منوعات

رفعت سلام: المترجمون شوّهوا الأدب العالمي

ترجمات مميزة عدة أصدرتها سلسلة «المائة كتاب»، التابعة لهيئة قصور الثقافة الحكومية في مصر، مؤخرًا، كشفت عن عمل دؤوب، وخطة جيدة، بسلسلة آفاق الصادرة عنها، لنشر «الغريب» لألبير كامو، و«المحاكمة والمسخ» لكافكا، وكذلك أعمال لبورخيس ولوركا وفرجينيا وولف.


الشاعر الكبير رفعت سلام، رئيس تحرير سلسلة "آفاق" بهيئة قصور الثقافة، يتحدث في حوار عن طبيعة عمل «المائة كتاب»، والخطة المستقبلية للسلسلة، بجانب دور وزارة الثقافة، وحركة الترجمة والنشر في مصر:


كيف ترى دور سلسلة "المائة كتاب"؟


- السلسلة خدمة للقراء والمكتبة المصرية والعربية، بل للترجمة ذاتها، بالحرص على تقديم مستوى يتجاوز السائد في مجال الترجمة، وخاصةً بالنسبة لترجمة عيون الإبداع الأدبي العالمي، التي لا تحتمل ترجمة متوسطة أو تقليدية. فيكفي ما جرى لها من ترجمات مشوهة فيما سبق، أنتجت وعياً مشوهاً بها لدى الأدباء، دون أن يدروا بذلك. فضلًا عن أنها تدعم حركة الترجمة المصرية بتقديم مترجمين أكفاء من مختلف الأجيال، ممن يهمهم بالأساس الارتقاء بمستوى الترجمة.


البعض ينتقد إصدار السلسلة روايات مترجمة عدة مرات من قبل للعربية، ومنها "زوربا"، و"المحاكمة"، و"الغريب"، فلماذا تعيد ترجمة ونشر أعمال سبق نشرها؟


- نعم، لأنه كان ضروريًّا إعادة الاعتبار إلى هذه الروائع، قبل الانطلاق إلى غيرها، كان لابد من تصحيح ما لحقها من تشويهات متفاوتة على أيدي المترجمين، لا يدري بها إلا مَن يقارن بين ترجماتهم والنص الأصلي. فالقارئ يرى ما أمامه ويقرؤه، ويحكم على «الترجمة» من سلاسة الأسلوب «العربي» للترجمة، دون دراية بما إذا كان قد تم الحذف من العمل، وتشويه الدلالة، واختراعات ما أنزل الله بها من سلطان. ومن المؤسف أن القراءة النقدية لأعمال الترجمة ليست موجودة في ثقافتنا وصفحاتنا الثقافية، ليظل الوهم قائمًا بأن الترجمات المتاحة لأمهات الإبداع العالمي هي فعلًا ترجمات دقيقة تمثل تلك الأعمال ومؤلفيها خير تمثيل.


وفي غالبية الحالات، فنهج الترجمة السائد لدينا في الثقافة المصرية والعربية يتغاضى عن «الدقة» ليسود نهج «عمومي»، عشوائي، في الترجمة، لا يمكن معه اكتشاف خصوصية «السمات الأسلوبية» لهذا المؤلف أو ذاك، بحيث يبدو وكأن جميع المبدعين الكبار في التاريخ الإنساني يتسمون -في أسلوبهم- بنفس السمات، بلا تمييز بين القديم والحديث، أو بين مؤلفين من نفس الحقبة التاريخية. فهل هناك في الإبداع أعمال بلا هوية أسلوبية؟ ألم يقل أحد الكبار إن الرجل «أسلوب»؟ ولم نتحدث عن «الحذف» العشوائي من مختلف الأعمال، وفقًا لمزاج المترجم، بلا ضابط ولا رابط، الذي يتراوح بين فقرات وصفحات كاملة، دون إشارة أو تنبيه للقارئ. وذلك ما ينتقص كثيرًا من قيمة الترجمات السابقة لتلك الروائع، ويفرض إعادة الترجمة «الدقيقة»، وفق نهج جديد مختلف. وذلك ما نقوم به حاليًا.


