أخيرة

بالصور.. الرضيعة مريم بعد 28 عاماً.. نهاية أسطورة

في عام 1988 قصف الرئيس العراقي السابق صدام حسين منطقة حلبجة الكردية بالأسلحة الكيماوية. وأسفر القصف عن مصرع الآلاف وانتشار الفوضى وتشرد العديد من الأسر.


وكان من بين الضحايا الرضيعة مريم، صارت امرأة في الوقت الحالي، والتي ترعرعت في إيران ثم عادت أخيرا إلى العراق للبحث عن أي أقارب لها على قيد الحياة.


وترجع قصة مريم إلى عام 1988 عندما كانت رضيعة تعرض موطنها حلبجة لقصف كيماوي من قبل صدام حسين استخدم فيه خليط من غاز الخردل وغاز الأعصاب لقمع المتمردين الأكراد.



وأجليت مريم، التي دخلت العقد الثالث من عمرها الآن، مع أسرتها من موقع القصف إلى طهران في مروحية، وهو ما علمته قريبا، وبشكل ما انفصلت عن أمها التي فقدت البصر جراء القصف، بحسب تقرير نشرته "بي بي سي".


وتبنت مريم أسرة إيرانية تقيم في مدينة ساري بالقرب من البحر الأسود، وهي الأسرة التي فقدت ابنتها البالغة من العمر 14 عاما بسبب إصابتها بسرطان الدم.


وتقول فاطمة، التي تبنت مريم: "ذات يوم تلقيت اتصالا من دار رعاية اجتماعية علمت من خلاله أن أطفال وصلوا إلى البلاد من منطقة الحرب. وطلبوا مني الذهاب لاختيار أحد الأطفال".



وأضافت أنها هي التي أطلقت على الطفلة العراقية اسم "مريم" لأنه اسم ابنتها المتوفاة حتى تعيدها إلى الحياة من جديد في شكل الطفلة العراقية القادمة من منطقة الحرب، مضيفية "كنت أحتاج إلى هذا الأسم، وأردت أن أعيد ذكرياتي إلى الحياة مرة ثانية".


ومع أنها شعرت بأن مريم، ابنتها المتوفاة، عادت للحياة من جديد، إلا أن الطفلة العراقية المتبناة التي حملت نفس الاسم كانت تشعر بأن هناك شيء ما مريب.


وقالت مريم: "ذات يوم كنا أهم باللعب مع بعض الأطفال في حديقة منزل أقارب لنا، لكن الأطفال رفضوا مشاركتي اللعب"، مضيفة "عندمتا سألتهم لماذا؟ أخبروني بأني متبناة، لكني لم أفهم معنى الكلمة".



لكن الأطفال أخبروها بأن "متبناة" تعني أنها ليست ابنة أبويها، وأنها لو دققت النظر في صورها معهما فسوف تكتشف أنها لا تشبههما.


وكانت علاقة مريم بوالدتها بالتبني معقدة للغاية، لكن علاقتها بوالدها بالتبني "هوشنك" كانت قوية، فقد كان هناك تقارب كبير بينهما إلى درجة دفعته إلى الاعتراف لها بأنها ليست ابنته حقيقة، وأنها متبناة.


كما أخبرها قبل وفاته، وهي في الثامنة عشر من عمرها بأنها تنتمي إلى أسرة من منطقة كردية بالعراق، لكنه لم يحدد تلك المنطقة، منذ ذلك الحين، أحست مريم بالعار لعدم معرفة ذويها الحقيقيين.


وأضافت مريم: "عندما مات والدي، الرجل الذي رعاني، كنت أبكي على قبره، فسألني الناس عن سبب بكائي مع أنني لست ابنته"، مضيفة "ساعتها أحسست بأن مشكلتي بدأت وأن تعاستي أيضا بدأت معها. فقد شعرت بالوحدة. وبعد عامين، طلبت من أمي أن تساعدني على أن أجد أهلي".


وبدأت رحلة البحث بالفعل بعد توجه مريم إلى عدد من المدن الإيرانية بحثا عن ذويها بين تجمعات الأكراد.


وتمكنت مريم من الاتصال بجمعية حلبجة لضحايا القصف الكيماوي التي نجحت في وقت سابق في لم شمل سبعة أطفال على أسرهم العراقية من خلال مطابقة عينات الحامض النووي.


وأضافت مريم: "أعلم أنني ولدت بالتزامن مع القصف الكيماوي في حلبجة وربما قُتل والدي أو والدتي أو شُردا جراء القصف".


