الملحق الثقافي

في مدرسة العميد

من المدهش أن مع كل مناسبة تخصه (ذكرى ميلاده أو وفاته) يتجدد فيها الحديث عن رائد النهضة الأدبية الحديثة، عميد الأدب العربي، الدكتور طه حسين (1889-1973)، يجد الباحث الجاد والمنقب الدؤوب والمقلب في أوراقه وأعماله مادة غزيرة تستأهل إعادة النظر في ما تركه من أفكار ومقولات ورؤى، بل وزوايا جديدة لقراءة جانب أو أكثر من إرثه الزاخر، تأليفاً وترجمة، تحقيقاً وتقديماً، مراجعة وتعليقاً..

إيهاب الملاح
في ذكراه الثانية والأربعين التي حلّت في الثامن والعشرين من أكتوبر، وما زلنا نعيش تجلياتها، تبدو قراءة متأنية لأحد جوانب ما أنجزه طه حسين مغوية بالبحث والتنقيب، وما أكثر تلك الجوانب وأغزرها...

وجوه طه حسين
كان طه حسين رجلا متعدد النواحي والمشارب والوجوه، وضعته في صدارة الصف الأول من صناع نهضتنا الثقافية الحديثة؛ فهو الأب المؤسس الذي غرس بذور العقلانية والتفكير النقدي في ثقافتنا العربية وأحد الكبار الذين حملوا عبء الحلم بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية الحديثة.
فهناك طه حسين «مؤرخ الأدب» الذي ترك عشرات الكتب التي مثلت في حينها ثورة حقيقية في مناهج درس الأدب العربي ونقده وتأريخه على السواء. وهناك طه حسين «المؤرخ» بألف لام التعريف، الذي كتب عن «الفتنة الكبرى» وحلل جوانبها السياسية والاجتماعية في بحث عميق متفرد. وهناك طه حسين الرائد في مجالات الإبداع الروائي والقصصي، الذي راد الطريق أمام الناشئة وشباب الكتاب وشجعهم على ارتياد الأرض البكر دون خوف، فكتب «دعاء الكروان» و«المعذبون في الأرض» و«أديب»، وهو الذي أفضى في كتابه الرائع «الأيام» بسيرة حياته وصور فيها مشاق الكفاح ومعاناة مواجهة ثقافة التخلف ويؤسس لهذا الفن في الثقافة العربية الحديثة.
وهناك طه حسين، الأستاذ الجامعي، الأكاديمي المرموق، الذي تخرجت على يديه أجيال وأجيال منهم من أصبحوا أساتذة كبارا وأعلاما مرموقين على اختلاف تخصصاتهم العلمية ومجالاتهم البحثية، وهم الذين تأثروا بآرائه وأفكاره ومنهجه، ومجسدين أسمى قيم وأشكال «العلاقة الرفيعة بين الطالب والأستاذ» دون خنوع أو تسليم، بل فهما واستيعابا وتمثلا، نقدا وتطورا وتجاوزا.
وهنا يجب على الباحث المدقق أن يتوقف قليلا ليستجلي بعضا من الدور الذي لعبه طه حسين بموهبة واقتدار، بوصفه أستاذا جامعيا يجسد بكل ما تعنيه الكلمة هذه الصفة ولوازمها من الأمانة والالتزام والمسؤولية واكتشاف المواهب ورعايتها والحرص على تكوين جيل بل أجيال من الأكاديميين الممتازين يحملون الأمانة ويستكملون مسيرة النهضة والتنوير، وهو ما أداه طه حسين على أكمل وجه وبصورة تدعو للدهشة والإعجاب.
