دنيا

10 مفاتيح لفك طلاسم «الصندوق البلوري»

خورشيد حرفوش (القاهرة)
يتفق خبراء علاج الاضطرابات السلوكية والنمائية على أن المشكلة الأهم التي تقف حجر عثرة أمام الجهود العلاجية والتأهيلية للتوحديين، تتمثل في عدم الوعي أو الإلمام الكافي بطبيعة التوحد كأشهر الاضطرابات النمائية وأكثرها انتشاراً.
ولفت باحثون إلى وجود خلل عند التعامل مع المشكلة، وساقوا عشر نصائح يرونها مفاتيح لفك «الشيفرة»:
1. طفل التوحد ليس مريضاً بحاجة إلى دواء حتى يُشفى، إنما هو أسير اضطرابات «نمائية» تؤثر على نموه السوي، وتسبب عطل النمو اللغوي والمعرفي والاجتماعي أو فقدانها بعد تكوينها، وهي من أكثر الإعاقات التطورية صعوبة، ويحيطها الغموض، سواء في أساليب التشخيص أو أسباب الإصابة أو طرق العلاج. وطفل التوحد بحاجة إلى من يفهمه ويخترق «الصندوق البلوري» الذي يسكنه. حتى يتفهم مشاعره وأفكاره وقدراته ومواهبه.
2. الاعتقاد بأن طفل التوحد ليس لديه مشاعر يفتقد إلى الدقة. فهو يعاني ارتباك «الحواس» ما يصيبها بالخلل. فأصوات الناس والموسيقى وصراخ الأطفال وأصوات الرعد والهواء والمطر كلها تعزف لديه لحنا واحدا، وكل الأطعمة والروائح لها المذاق نفسه، ما يضغط على أعصابه. حتى الإضاءة المبهرة يشعر أنها تحرق عينيه وتجهده؛ فالأضواء والأصوات والروائح والمذاقات والملمس كلها إدراكات حسية موجودة، لكنها شبه معطلة، وفهمها يحتاج إلى وعي وصبر حتى نعيد «استنطاقها» في أعماقه. وهي مهمة ليست سهلة، لكنها ليست مستحيلة. فالبيئة التي يعيش فيها الطفل التوحدي من الممكن أن يراها عدائية بالنسبة له، لذا يعيش منطويا، لكنه في الحقيقة يحاول فقط الدفاع عن نفسه بالاحتماء داخل «قوقعته».
3. يجهل معظم الذين يصدرون أوامرهم للطفل التوحدي، مضمون «الرسالة» التي طلبت منه، وكيف استقبلها دماغه فشيفرة التواصل معطلة لديه، والرسالة الصوتية لا تصل إلى دماغه. وعملية إقران الشيء بمسماه ومعناه معطلة، وعلينا أن نأخذ بيده إلى الشيء المراد إمساكه أو إحضاره، ونردد ونكرر ما نريده حتى يستوعب.
4. تبذل الأم مجهوداً كبيراً في الصراخ على طفلها التوحدي: «تعال هنا، لا تمسك المكواة لأنها ساخنة، اذهب إلى الحمَام...». إلا أنها لا تدرك، ولا يمكن أن تتخيل أن ولدها لا يفهم ما تقول، فهي تتهمه بالعناد واللامبالاة، ولا تعي أن كل تلك الرسائل لا تصل دماغه. علينا أن نترجم للطفل دلالات اللغة والمفردات حرفيا، فقاعدة بيانات الدماغ لديه خالية تماماً من «البديهيات» التي تظنها مفهومة. وبدلاً من أن تقول له «أغلق الباب»، عليها أن تمسكه وتوصله إلى الباب، ليمسكه ويتعرف عليه، وتساعده وتدربه مرات ومرات حتى يدرك معنى كلمة «باب».