وقال لقمان قدير، رئيس جمعية ضحايا القصف الكيماوي على جلبجة، "كنا هناك وقت وقوع تلك الكارثة في حلبجة، لذا من السهل علينا أن تتفهم قصة مريم. لقد شاهدنا عشرات، بل مئات الأطفال الذين فقدوا ذويهم، ومن ثَمَ تفرقوا في أنحاء مختلفة من إيران".


وكانت مريم بالفعل على وشك الزواج من أحد المتقدمين لخطبتها، إلا أنه فور علم المتقدم لخطبتها بأنها متبناة، عدل عن عن طلبه على الفور.


وقالت مريم: "أخبروني كثيرا، عندما كنت طفلة، بأن أبي وأمي غير معروفين لأحد، وأنني ربما أكون ابنة غير شرعية، أو نتيجة لزواج مؤقت، أو وجدوني في سلال القمامة أو في دورة مياه، لكنني الآن على يقين من أنني من هنا وأستطيع أن أرفع رأسي".


وعرض الطبيب المتخصص في الأمراض الوراثية فارهاد برزنجي في مدينة السليمانية العراقية اجراء تحليل الحامض النووي لمريم وأن يطابقه على عدد من الأسر بلغ 58 أسرة، ثم ضيق نطاق الاحتمالات ليصل إلى رقم لا يتجاوز عدد أصابع الأيدي.


وقضت مريم بعض الوقت مع الأسر التي ربما تكون ابنة إحداها وفقا لنتيجة مطابقة تحليل الحامض النووي التي أثبتت تقارب العينات بينها وبينهم.


ثم التقت مريم بثلاثة شقيقات توفي والدهن في الهجوم. وكان لهن شقيقة رضيعة، رأوها لآخر مرة بين ذراعي الأم.


وهذه المرة، لم تراود مريم أية شكوك. "هن يتحدثن مثلي، بصوت عال جدا. ويضحكن مثلي. الكثير من طبائعهن الشخصية تشبهني، وأعتقد الآن أنهن أسرتي".


وكان الإحساس متبادلا، فقالت ليلى نصر الدين، إحدى الشقيقات: "أشعر أن قلبها مقرب لنا، وأحبها. كما أن هيئتها، وعينيها، وشكل جسدها، كلها تشبهنا".


وفي أغسطس، اجتمعن الشقيقات للاستماع للجواب النهائي الذي توصل إليه الدكتور فرهاد، وقال: "الجميع كان ينتظر هذه اللحظة منذ شهور. مريم، للأسف توفي والدك في الهجوم على حلبجة. لكن لديك أخ وأم، وستلتقين بهم اليوم. اسمك الحقيقي هو هاوناز، وانت ابنة السيدة غيلاس اسكندر".


وساد الحضور حالة من الهرج والتهليل والتصفيق. واقتيدت امرأة ترتدي نظارة سوداء باتجاه مريم. وكررت غيلاس اسم ابنتها "هاوناز"، وهي تحتضنها وسط دموع وصراخ.


وكانت غيلاس اسكندر هي آخر من تقدموا لفحوص الحمض النووي في يوليو، وهي متطابقة تماما. وقالت: "أنا شديدة السعادة. أشعر كأنني ولدت من جديد، وكأنني أرى الدنيا بعيون جديدة".


لكن الأمر كان مخيبا للآمال بالنسبة للعائلات الأخرى.


وقالت إحدى الشقيقات الثلاث: "بعد ثلاثة أشهر من المعاناة النفسية، أصبحت الآن مدمرة. ظننت أن شقيقتي قد عادت للحياة. لكن وكأنها قُتلت اليوم".


وكانت والدة مريم قد ظنت أنها ماتت في الهجوم. وتزوجت مرة أخرى، وتقضي وقتها بين حلبجة وبلدة بافيه الإيرانية، حيث تتلقى العلاج بعد أن فقدت بصرها في الهجوم.


وتعرفت مريم على شقيقها الأكبر، الذي أتى من هولندا لمقابلتها، وكذلك أخوها وأختها غير الشقيقين. كما أن أخا أصغر فُقد منذ هجوم عام 1988.


وعلى مدار شهور، تحاول مريم الآن التعرف على عائلتها في السليمانية وإربيل. هي تتحدث الفارسية، ولكنها الآن تتعلم الكردية. وتريد أن تدرس في حلبجة.


وبالتوازي مع ترحيب عائلة مريم بعودتها، تقدم الحكومة الكردية الإقليمية دعما ماديا للكثيرين، وتعهدت بمساعدة كل الأطفال المفقودين على الوصول إلى ذويهم.