في هذا الإطار، يلفت انتباه الباحث أن الدور الذي لعبه طه حسين في اكتشاف المواهب داخل الجامعة وتوجيهها للدراسة الأدبية والنقدية وإثراء التخصصات العلمية داخل كلية الآداب -التي كان أبرز أساتذتها وعميدها في الآن ذاته- كان دورا ضخما مذهلا في مراوحته بين طلاب اللغات والآداب والعلوم الإنسانية. وسيدهش المرء حين يكتشف أن طه حسين قد أشرف بشخصه على عشرات من الطلاب الذين صاروا في ما بعد «مؤسسات ثقافية» كاملة، تركوا بصماتهم ولعبوا بدورهم أدوارا في تخريج أجيال من الباحثين والدارسين وأثروا المكتبة العربية بمؤلفاتهم وأعمالهم التي عُدت ولا تزال أعمالا كبرى مرجعية في مجالاتها المتخصصة أو حتى خارج دوائر التخصص الضيقة.
ولك على سبيل المثال هذه الأسماء: لويس عوض، سهير القلماوي، شكري عياد، عبد الرحمن بدوي، محمد كامل حسين، إبراهيم أمين الشواربي، عائشة عبد الرحمن، محمد مندور، شوقي ضيف، عبد العزيز الأهواني، عبد الحميد يونس، محمود علي مكي، ناصر الدين الأسد، إحسان عباس، سامي الكيالي.. وعشرات غيرهم.
وكل هؤلاء، على اختلافاتهم وتبايناتهم الفكرية والثقافية، وتخصصاتهم العلمية أيضا، تخرجوا في مدرسة العميد، وتشربوا منه أسس التفكير العقلاني، والبحث المنهجي المخلص للعلم وحده، والترهبن في محرابه، والانقطاع للبحث والدرس والتأليف، وسيجد الباحث المدقق أن تلامذة طه حسين المباشرين الذين درسوا عليه قد توزعوه في ما بينهم، فأخذ عنه شوقي ضيف، مثلا، حسه التاريخي ودقته في التوثيق دون عواصفه، وسهير القلماوي حسه الفني الجمالي والانفتاح على الثقافات الغربية، من دون إسراف في التاريخانية، وعبد العزيز الأهواني ميله إلى التفلسف والتعمق والتفصيل وتشقيق المسائل، وعبد الحميد يونس اهتمامه بالطوابع الشعبية والالتفات إلى الإبداع الجمعي في الثقافة.
بالتأكيد، فإن موضوعا واحدا، ولا اثنين، أو حتى كتابا كاملا، يمكن أن يفي بحصر هذه الأسماء وتحليل الدور الذي لعبه طه حسين، إنسانيا، وعلميا، وأكاديميا، في الاكتشاف أولا، وفي الرعاية والموالاة واستنهاض الهمم العلمية ثانيا، وفي الدعم العلمي ثالثا مما أثمر في النهاية مشروعات علمية متكاملة ومؤسسات ثقافية بشرية إن جاز القول.
لكننا هنا نكتفي ببعض نماذج لتوضيح جانب من هذه العلاقة التي أسس لها طه حسين بينه وبين تلامذته، الذين صاروا بدورهم أساتذة، لكن مما يلفت النظر هو نقطة البدء في اكتشاف البذرة المبشرة، تلك الموهبة التي تطل برأسها على استحياء، في التفوق البادي من خلال بحث صغير أو موضوع إنشاء أو حتى مقال عابر فيجد فيه العميد إشارة إلى موهبة صاحبه فيقرر استدعاءه وتوجيهه ومعاونته ودعمه كي يتألق وتثمر موهبته وتختمر مهاراته لينضج بعد ذلك، ويصير واحدا ممن ذكرنا أو غيرهم ممن لم نذكر، وهم كثير.

