تقارير

تركة جلبي تطارد العراق

لنتوقف في ما يلي لإلقاء نظرة على سيرة أحمد جلبي، المعارض العراقي الذي أحبه نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني وكبار مسؤولي إدارة بوش، والذي توفي الأسبوع الماضي عن سن تناهز 71 عاماً جراء أزمة قلبية في بغداد. لا شك أن أميركيين كثيرين نسوا هذا الاسم، لكن هذا العراقي الحائز على شهادات من معهد ماساتشوسيتس للتكنولوجيا وجامعة شيكاغو، كان محبوباً من قبل كبار مستشاري الرئيس بوش للسياسة الخارجية، إلا أنه كان محتالًا وقد نجح في مسعاه: إقناع الأميركيين بغزو العراق والإطاحة بصدام حسين.
تشيني والآخرون كانوا يصدقون كل ما يأتي به جلبي- بدون تمحيص- بما في ذلك الادعاءات بأنه سيلقى ترحيباً حاراً لدى عودته إلى العراق، وسيُعين زعيماً جديداً للبلاد، وسينشئ ديمقراطية موالية لأميركا تعترف بإسرائيل. والواقع أن كل من كان يعرف العراق كان يعلم أن كل ذلك غير صحيح. لكن مثل هذه الآراء المخالفة كانت مرفوضة في البيت الأبيض ووزارة الدفاع حينئذ.
لقد قال لهم جلبي بالضبط ما كانوا يرغبون في سماعه. ولا شك أنه من المفيد تأمل خطط جلبي في وقت ما زالت فيه تداعيات الغزو الفاشل للعراق تطارد أميركا والمنطقة، لاسيما أن بعضاً من أشد مؤيديه مثل تشيني وبول وولفويتز مازالوا نشطين سياسياً، بل إن بعضهم يشغلون مناصب مستشارين لمرشحين جمهوريين رئاسيين. وأعتقد أن قصة هذا العراقي ينبغي أن تشكل تحذيراً لكلا الحزبين من مغبة بناء السياسة الخارجية وفق التفكير الرغائبي للمسؤولين، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحرب.
بعد 11 سبتمبر 2001، أقنع جلبي تشيني وفريقَ بوش بقدرته على تزعم المنفيين العراقيين والعودة معهم إلى الوطن، على غرار شارل ديغول عقب تحرر فرنسا، حيث سيُستقبل بترحيب حار من قبل مواطنيه. وقد أخبرني وولفويتز في مقابلة معه في نوفمبر 2002 بأن العراق بعد الحرب سيكون شبيهاً بفرنسا ما بعد الحرب العالمية الثانية، التي عاد إليها ديغول منتصراً من لندن.
وفي أواخر 2002، سألتُ الخبير المشهور في الشرق الأوسط برنارد لويس، الذي كان مقرباً من فريق بوش وكان من أشد المؤيدين لجلبي، حول الطريقة التي ستأتي بها الديمقراطية إلى العراق، فأجاب: «حسناً، أحمد سيتولى هذه الأمور».
كان لويس وآخرون يأملون أن تعود الملكية الهاشمية إلى العراق وأن يقوم الملك حينئذ بتعيين جلبي رئيساً للوزراء. ولا يهم هنا أن الهاشميين من السنة وأن إسقاط صدام كان يعني أن شيعة العراق الذين يشكلون الأغلبية، سيمسكون بزمام السلطة!
مخبرو جلبي ظلوا يزودون فريق بوش بمعلومات خاطئة حول أسلحة الدار الشامل، ومن ذلك الخرافة المشهورة التي تزعم وجود مختبرات متحركة تصنع فيها الأسلحة البيولوجية. وكان كولن باول قد أشار إلى هذه القصة في فبراير 2003 في الأمم المتحدة كمسوِّغ للحرب، رغم أن المعلومات التي أتى بها المنشق لم يتم التحقق من صحتها أبداً. وقد استُعملت هذه القصة كحجة لتبرير قرار الحرب.
وعندما بدأ غزو العراق، نقلت القوات الأميركية جلبي جواً إلى مدينة الناصرية في جنوب البلاد، متوقعةً حشوداً بالآلاف للترحيب به. ولضمان خروج أعداد من العراقيين لاستقباله، قام عملاء وكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي إيه)، بتوزيع حقائب من المال على شيوخ القبائل، مثلما أخبرني بذلك وقتئذ (عبر الهاتف) شيوخ في المنطقة عرض عليهم المال من أجل الحضور. لكن جلبي- الذي لم تطأ قدماهُ العراقَ منذ سن الثالثة عشرة- لم يكن يحظى بأي دعم داخل البلاد. والحشود المرحبة لم يكن لها أي وجود. والأحلام بديغول عراقي لم تكن سوى سراب.
ومع ذلك، أنشأ جلبي مكتباً له في نادٍ رياضي ببغداد، كان وجهة ترتادها النخبة العراقية في الماضي، وظل يتلقى راتباً من البنتاجون يصل إلى 340 ألف دولار في الأسبوع، حتى عام 2004. وكان بمثابة القوة الدافعة وراء سياسة «اجتثاث البعث» التي عمّقت الانقسامات الطائفية في العراق.
وفي الأخير، استاءت إدارة بوش من جلبي في 2004 بسبب اشتباه في التزوير والاحتيال ومخاوف بشأن علاقاته الوثيقة بإيران، لكن داعميه لم يعترفوا أبداً بغباء فعلتهم المتمثلة في خلق أسطورة جلبي كزعيم. وربما يعود ذلك إلى أنهم إذا صوّروه على أنه سيئ، فإن ذلك سيمثل إدانة لهم.

ترودي روبن*
*محللة سياسية أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون نيوز سيرفس»