صحيفة الاتحاد

ثقافة

هل يمكن اعتبار الإمارات النموذج الأمثل؟

المشاركون في الندوة (من المصدر)

المشاركون في الندوة (من المصدر)

عصام أبو القاسم (الشارقة)

أشارت مداخلات عدة في ندوة نظمت مساء أمس الأول تحت عنوان «البعد التنموي للحراك الثقافي» واستضافتها قاعة «ملتقى الأدب» في إطار الفعاليات الثقافية المصاحبة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب، إلى دولة الإمارات العربية المتحدة كنموذج عربي مثالي في التدليل على الأثر التنموي والنهضوي الذي يمكن أن يتحقق في المجتمعات حين تتقدم في اهتمامها بالنشاط الثقافي.
وقال الباحث والكاتب الإماراتي ماجد بوشليبي: «إن الموقع الجغرافي المميز لدولة الإمارات جعل منها نقطة انتقال وتداخل بين ثقافات الشرق والغرب، ومع مرور الوقت، وبفضل سياسات الدولة التي لم تقصر اهتمامها على تعزيز البنى المدنية الحديثة، بل مضت أيضاً إلى توسيع قاعدة الفعل الثقافي، بخاصة بعد إطلاق صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة لعبارته الشهيرة، بدايات ثمانينات القرن الماضي «كفانا من ثورة الكونكريت ولنتحول إلى بناء الإنسان».
في مستهل المحاضرة، كان الناقد المغربي محمد برادة، قال إنه يجد الموضوع المقترح يحتاج إلى نوع من إعادة التحديد، معرباً عن تحفظه على فكرة التسليم بوجود حراك ثقافي في المنطقة العربية. وقال إن الدول المنتسبة إلى الثقافة العربية تشترك في استعمال لغة واحدة كما أن بينها العديد من المشتركات الأخرى على أن ما تمثله الثقافة في هذه المجتمعات العربية هو أقلّ بكثير من الطموح.
وتطرق الناقد المغربي إلى مفهوم مصطلح الثقافة ومضى منادياً بنوع من «دمقرطة الثقافة»، وقال: إن على الدول العربية أن تعمد إلى إرساء ممارسة ثقافية تشمل جميع أطياف المجتمع وتغطي مجتمعاتها المحلية وبذات القدر تفتح بابها على نهر المثاقفة وتنتبه إلى الثقافات الأخرى المجاورة.
وعاد برادة إلى عهد الدولة العباسية وقال إنها أحرزت وجوداً حضارياً موحداً، مشيراً إلى أن الحراك الثقافي حينذاك أخذ طابعاً حيوياً، منوهاً إلى مسائل عدة طرحها ذلك العصر الثقافي العباسي تلخصها «فلسفة المتكلمين»، وذلك على الرغم من أن النظام يومئذ لم يكن يمارس ديمقراطية حقيقية، إلا أن الحراك الثقافي كان منظوراً وكانت أشكال التعبير الأدبي والفني تتعايش وتنتشر حتى لو كانت شعبية مثل «ألف ليلة وليلة». وقال المتكلم: إن مسألة التفاعل الثقافي لم تكن مطروحة في تلك الأيام، ولكن، ومع مرور الوقت، أخذت المثاقفة طابعاً تلفيقياً على وقع سؤال «الأصالة والمعاصرة» وخصوصاً بعد نيل البلدان العربية استقلالها ستينيات القرن الماضي، حيث فقدت الثقافة العربية بوصلتها لأنها أرادت الجمع بين «الأصالة والمعاصرة».
وفي إجابته على سؤال حول الظرف الحداثي الذي يميز وقتنا الراهن، والذي جعل من البلدان العربية جزءاً من العالم، بفضل ثورة وسائل الاتصال والتكنولوجيا، قال برادة: إن «الحداثة التي نعيشها هي حداثة عرجاء»، مشيراً إلى أنه لا يميل إلى استخدام هذه التسمية، لافتاً إلى أن حداثة الغرب، ثقافيا واجتماعياً، تحققت في موازاة حراك اقتصادي وصناعي لم تتوافر الشروط للبلدان العربية لكي تحققه.
وذكر برادة أن مشروع «القومية العربية» فرض من فوق وكان منقطع الصلة بما يحصل في الواقع، وهو أشار إلى أن الثورات العربية التي حصلت أخيراً نبهت إلى ضرورة الإصغاء إلى الثقافات الأخرى، وقال: إن ما حققته بعض البلدان العربية من نماء ثقافي محصور على النطاق القطري لا يعفي من السؤال عن إنماء ثقافي يشمل جميع الدول العربية.
وانطلاقاً من تجربته الشخصية، تحدث ماجد بوشليبي عن الانتقالة التي حصلت سبعينات القرن الماضي في مجتمع الإمارات، مشيراً إلى أنهم استشعروا أهمية أن يصحب النهوض الاقتصادي والصناعي الذي تحقق بفضل عوائد النفط، بنشاط ثقافي مماثل، وقال: إن «مصطلح التنمية يخص الاقتصاد، وبعضهم لا يقبل المزج بين الثقافي والاقتصادي ولكن الحراك الاقتصادي الذي شهده العالم مؤخراً أثر على التخطيط الثقافي». وتابع لافتاً إلى ظهور مصطلحات مثل «الاقتصاد الإبداعي» و»المدن الحر الثقافية» للتدليل على حضور الشواغل الاقتصادية في التخطيط الثقافي.
واستعاد بوشليبي لحظة تأسيس دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة مطلع ثمانينات القرن الماضي، كتجسيد لعبارة صاحب السمو حاكم الشارقة المار ذكرها، ثم تطرق إلى أول دورة لمعرض الشارقة للكتاب، مستعرضاً فعالياتها الثقافية التي لم تزد على ندوة واحدة وقارن بينها وبين الدورة الأخيرة من المعرض، ليبرز مسار التطور في التجربة وليؤكد سمة الاستمرارية، المعززة بالإرادة الرسمية. كما ذكر الباحث الإماراتي جملة من الأنشطة الأخرى التي تعمر الفضاء الثقافي في الشارقة، مبيناً إسهامها في إثراء المجال بالأسماء الجديدة والأسئلة والخبرات، كما بالمزيد من الكليات والجامعات والقوانين والشرائع.
وأنهى بوشليبي مداخلته بالإشارة إلى المراتب المتقدمة التي ظلت تحرزها الإمارات في مؤشرات التقييم المتعلقة بالإبداعية والابتكارية.
أما الروائي السوداني حمور زيادة، فتركزت مداخلته على إبراز الإشكالية التي ظل يعانيها بلده، لوقت ليس بالقصير، وهي عدم اعتراف الحكومات المتعاقبة بحالة «التنوع الثقافي»، مشيراً إلى أن العديد من الثقافات المحلية لم يتح لها التعبير عن ذاتها. وتحدث زيادة أيضاً عن حراك ثقافي رسمي تسيد طيلة الوقت فيما لم يتح لمبدعين وأشكال تعبير موازية أن تجد مكانها في المجال.