سهير القلماوي.. من تشريح الجسد إلى تشريح الأدب
لعل في قصة طه حسين مع سهير القلماوي، أول أنثى تلتحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية، نموذجا دالا على حاسة طه حسين تجاه الموهبة وتشممها، كانت سهير القلماوي ابنة طبيب بارع وكانت متفوقة في كل مراحل تعليمها الأساسية، ولما أنهت دراستها الثانوية أرادت أن تلتحق بكلية الطب، مثل أبيها، فرفض طلبها لأنها أنثى، ولم تكن الجامعة آنذاك تقبل إلا الذكور، وتروي الدكتورة سهير القلماوي ما حدث بعدها:
«أخبرني قريب لي كنت أناديه بخالي، فقد كان أخا لخالتي في الرضاعة، وكان صديقا لطه حسين، بأنه يمكن أن يساعدني في هذه المسألة، وقال لي: «ما رأيك؟ نزور الدكتور طه حسين فهو صديقي ونسأله المشورة»، وقام باصطحابي بعدها إلى منزله، وهناك قال لي العميد: «ماذا عليك.. أنا أقبلك في كلية الآداب وفي قسم اللغة العربية، وستجدين بغيتك في التشريح في شعر جرير والفرزدق.. وضحك، ولم أفهم».
ولأول مرة في تاريخ الجامعة، سمح طه حسين الذي كان عميدا لكلية الآداب آنذاك بقبول الفتاة للتعلم والدراسة، رغم كل النقد الذي وجه له وللجامعة بسبب ذلك؛ لأنه كان على قناعة عميقة بأن هذا حق لها وليس فضلا ولا منة ولا منحة من أحد، مدركا أنه باتخاذه هذه الخطوة الجريئة (كان ذلك سنة 1936) يكسب خطوة في مشوار تطوير الجامعة وتحديثها في آن.
وكانت هذه هي البداية لكي تصبح سهير القلماوي واحدة من أنبغ من تخرجوا في كلية الآداب، وتصبح رائدة من رواد الدراسات الأدبية، حصلت على الماجستير تحت إشرافه عن رسالتها (أدب الخوارج في العصر الأموي) عام 1937، ثم على الدكتوراه عن رسالتها الرائدة (الناحية الأدبية في ألف ليلة وليلة) تحت إشرافه أيضا عام 1941 التي كانت أول رسالة علمية تفتح الباب واسعا أمام التخصص في الأدب الشعبي، وتكون بذلك رائدة لدراسات ألف ليلة وليلة في الثقافة العربية.
تقول سهير القلماوي عن أستاذية طه حسين في حياتها وهي طالبة:
«وهذا أول وأضخم درس تعلمته؛ كيف لا أيأس، وكيف أتأقلم مع ما قد فرض عليّ ومما ليس منه بد. والخيرة كما يقولون في فيما اختاره الله. وساعدني أساتذتي: طه حسين، وأحمد أمين، وعبد الحميد العبادي، وعبد الوهاب عزام، وغيرهم ممن أفخر إلى اليوم بأنني تتلمذت عليهم، وهم جميعا آمنوا بجديتي وباتساع أفقي ووجدوا في خامة طيبة. أما أستاذية طه حسين فلم تكن عطفا ورعاية كلها، ولم تكن دفعا قويا نحو المثل الأعلى عن طريق اللين دائما، وإنما كان يأخذنا ويأخذني أنا أكثر من غيري بالشدة أحيانا».

شوقي ضيف.. على خطى العميد
أما المرحوم الدكتور شوقي ضيف (1910-2005)، مؤرخ الأدب العربي، وواحد من أبرز تلاميذ طه حسين، فقد بدأ حياته العلمية والعملية معا سنة ‏1936‏، حينما اختاره طه حسين ليكون معيدا في كلية الآداب في جامعة القاهرة التي كانت تسمى في ذلك الوقت جامعة فؤاد الأول، يقول شوقي ضيف «كان طه حسين قد انتخب عميدا لكلية الآداب، ورأى أن تأخذ الكلية بنظام المعيدين لأول مرة في تاريخها الجامعي».