لكننا -في المقابل- ترجمنا ونشرنا أعمالاً لأول مرة باللغة العربية، كرواية إيتالو كالفينو الصعبة «لو أن مسافراً في ليلة شتاء»، وديوان «أغنيات البراءة والتجربة» لوليم بليك، وأعمالاً ترجمت ونشرت لأول مرة في مصر مثل «بيدرو بارامو» لخوان رولفو، و«الأب جوريو» لبلزاك، و«الصخب والعنف» لفوكنر.


ورغم كل ذلك، فأعداد السلسلة تنفد في الأسبوع الأول لطرحها على الجمهور، بلا مرتجع، ولا تتوقف مطالبة الكثيرين بإصدار طبعة ثانية من الأعداد السابقة، وهو ما يعني أننا نلبي بالفعل احتياجاً ماساًّ إلى هذه الترجمات الجديدة، لأمهات الإبداع العالمي.


وعلى أي أساس تختار الأعمال التي تُترجم بالسلسلة؟


- في سلسلة «المائة كتاب»، هناك قائمة أعددتها، وأعمل وفقًا لها، منذ العدد الأول. وهي قائمة استفدتُ في تشكيلها من قوائم الثقافات الأخرى (هناك قوائم في كل ثقافة -عدا العربية- لأهم الأعمال الأدبية، على امتداد التاريخ الإنساني)، من قبيل القائمة النرويجية (التي تضم قائمة قائمة بأفضل 100 كتاب، التي توافق عليها مائة كاتب من 54 بلداً مختلفاً، في استفتاء قام به «نادي الكتاب النرويجي»، وتعكس القائمة الأدب العالمي، بأعمال من مختلف البلدان، والثقافات، والعصور)، فضلاً عن قوائم إنجليزية وفرنسية وأمريكية، لأصل إلى قائمتي التي أعمل عليها، طالما أننا نفتقر في مصر والثقافة العربية إلى مثل هذه القوائم.


ومن أين استوحيت فكرة «المائة كتاب»؟


- قبل أن أبدأ العمل في السلسلة بشهور، كان لديَّ الوقت للتفكير في منهج العمل. فنحن -المثقفين- نشكو دائمًا من افتقار العمل الثقافي هنا وهناك إلى المنهج، وحين يوكل إلينا عمل ما، ننسى انتقاداتنا المنهجية، ونعمل بالعشوائية السائدة.


بدأت بتأسيس قائمة بأهم الأعمال الواجب تقديمها للقارئ، ولم يسبق ترجمتها، من خلال الإنترنت وخلال بحثي المحموم، وقعت على القائمة النرويجية لأهم مائة عمل أدبي في التاريخ، بدت القائمة لافتة للانتباه. لكني سرعان ما اكتشفت قائمة جريدة «اللوموند» الفرنسية، فقائمة «الجارديان» البريطانية، فقوائم عديدة لكل جامعة أمريكية على حدة، لكن الملاحظة الأهم أن جميع كتب القوائم متوفرة بالفعل، وفي ترجمات وطبعات مختلفة، في هذه البلدان، ومن اللافت للانتباه أن هذه القوائم لا تضم من الأدب العربي سوى «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ و«ألف ليلة»، والقليل يضيف إليهما «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح.


وحين تجمعت لديَّ نحو عشر قوائم مختلفة، عكفتُ عليها، لاستخرج قائمتي الخاصة، بعد استبعاد التكرارات، وقد حرصت على ترك عشرة أعمال للاختيار الخارج عن القوائم، لأمتلك حرية أكبر.