5. «قاعدة» البيانات والمفردات في دماغ الطفل التوحدي خالية. فيما إقران الأشياء بمسمياتها خبرة مكتسبة عند الأسوياء. فالطفل يسمي «القط» قطا لأنه سمعنا وشاهدنا نقول. ولو كان سمع أمه تنادي «الكلب» بالقط لفعل الشيء نفسه. كما أن تكوين الطفل للجملة من مفردات لغوية خبرة إدراكية ولغوية مكتسبة أيضا، وتتم وتخزن وتستدعي من الدماغ عند الضرورة. وكل هذه الخبرات الإدراكية معطلة أو شبه معطلة لدى التوحدي، لذا فإن إعادة برمجة دماغ الطفل التوحدي، وملء ذاكرته بالمفردات التي تكون اللغة تحتاج إلى الكثير من الصبر والتدريب. وتحتاج إلى محاولات ابداعية قي توظيف لغة الجسد والإشارة، واستخدام تقنيات الصوت والصورة واللمس، لتنشيط الحواس وصقل تكاملها لدى الطفل.
6. لدلالات اللغة مشكلاتها، فللإدراك البصري لدى التوحدي مشكلاته. فهو بحاجة إلى مشاهدة ما نقوم به، وندربه عليه، وأن نكون على استعداد لأن نفعله أمامه مرات ومرات. فالتكرار مهم في ترسيخ وتطوير مهارات اللغة والتواصل. وينصح خبراء تأهيل باستخدام أساليب الدعم والتعليم ووسائله المختلفة لهذا الغرض، ولا سيما النماذج والأشياء المصنوعة من البلاستيك أو الأخشاب، والصور، والفيديو والأفلام المصورة والناطقة.
7- «التحفيز والتشجيع» مفتاحا النجاح والإنجاز، فالإنسان بطبيعته بحاجة إلى التقدير الاجتماعي، كما أنه في حاجة إلى أن يثبت ذاته ويطورها. والطفل كذلك بحاجة ماسة إلى التشجيع والثناء حتى يعزز الإحساس بالنجاح فيما نطلب منه، حتى يواصل تقدمه. والتوحدي أكثر الناس حاجة إلى مثل هذا التعزيز مهما كان حجم إنجازاته وتقدمه بسيطا ومتواضعاً. إنه يحتاج دوماً إلى من يصوب أخطاءه من دون كلل أو ملل، وشطب كل مفردات وعلامات وانطباعات اليأس والضجر والسخرية وكل ما هو سلبي من قواميس الذين يتعاملون معه. فربما «امتعاضة» واحدة في وجهه تذهب بجهود شهور عديدة أدراج الرياح.
8. يسود الاعتقاد لدى العامة أن الطفل التوحدي لا يميل ولا يفضل اللعب أو التفاعل الإيجابي مع غيره من الأطفال. ويغيب عنهم أنه لا يعرف كيف يلعب، أو كيف يتفاعل لأن لغة التواصل والحوار مضطربة. فاللعب يشبع حاجات نفسية عديدة لدى الطفل، ومن ثم علينا أن نساعده كيف يلعب وكيف ويتفاعل مع أقرانه، وكيف ينخرط معهم.
9. تشكو أسر التوحديين من نوبات غضب وصراخ أطفالهم من دون سبب، وكثيراً ما يجعلهم هذا يتجنبون الاختلاط بالناس، ويفرضون على أنفسهم قيوداً تعطل تواصلهم الطبيعي في الحياة. وفي حقيقة الأمر، ليس هناك سلوك بشري إلا وراءه دوافع، والمشكلة هنا أن أسباب تلك النوبات غير مفهومة، والطفل التوحدي يعجز عن توصيفها، لكن بإمكان الأسرة أن تحددها بالتجربة، وأن يكونوا من الوعي لرصدها، ومحاولة تجنبها مهما كانت بسيطة، فهكذا قد تبدو لهم، لكنها ذات تأثير مزعج ومؤلم للطفل المصاب بالتوحد. ومن جانب آخر، لابد من نشر التوعية المجتمعية حول التوحد، وأن استيعاب هذه الفئة ضرورة إنسانية وأخلاقية، فضلا عن كونها مسؤولية اجتماعية كبيرة.
10. يبالغ ذوو مصابي التوحد في سقف التوقعات، أو يتعجلون النتائج. لكن الواقع يشير إلى ضرورة فهم المعاناة فهما صحيحا. وأن التقدم الذي يمكن أن يحرز في مجال تعديل الاضطرابات النمائية والسلوكية غالبا ما يسير ببطء شديد، ما يحتاج الصبر، ولا يجب أن يتعجلون النتائج مهما كان حجم الجهد المبذول، فقط عليهم التمسك بالقدرة على تحدي الصعاب.