ثم بعد أن حصل على درجة الماجستير، أشرف طه حسين على رسالته للدكتوراه (الصناعة الفنية وتطورها في الشعر العربي) عام 1942م، وهي الرسالة التي قال عنها طه حسين في تقديمه لها حين الدفع بها للنشر في كتاب يذاع على الناس:
«إني لسعيد بأن أقدم إلى القراء آية على أن في الشباب الجامعيين من يعملون مخلصين للعلم والدرس، وعلى أن في الشيوخ الوادعين النابهين، من يمنحون هؤلاء الشباب ودهم وحبهم، سواء أعرفهم أم لم يعرفهم؛ لأنهم يفكرون في مصر وثقافتها التي تحيي ماضيها وتفتح الطريق لمستقبلها الباسم أكثر مما يفكرون في أنفسهم. وإذا كنت حريصا على أن أقول شيئا في هذه التقدمة فإنما هو تسجيل الشكر الخالص للجامعة التي أنتجت الدكتور شوقي ضيف، وللدكتور شوقي الذي أنتج هذه الرسالة».
وكان شوقي ضيف ‏-‏وظل كذلك إلى آخر أيامه‏-‏ نموذجا مضيئا من النماذج التي تسطع بالقيمة في تاريخ الجامعة‏ المصرية،‏ أخذ عن أستاذه طه حسين ‏-‏أول ما أخذ‏-‏ منهجه الذي كان جديدا في ذلك الوقت‏،‏ سواء من منظور التاريخ الأدبي أو منظور التذوق الأدبي‏،‏ ولذلك كانت أطروحته التي نال بها درجة الدكتوراة سنة ‏1942‏، كما أوضحنا، وطبعها في كتاب ذاعت شهرته منذ صدرت طبعته الأولى في الأربعينيات بعنوان «الفن ومذاهبه في الشعر العربي» تلخيصا لتاريخ الشعر العربي كله.
وطيلة الفترة التي عاصر فيها شوقي ضيف أستاذه طه حسين، وحتى وفاته سنة 73، وبعدها، حرص على أن يكون مثالا للطالب الذي يحتذي أستاذه في غزارة الإنتاج وتعدد مناحي الإسهام العلمي والثقافي، وحرص أشد ما يكون الحرص على استخلاص الدرس الأهم من الأستاذ «الإخلاص والتجرد للعلم والبحث العلمي ولا شيء آخر».
سجل شوقي ضيف سيرته الذاتية في كتابه «معي»، وأكبر الظن أنه كان متأثرا في اختيار العنوان أشد التأثر بكتاب «معك» الذي كتبته زوجة العميد -سوزان طه حسين- عن رفيق عمرها، ولما كان شوقي ضيف يقدس الوفاء أولا، ويعتبر أن طه حسين أستاذه الأول ومثله الأعلى ثانيا، فقد تحولت «معك» إلى «معي»، عن وعي أو غير وعي، ولكنها على كل حال لها كل الدلالات السابقة.

لويس عوض.. الابن البار الذي لم ينجبه طه حسين
كان لويس عوض (1914-1990) وهو من هو في ثقافتنا الحديثة، أستاذا وناقدا ومترجما ومثقفا بكل معاني الكلمة، وكان تلميذا مقربا من طه حسين، احتضنه العميد ووجهه لدراسة الأدب الإنجليزي، وساعده على السفر في البعثة المقررة للحصول على الدكتوراه، ودافع عنه دفاعا مجيدا في وقت تكاثرت فيه الرماح والأسنة على لويس عوض!
يروي لويس عوض في «مذكرات طالب بعثة» عن نفسه أنه كان طالبا متفوقا في كلية الآداب، حتى عرفه الجميع بالنبوغ والذكاء، فاستدعاه طه حسين ذات يوم في ربيع 1937، وقال له: «سمعتُ عنك كثيرا من أساتذتك، وأنا مغتبط بأن من طلبة الأدب الإنجليزي من يتفوقون كل هذا التفوق». ثم اختاره طه حسين بعدها ليكون ضمن بعثة إلى انجلترا، فأوفده إلى جامعة كامبردج للحصول على الدكتوراه، وكان موضوعها «تقاليد التعبير الشعري في الأدبين الإنجليزي والفرنسي».