ولماذا لم تكتفِ بسلسلة آفاق وتنشر بها الأعمال الأدبية أيضًا؟


- سلسلة «المائة كتاب» هي ابنة «آفاق عالمية»، وجزء منها، لكن ضمن سياق خاص، لا أكثر. فـ«آفاق عالمية» هي الأصل، وما تزال سارية بالتوازي مع أعمال «المائة كتاب»، وعادةً ما أنشر فيها الأعمال الهامة غير المدرجة في قائمة «المائة كتاب»، كأشعار نيكانور بارا مثلاً، وقبله «فلسفة الفن»، وأشعار الفرنسي الحائز على جائزة نوبل سان جون بيرس.. فالثغرات التي قد تكون موجودةً في «المائة كتاب» أسدها بما أنشره في «آفاق عالمية» بالتكامل بينهما، بلا تعارض.


تتعامل السلسلة مع مترجمين جدد، في أغلب الإصدارات.. فهل هي استراتيجية العمل بالسلسلة؟


نعم، هي كذلك، فمسؤولية السلسلة لا تتوقف عند إصدار أعمال رفيعة، في ترجمة رفيعة، بل تمتد إلى فتح الباب على مصراعيه أمام المترجمين الجدد الجيدين، وعدم التوقف عند أسماء بعينها، وخاصةً أن هؤلاء المترجمين الجدد هُم من سينقلون الترجمة إلى مستوى آخر، بلا تكلس في وعي عملية الترجمة. وهي النقلة التي أصبحنا بحاجة ماسة إليها منذ زمن ليس بقريب، وهي نقلة لا يستطيعها الكبار الذين أصبحوا أسرى منهجهم وطريقتهم الذاتية في الترجمة، بما يشكل عبئًا حقيقيًّا على الأعمال المترجمة، لا ينتبهون إليه.


وبعد بضعة أعوام، وبضعة أعمال لكل مترجم، سنجد لدينا قائمة جديدة بمترجمين كبار من ذوي الخبرة والإنجاز العريض، وسيكون ذلك منجزًا إضافيًّا للسلسلة، نهديه إلى الحياة الثقافية المصرية الجادة.


الرواية صاحبة النصيب الأكبر في الأعمال المنشورة بالسلسلة حتى الآن.. فأين باقي الفنون الأدبية؟


- نعم، هي صاحبة النصيب الأكبر، فترجمة الشعر -على سبيل المثال- أصعب كثيرًا بما لا يُقاس، ومترجمو الشعر الأكفاء المرهفون أقلية نادرة وسط المترجمين، وذلك واقع يفرض نفسه على السلسلة بالإجبار، ورغم ذلك، فقد نجحت السلسلة في تقديم سبعة أعمال شعرية وهي نسبة ليست سيئة، بالقياس إلى صعوبة وحساسية ترجمة الشعر وندرة مترجميه، دون أن يعني ذلك أن بقية الأعمال هي للرواية، فهناك المسرح وعلم الجمال أيضًا.


فترجمة الشعر تحتاج إلى ما هو أكثر من إجادة الترجمة، تحتاج إلى حب حقيقي للشعر، وحساسية روحية ومزاجية، وامتلاك أكبر للغتين، وخيال يوازي خيال الشاعر، وصبر ودأب غير عاديين إزاء العالم الشعري والصور متعددة المستويات وظلالها الخافتة الهاربة، كما تحتاج إلى تواضع من المترجم وإنكار للذات، حتى لا يجور على لغة وأسلوب وعالم الشاعر الأصلي. وندرة المترجمين الممتلكين لهذه القدرات تلقي بظلها على السلسلة، بل على ترجمة الشعر العالمي عمومًا في الثقافة المصرية والعربية. فهي مشكلة عامة، تعاني منها السلسلة شأنها شأن الآخرين. لكننا نحاول الحل بالتعامل مع مترجمي الشعر على المستوى العربي، لا المصري فقط.


