيرة تعليق رحلات طائراتها ليس فقط إلى المنتجع الشهير، بل إلى مصر ككل، وبعدها بأسبوع حظرت موسكو شركة مصر للطيران من الدخول إلى الأراضي الروسية، حيث تنظم الناقلة المصرية ثلاث رحلات أسبوعية إلى العاصمة الروسية، الأمر الذي يزيد من قلق المصريين بشأن الصعوبات التي ستواجه الاقتصاد المصري خلال الفترة المقبلة.
ويقول غازي إن الدول التي أجلت رعاياها من مصر وتعليق رحلاتها إلى شرم الشيخ، تعتبر بمثابة العمود الفقري للسياحة المصرية، بسبب ارتفاع عدد السائحين القادمين منها إلى مصر، وبالتحديد من روسيا وبريطانيا.
وقدر غازي حجم الخسائر المتوقعة من تعليق الرحلات السياحية إلى مصر من جانب عدد من الدول الأوروبية إلى جانب روسيا بنحو 5,2 مليار دولار. وهذه التقديرات أكبر من حجم الخسائر المتوقعة من قبل وزير السياحة المصري هشام زعزوع، والذي قال إن مصر ستتكبد شهريا نحو 2,2 مليار جنيه (281 مليون دولار) من تعليق الرحلات السياحية، ويتوقع أن ترتفع الخسائر إلى 6,6 مليار جنيه (843 مليون دولار) في حال استمر ذلك لمدة ثلاثة أشهر.
وحققت السياحة لمصر نحو 7,5 مليار دولار خلال العام الماضي، مما يضعها في المرتبة الثالثة في مصادر النقد الأجنبي للبلاد بعد تحويلات المصريين في الخارج والتي تتجاوز 19 مليار دولار، والصادرات غير البترولية (14 مليار دولار في الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي)، وتأتي رسوم عبور قناة السويس بعد السياحة بعائدات تقدر بنحو 5,5 مليار دولار.

الروسي والبريطاني
تعتمد السياحة في منتجعي شرم الشيخ والغردقة بشكل كبير على السوقين الروسي والبريطاني، لذلك من الصعب كما قال لـ «الاتحاد» هشام علي، رئيس جمعية مستثمري شرم الشيخ، البحث بسرعة عن بديل للسوقين الرئيسيين، حيث تشكل السياحة الروسية أكثر من 60% من إجمالي السائحين إلى المنتجعين الشهيرين، فيما تشكل السياحة البريطانية 15%.
وخلال العام الماضي زار مصر نحو 3,2 مليون سائح روسي بما يعادل أكثر من ثلث إجمالي عدد السائحين إلى البلاد، البالغ عددهم 9,5 مليون سائح. وحلت روسيا في المرتبة الأولى من حيث عدد السياح الوافدين لمصر خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الحالي والبالغ عددهم 2.5 مليون سائح.
هشام علي الذي يمتلك عددا من الفنادق في شرم الشيخ يطالب الحكومة المصرية بالوقوف مع أصحاب الفنادق لاجتياز الأزمة الحالية التي تمر بها السياحة المصرية، خصوصاً ما يخص قروض البنوك والتأمينات، إلى جانب تسهيل صدور التأشيرات الممنوحة لبعض الجنسيات العربية خصوصاً مواطني دول شمال إفريقيا.
وأضاف أن الأسواق العربية، خصوصاً بلدان المغرب العربي، يمكن أن تعوض إلى حد ما النقص الذي سيحدث من السوق الروسي والأسواق الأوروبية، مؤكداً أن السياحة المصرية كثيراً ما واجهت أزمات واستطاعت العودة بسرعة.
وطالب أصحاب الفنادق بعدم تسريح العمالة الماهرة بدعوى خفض النفقات في ظل التراجع المتوقع في أعداد النزلاء في الفنادق والمنتجعات، قائلاً: «الاحتفاظ بالعمالة الماهرة أمر مهم يظهر عندما تعود السياحة من جديد». وعادة في كل أزمة تمر بها السياحة المصرية، يضطر أصحاب الفنادق إلى إعطاء العاملين إجازات مفتوحة، بسبب عدم القدرة على تحمل الرواتب والتأمينات الإجبارية، في ظل تراجع معدلات الإشغال، بسبب نقص السياحة الوافدة.

حملات ترويجية وتشجيع السياحة الداخلية
القاهرة (الاتحاد)

اتخذت الحكومة المصرية عدداً من الإجراءات السريعة التي قالت إنها كفيلة بامتصاص جزء من الصدمة التي ستواجه السياحة المصرية، منها تشجيع السياحة الداخلية من خلال خفض أسعار تذكر الطيران والإقامة في الفنادق، وذلك للمصريين الراغبين في قضاء عطلاتهم في شرم الشيخ والغردقة والأقصر، إلى جانب رصد ميزانية بنحو 5 ملايين دولار للإنفاق على حملات ترويجية في الأسواق الخارجية، والبحث عن أسواق بديلة للسوق الروسي خصوصاً في أوكرانيا وعدد من دول الاتحاد السوفييتي السابق.
غير أن محمد الشريف، مدير المكاتب الأمامية في أحد الفنادق الشهيرة في الغردقة، قال في اتصال مع «الاتحاد»: من الصعب العثور بسرعة عن أسواق بديلة للسوقين الروسي والبريطاني بالتحديد، باعتبار أنهما أهم سوقين بالنسبة لشرم الشيخ والغردقة، لذلك من المتوقع أن تصاب حركة السياحة خلال موسم الشتاء الحالي الذي يعتبر الموسم الرئيس للمنتجعين الشتويين، بحالة من الشلل التام».
وأضاف أن طبيعة السياحة في شرم الشيخ والغردقة مختلفة تماماً عن الأقصر وأسوان، ذلك أن المنتجعين يعتمدان كلية على السياحة الخارجية وليس الداخلية، خصوصاً من دول روسيا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، موضحاً أن السياحة الداخلية لا تناسب طبيعة الإقامة في شرم الشيخ والغردقة.
ونادراً ما يلحظ في فنادق منتجعي شرم الشيخ والغردقة حضور كبير للمصريين قياساً بالسياح الأجانب، بل إن كثيراً ما يشتكي المصريون الذين يقضون عطلاتهم في المنتجعين، من معاملة مختلفة يلقونها من موظفي الفنادق قياساً بالمعاملة التي يقولون أنها أفضل للسياح الأجانب.
لكن في مثل هذه الأزمة، تعول السلطات المصرية على السياحة الداخلية في تعويض جزء من النقص الكبير المتوقع في أعداد السياح القادمين من الخارج. وخلال الأيام الماضية، دشنت فضائيات وصحف مصرية حملات لدعم السياحة المصرية، وإقناع المصريين بقضاء عطلاتهم المقبلة في شرم الشيخ والغردقة، للحد من التداعيات السلبية على قطاع السياحة.