وعقب عودته إلى مصر، بسبب ظروف الحرب العالمية الثانية، فوجئ بأنه ليس له جدول للتدريس في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب، ما يعني أنه ليس له مكان داخل الجامعة، فتدخل طه حسين لدى رئيس القسم الإنجليزي المستر «سكيف»، وألحقه بالعمل في قسم اللغة الإنجليزية بكلية الآداب جامعة القاهرة.
لم يكتف الأستاذ بكل هذا الدعم والتشجيع للتلميذ النابه، بل فتح له صفحات مجلته العظيمة «الكاتب المصري» (1945-1948) لينشر فيها دراساته الممتعة عن أعلام الأدب الإنجليزي التي جمعها في ما بعد في كتابه الرائد «في الأدب الإنجليزي»، واستهلها بإهداء لافت لطه حسين كتب فيه:
«إلى حضرة صاحب المعالي الدكتور طه حسين بك، وزير المعارف العمومية.. سيدي الوزير: ما كنت أحب أن أهدي إليك هذه الأوراق، فهي أقرب إلى الألياف اليابسة منها إلى الباقة ذات العبير. وما كنت أحب أن أهدي إليك هذه الأوراق وأنت في السلطان، فإذا الهيبة لم تحل فالخجل ينبغي أن يحول. وما كنت أحب أن أفرض عليك منهجا في النقد يقرأ في جمال الأدب بشاعة التاريخ، فلقد عودتنا أن تلتمس في بشاعة التاريخ جمال الأدب وعزة الأدباء.
ولكن إلى من أتوجه بأوراقي وأنت الذي نشرتها في الناس يوم علمتهم كيف يقرأون ما يكتب «الكاتب المصري» وأنا أعلم أنك ما نشرتها إلا من أجلي، فهي من يابس الألياف، عسى أن يبتل بالعطف عودي فتخضوضر أوراقي القابلات. فاعلم إذن أني ما كتبتها إلا من أجلك أيها الحامي العظيم.
فاسمح لي أن أنسى أنك اصطحبت المعالي فأحييك علنا أمام الناس كما حييتني علنا أمام الناس».
ودراسات هذا الكتاب التي يصفها لويس عوض بأنها «أوراق يابسة» مثلت في حينها «ثورة نقدية» بكل ما تحمله الكلمة، وحملت المقدمة الطويلة التي مهد بها لويس عوض لكتابه قيمة تاريخية كبرى، إذ صارت واحدة من وثائقنا النقدية التي يؤرخ بها لتاريخ النقد العربي الحديث، وتحولاته، ولا يمكن لدارس هذا النقد أن يغفل عنها أو يتغافلها.
ولويس عوض من الذين تأثروا أشد التأثر بملكات العميد وقدراته العقلية والنقدية الفائقة، وأخذ عنه كثيرا مما وصفه هو ذاته به، فإذا كان لويس عوض قد وصف أستاذه بأنه «تفتح عقل طه حسين الشاب على علوم وفلسفات ومناهج في البحث والتفكير غير ما كان يلقن في دراسته التقليدية. فكان ذلك مصدر كل هذا القلق النفسي والصراع الفكري والاحتجاج الجدلي الذي نجد صوته في كتابه الخالد «الأيام». وهكذا ترسبت في ذهن هذا الشيخ الناشئ الثائر فكرة «الثقافة»، وفكرة «المعاصرة»، وفكرة «التجديد»، وفكرة «الأدب للحياة»، فإن الوصف ذاته يكاد ينطبق على لويس عوض ذاته الذي جعل من كل الأفكار والموضوعات السابقة هما أصيلا من مشروعه الفكري ومثل عنصرا تكوينيا في كل ما كتب.

مندور.. تمرد على الأستاذ وحفظ جميله!