وهل ترى تعارضاً بين دور السلسلة، وسلسلة الجوائز الصادرة عن هيئة الكتاب؟


- بل أعتبره تكاملاً من نوعٍ ما، بل أتمنى وجود العديد من سلاسل الترجمة في مؤسساتنا وهيئاتنا الثقافية المختلفة، فالإقبال الهائل على ما تنشره سلسلة «المائة كتاب» من ترجمات يشجع كثيراً على تعدد سلاسل الترجمة، على أن تظل متمايزة في توجهاتها وخطتها، وخاصةً أن سلسلتين -محدودتَي الإمكانيات- لا يمكن لهما أن يلاحقا الأعمال الهامة التي صدرت وتصدر بالثقافات الأخرى.


ولنتذكر أن إسرائيل تصدر من الترجمات أضعاف ما نصدر في البلدان العربية كلها، لا في مصر وحدها.


انتقدت صدور ترجمة مجهولة المصدر، في رواية "الحرب والسلام"، فهل كنت ترى أنه من الأفضل ألا تنشر الرواية من الأساس، خصوصًا أن ترجمة رواية بهذا الحجم أمر صعب للغاية؟


- نعم، ترجمة عمل بهذا الحجم «صعبة للغاية»، لكنها ليست مستحيلة. لكن نشر هذا العمل على نحو ما جرى يعيدنا إلى تقاليد -في الترجمة- تجاوزناها منذ سلسلة «الألف كتاب» الأولى، التي قدمت نموذجًا محترمًا رفيعًا في الترجمة، وأرست تقاليد جديرة بالمراعاة. فلم تكن تكتفي بفعل الترجمة، بل تضيف إليه المراجعة على النص الأصلي، فضلاً عن المراجعة اللغوية والتدقيق في البيانات المختلفة، وبدلاً من تطوير هذا النهج الرفيع، بتطوير عملية الترجمة ذاتها (ضبط العلاقة بين المترجم والعمل الأصلي، أي ضبط العلاقة بين الذات والموضوع)، إذا بنا- في هذا العمل المنسوب إلى تولستوي- نعود إلى الوراء كثيرًا، إلى مرحلة الملخصات، والترجمات مجهولة الهوية، إلخ. هي عودة غير محمودة إلى العشوائية، السارية في كل ما حولنا، نعم، لكن نحاول ألا تطمس وعينا وبصيرتنا. لكن صعوبة إصدار ترجمة دقيقة، موثوقة، لا يدفعنا إلى التنازل عن المعايير، والعودة إلى الوراء.


عملك كرئيس لسلسلة آفاق، هل يعطلك عن مشروعك الأدبي؟


- دائمًا ما كان هناك في حياتي عمل موازٍ لمشروعي الأدبي، فحتى وقتٍ قريبٍ، كنت رئيس القسم الثقافي بوكالة أنباء الشرق الأوسط. وقبلها، كنت مراسلًا للوكالة بالجزائر، ودائمًا ما أستطيع التوفيق بين الأمرين.، أصبحت لديَّ الخبرة الكافية في توزيع الأعمال على الوقت المتاح، دون أن يجور جانب على آخر.


وخلال السنوات الثلاث الماضية، التي أدرتُ فيها السلسلة، صدرت لي أعمال جديدة، سواء شعرية أو في مجال ترجمة الشعر، وما يزال لديَّ المزيد في انتظار الفرصة المناسبة للنشر.


وهل سنقرأ قصائد جديدة من ترجمتك قريبًا؟


- آمل ذلك، فلديَّ ترجمات شعرية غير منشورة، من بينها الديوان الأخير ليانيس ريتسوس، الذي صدر بعد وفاته، وديوان «له المجد» لليوناني الفائز بجائزة نوبل إيليتِس، وهي أعمال انتهيت منها في السنوات الأخيرة، وليست بحاجة إلا لنظرة أخيرة قبل السماح بنشرها، لكني لستُ مستعجلاً.