ألوان

الإسلام... واليوم الدولي للتسامح

يوافق يوم الاثنين القادم ذكرى اليوم الدولي للتسامح، والتي تأتي في السادس عشر من شهر نوفمبر في كل عام، ونحن في هذه المناسبة نبين وجهة نظر الإسلام كي يكون المسلم على بينه من أمرِ دينه.
لقد أنعم الله سبحانه وتعالى على البشرية جمعاء برسالة سيدنا محمد–صلى الله عليه وسلم- هذه الرسالة التي ختم الله بها الرسالات، وجاءت كاملـة شــــاملة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِـــــي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً» (سـورة المائدة الآية) (3).
ومن المعلوم أن الرسالة السماوية التي نزلت على سيدنا محمد- صلى الله عليه وسلم- في بطحاء مكة، قد انتشرت انتشاراً سريعاً في أرجاء المعمورة خلال فترة وجيزة بفضل الله وعونه، فديننا الإسلامي انتشر بالأخلاق، بالقدوة الصالحة، بالحكمة والموعظة الحسنة، هذا ما تحلَّى به المسلمون عبر التاريخ يوم طافوا البلاد لنشر دينهم بالأخلاق الكريمة والصفات الطيبة، فدخل الناس في دين الله أفواجاً.
إن ديننا الإسلامي الحنيف قام على التسامح والتراحم، فقد زرع في نفوس المؤمنين المعاني الإنسانية والأخلاقية السامية، ورسمَ لهم منهجاً يقوم على التراحم والتعاطف والتسامح والترفع عن الأحقاد، وقامت حضارة الإسلام على الإخاء الإنساني والتفاعل مع الحضارات الإنسانية الأخرى.
وعندما نتصفح كتب التاريخ فإننا نجد صفحات مشرقة عن التسامح الإسلامي، وعن الأسلوب الطيب الذي اتبعه المسلمون في احترام الآخرين، ونحن هنا نذكر بعض النماذج التي تُوضح ذلك:

الأخشبين
أخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عروة أنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- زَوْجَ النَّبيِّ- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدَّثتْهُ (أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ ؟ قَالَ: لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بقَرْنِ الثَّعَالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ اللهُ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ، فَقَالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بهِ شَيْئاً) (أخرجه البخاري).
من المعلوم أن رسولنا – صلى الله عليه وسلم- دعا الناس جميعاً إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، فقد ذكرت كتب السيرة أنه – صلى الله عليه وسلم – ذهب إلى الطائف بعد أن آذاه أهل مكة؛ لعله يجد هناك الأنيس والنصير ، فسبوه وشتموه ورجموه، فجاءه المَلَكُ يعرض عليه أن يُطبق عليهم الأخشبين، فقال - عليه الصلاة و السلام- : «اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، لعلَّ الله يُخرج من أصلابهم من يُوَحِّد الله»، لم يشتمهم ولم يلعنهم ، بل دعا الله أن يهديهم، وفعلا استجاب الله دعاءه ، وخرج من صُلْب أبي جهل– عدوّ الله اللدود– الصحابي الجليل عكرمة، وخرج من صُلْب أمية بن خلف– الكافر- الصحابي الجليل صفوان، وخرج من صُلْب الوليد بن المغيرة– الكافر – سيف الله خالد.
ألا تُحِبّون أن يغفر الله لكم
من المعلوم أن الصحابة الكرام– رضي الله عنهم أجمعين- ساروا على منهج نبيهم محمد – صلى الله عليه وسلم – في العفو والتسامح، وما قصة أبي بكر الصديق– رضي الله عنه – مع قريبه ونسيبه مسطح بن أثاثة الذي خاض مع الخائضين في حديث الإفك، وقال في أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق – رضي الله عنهما – ما قَالَ عنا ببعيد، كما جاء في قوله تعالى: «وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ» (سورة النور الآية (22) .
لقد عفا وتسامح أبو بكر الصديق– رضي الله عنه- عن ابن خالته مسطح رغم مشاركته في حديث الإفك بحق ابنته أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها- امتثالاً لأمرِ ربه سبحانه وتعالى.
هذا هو ديننا الإسلامي الذي ربَّى رجاله على التسامح والعفو عند المقدرة، متأسين في ذلك برسولهم الكريم – صلى الله عليه وسلم - .
وعندما نتصفح كتب التاريخ؛ فإنّنا نجد صفحات مشرقة من التسامح الإسلامي مع أهل الديانات الأخرى، وقد تجلَّى ذلك في أبهى صوره في العهدة العمرية التي وَقَّعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- مع بطريرك الروم صفرونيوس في السنة الخامسة عشر للهجرة، والتي تُمَثّل لوحة فنية في التسامح الإسلامي الذي لا نظيرَ له في التاريخ، حيث أن هذه الوثيقة تُقرر حقوق الإنسان قبل أن يعرف العالم هذه الحقوق.