في كتابه الصغير المثير للجدل «طه حسين متحدثا عن أعلام عصره»، يورد الدكتور محمود دسوقي (الذي عمل سكرتيرا ومدونا خاصا لطه حسين في أواخر أيامه) كلاما نسبه إلى العميد يغمز فيه تلميذه السابق محمد مندور (1907 ــ 1965)، يقول فيه: «إن الدكتور مندور ليس ذا بال في الثقافة وليس له دور فكري مهم في حياتنا الثقافية في هذا القرن، أي في القرن العشرين، وكتاب مندور عن «النقد المنهجي عند العرب» كتاب «هايف»، وهذا الكتاب هو رسالة دكتوراه تقدم بها مندور إلى جامعة القاهرة. وكنت أنا أي طه حسين ــ «قد أوفدته في بعثة إلى باريس وبقي هناك تسع سنوات ولم يتمكن طوال هذه المدة إلا من الحصول على درجة الليسانس في اليوناني بسبب لهوه وعبثه وعدم إخلاصه للعمل العلمي وبعد عودته من باريس قدم ذلك الكتاب كرسالة حصل بها على الدكتوراه!».
ولعل الأسطر القليلة السابقة، رغم قسوتها وحدتها، وتهوينها من شأن أحد نقادنا القلائل الأفذاذ في تاريخنا الأدبي المعاصر، تبرز إلى أي مدى كيف يمكن أن يتحول تلميذ الأمس ورفيق اليوم إلى «خصم» يسفه من شأنه ويقلل من قدره بسبب عوامل غير موضوعية ولا تفسير لها إلا غلبة نوازع الغيرة وتغلب الغضب وتحكمه على مشاعر المرء حتى لو كان في حجم طه حسين!.
ولا يمكن فهم هذه الغضبة العنيفة من طه حسين على تلميذه السابق مندور إلا بالعودة إلى الوراء واستكشاف البدايات والتعرف على القصة من أولها!
طه حسين هو الذي اكتشف محمد مندور وحثه على الدراسة بقسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، وأولاه رعايته وعطفه، وكان يشجعه ويعجب أشد الإعجاب بتميزه وذكائه الحاد وقدراته النقدية الواضحة، وساعده على استكمال الدراسة التي أنهاها بتفوق واقتدار بل قد رشحه إلى بعثة لنيل الدكتوراه في فرنسا، وذلل أمامه كل الصعوبات والمعوقات التي اعترضته وكادت تمنعه من السفر تماما، ويقول محمد مندور عن ذلك «في الكشف الطبي سقطت في النظر، وكادت هذه النتيجة تلغي بعثتي إلى باريس، لولا أن تدخل أستاذي طه حسين، فذهب بنفسه لمقابلة محمد حلمي عيسى وزير المعارف آنذاك، وقرأ على الوزير فقرات من بحث كنت كتبته عن الشاعر الأموي «ذي الرمة»، وأعجب الوزير بالبحث، فقال له الدكتور طه حسين إن صاحب هذا البحث هو الذي أسقطوه في الكشف الطبي! وكأنه سوف يعمل خفيراً. وكتب حلمي عيسى مذكرة قدمها إلى مجلس الوزراء الذي وافق على إعفائي من الكشف الطبي، وبدأت أتهيأ للسفر». وإلى هنا كل شيء يسير على ما يرام!
سافر مندور إلى فرنسا ومكث بها تسع سنوات عامرة بالفن والثقافة الصعلكة الأدبية، أتقن خلالها مندور الفرنسية واليونانية القديمة إجادة تامة وحصل على دبلومة في الاقتصاد السياسي، وترجم عددا من الكتب وكان الله بالسر عليم!
انتهى المطاف بمندور إلى العودة للقاهرة دون أن يحصل على الدكتوراه التي أوفد أساسا للحصول عليها من السربون! حينها اعتبر العميد أن أمله قد خاب في تلميذه النجيب، وقرر أن يعامله بقسوة حتى يستدرك ما فاته ويثبت له أنه جدير بالعناية التي أولاه بها. وبدلا من أن يتقرب مندور من أستاذه ويعتذر له ويحاول أن يسترضيه بأي طريق، راح مندور وأعد رسالته للدكتوراه بإشراف أحمد أمين وحصل على الدرجة بعد تسعة شهور فقط، وهي الرسالة التي طبعت في ما بعد بعنوان «النقد المنهجي عند العرب» والتي تعد إلى وقتنا هذا واحدا من الكتب المرجعية في النقد العربي القديم وتاريخه ولا يكاد يستغني عنها طالب أو دارس أو باحث متخصص في مجاله.
ثارت ثائرة العميد وهاج وماج واستفزه بشدة ما اعتبره تحديا سافرا من تلميذه المارق، وقرر عامدا أن لا يجمعه وإياه سور جامعة واحد! وبالفعل ترك محمد مندور الجامعة وتفرغ للكتابة والنقد وأصبح اسمه على ما عرفه عليه الناس «شيخ النقاد» وظل إلى آخر حياته وهو مقطوع الصلات بأستاذه ومكتشفه طه حسين.. لكن هل منعت هذه القسوة اعتراف مندور بفضل العميد الذي غمره به في مقتبل حياته وتشجيعه له على مواصلة الدراسة؟
أبداً.. في كل مناسبة تسنح أمام مندور كان يقر ويعترف ويبادر بذكر فضل طه حسين وأنه لولاه لما كان له شأن يذكر ولا استطاع أن يكتشف ذاته وملكاته ويصبح أهم ناقد عرفته مصر في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي.


الشواربي وحسين والأسد وعباس.. غرس الأستاذ
يتسع المجال لذكر عشرات ممن سجلوا في إهداءاتهم أو أوراقهم الخاصة الاعتراف الوافر بجميل الأستاذ طه حسين، الذي أرشد ووجه ودعم، وجسد أنصع نموذج للأستاذ الأكاديمي إزاء طلابه المتميزين، ولم تقتصر رعاية طه حسين على أبناء قسم اللغات العربية أو الإنجليزية بل تعداه إلى الأقسام الأخرى، وها هو تلميذ نابغ من تلامذة العميد، هو الدكتور إبراهيم أمين الشواربي الذي تخرج في قسم اللغات الشرقية وتخصص في اللغة الفارسية وآدابها يتصدى لترجمة واحد من أعظم أعمال الأدب الفارسي بل والعالمي أيضا، وهو «أغاني شيراز أو غزليات حافظ الشيرازي»، ويخرجه في مجلدين لأول مرة باللغة العربية خلال عامي 1944 و1945، وفضلا عن ذلك يكتب الشواربي أول دراسة علمية عن الشاعر الفارسي وينشرها في كتاب بعنوان «حافظ الشيرازي.. شاعر الغناء والغزل في إيران» وقد طبع في عام 1944م بالقاهرة وفيه دراسة وافية عن حافظ وعصره وعشقه.
يكتب طه حسين مشيدا بعمل تلميذه، ومقدرا لجهده العلمي، فيقول:
«لسنا في حاجة لأن نتحدث عن الصلة بين آداب العرب وإيران فقد ظهر في حياتنا الأدبية خلال فترة أقل من ربع قرن رجال علماء، أولوا هذه الصلة عناية خاصة، وقدموا في مجال الآداب العربية الحديثة آثارا إيرانية جميلة، وسلكوا طريق أدباء المسلمين في القرون الأولى».
وهذا الدكتور محمد كامل حسين، أول أستاذ يترأس كرسي أدب مصر الإسلامية بكلية الآداب جامعة القاهرة، ويتخصص في تراث الفاطميين، يكتب إهداء لافتا للعميد في صدر كتابه «سيرة المؤيد في الدين داعي الدعاة»:
«إلى أستاذي الأجل حضرة صاحب العزة.. الدكتور طه حسين بك:
لقد جليتم حقيقة أبي العلاء فكانت كتابتكم خير ما أخرج للناس عنه، فهل تأذن لتلميذك أن يرفع إليك سيرة المؤيد داعي الدعاة مناظر أبي العلاء ، إجلالا لشخصك واعترافا بفضلك.. محمد كامل حسين».
ومحمد كامل حسين هذا غير محمد كامل حسين الطبيب الشهير وعضو مجمع اللغة العربية (وهذه قصة طويلة تحتاج إلى مناسبة أخرى للحديث عنها)، وهو أحد تلاميذ طه حسين الأبرار الذين تتلمذوا على يديه، ونال درجتي الماجستير والدكتوراه تحت إشرافه، وهما اللذان نشرا بعد ذلك في كتابين من أهم الكتب في مكتبة الدراسات الفاطمية.
وعن الذين تتلمذوا على يد العميد من خارج مصر، وما أكثرهم، يكفي فقط للإشارة ذكر اسم المرحوم ناصر الدين الأسد الذي نال درجة الدكتوراه عن رسالته «مصادر الشعر الجاهلي وقيمتها التاريخية»، وهي الرسالة التي أوصى طه حسين بنفسه بطبعها ونشرها في دار المعارف، بالرغم من أن ناصر الدين الأسد قد عارضه فيها حول رأيه في قضية انتحال الشعر الجاهلي وأثبت بعد دراسة تاريخية قيمة تهافت هذه الدعوى وقوضها من أساسها. ولا يفوتني أيضا ذكر المرحوم العلامة الموسوعي إحسان عباس، فهو من تلاميذ العميد أيضا والذين تخرجوا في أكاديميته وخرجوا من عباءته، كان واحدا من النقاد النادرين الذين يندر أن يوجدوا في ثقافتنا العربية إلا على سبيل الاستثناء، وكان ما يميز إحسان عباس ولعله أهم ما تلقاه على يد طه حسين الأستاذ والناقد هو جمعه بين الخبرة التراثية بعلوم العرب القديمة والوعي المعاصر بتيارات الأدب والنقد في العالم الأوروبي والأميركي، وهو الأمر الذي جعله يجمع ما بين أصالة المعرفة ومعاصرة المعالجة والاختيار، إضافة إلى درجة عالية من الرهافة في معالجة النصوص الإبداعية وتناولها.
رحم الله العميد طه حسين، ورحم تلاميذه، وعوضنا عنهم!.

جرأة الموقف
ولست أزعم أني من العلماء. ولست أتمدح بأني أحب أن أتعرض للأذى. وربما كان الحق أني أحب الحياة الهادئة المطمئنة وأريد أن أتذوق لذات العيش في دعة ورضا. ولكني مع ذلك أحب أن أفكر، وأحب أن أبحث، وأحب أن أعلن إلى الناس ما انتهي إليه بعد البحث والتفكير، ولا أكره أن آخذ نصيبي من رضا الناس عني أو سخطهم علي حين أعلن إليهم ما يحبون أو ما يكرهون. وإذن فلأعتمد على الله، ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به في صراحة وأمانة وصدق، ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة وشيء من الاحتياط كثير.

طه حسين
كتاب الشعر الجاهلي
(ص 6)

مأخذ
يجب أن يتعود الباحث درس تاريخ الأمم القديمة التي قدر لها أن تقوم بشيء من جلائل الأعمال، وما اعترض حياتها من الصعاب والمحن وألوان الخطوب والصروف، ليفهم تاريخ الأمة العربية على وجهه ويرد كل شيء فيه إلى أصله.
وإذا كان هناك شيء يؤخذ به الذين كتبوا تاريخ العرب وآدابهم فلم يوفقوا إلى الحق فيه، فهو أنهم لم يلموا إلماماً كافياً بتاريخ هذه الأمم القديمة، أو لم يخطر لهم أن يقارنوا بين الأمة العربية والأمم التي خلت من قبلها، وإنما نظروا إلى هذه الأمة العربية كأنها أمة فذة لم تعرف أحدا ولم يعرفها أحد، لم تشبه أحدا ولم يشبهها أحد، لم تؤثر في أحد ولم يؤثر فيها أحد، قبل قيام الحضارة العربية وانبساط سلطانها على العالم القديم.

طه حسين
كتاب الشعر الجاهلي
(ص 25)