ثقافة

فاروق شوشة: هل ينتسب الحطب لغير النار؟

شوشة خلال أمسيته الشعرية (من المصدر)

شوشة خلال أمسيته الشعرية (من المصدر)

محمد عبدالسميع (الشارقة)

استضاف معرض الشارقة الدولي للكتاب الـ34، في قاعة الفكر الشاعر العربي الكبير فاروق شوشة، قدمه الشاعر الإعلامي محمد البريكي الذي استهل الأمسية قائلاً: شكراً لراعي الأدب والعلم والمعرفة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، شكراً لأننا نتواصل مع القصيدة هذا المساء، وما أدراكم ما القصيدة:
القصيدة شاخصة تتساءل/‏ وهي تطل على الكون/‏ أي بلاء عظيم!/‏ ترصدني الرعد حتى انطفأت/‏ وأوشكت أذبل ُ .. أوشكت أرحل/‏ رعد يباغتني قلت: خير سيأتي/‏ ودنيا ستمطر ..
وبدأ شوشه قائلاً: اتذكر بيت الشاعر السموأل، الذي يقول:
تعيرنا أنا قليل عديدنا/‏ فقلت لها إن الكرام قليل/‏ وما ضرنا أنا قليل وجارنا/‏ عزيز وجار الأكثرين ذليل.
وأضاف: الشاعر المكتوي باللغة هو فرع من الشعر وليس كل الشعر لأن الشعر حالة وطقس ورؤى وجماليات، وحالة تنتظر القلوب لتنطلق منها المشاعر والأحاسيس، بعضها يظهر في لوحة أو مشهد سينمائي. الشعر هو الكون عندما يكون في تمام جماله واكتماله. أما الشعر المسطر المحبوس في الكلمات هو جانب من الشعر الذي ألفناه وعهدناه، والشعر الذي عرفناه هو كل اعتزاز لجمال تمتلئ به الحياه. وتابع قائلاً: أبدأ بما كان يقال قديماً من الشعراء عندما يدخلون مجالس الخلفاء والملوك، فيقال لهم انتسبوا، أي من أي قوم أنتم، وكلما كان حظ الشاعر مرتبط بقبيلة لها اسمها القوي كانت الحفاوة من نصيبه. في عصرنا الحديث أصبح هناك اتجاه لمعرفة الشاعر؛ فأقول:
قيل انتسبوا/‏ قلنا ننتسب إلى الماء/‏ الشمس/‏ الريح/‏ البركان/‏ هل ينتسب الحطب لغير النار/‏ وهل ينتسب الخطبُ لغير النار/‏ وهل تنتسب الأرض لغير لصوص الأرض/‏ وتنتسب الجرذان لغير خزائن بيت المال.
ثم قرأ شوشة عدة قصائد متنوعة ما بين الوطنية والرومانسية والقومية بصوته المميز وقدرته الفائقة على تصوير المتخيل والشاخص، عبر لغة وموسيقى وإيقاع يتسق مع كل حرف وكلمة في التغني باللغة العربية الفصحى.
ففي قصيدة «يقول الدم العربي» التي كتبها منذ حوالي 30 عاماً بعد أن رأى في كل اتجاه من حولنا دم عربي يسيل بلا ثمن، معلناً ومتنبئاً بما سيشهده العالم العربي الآن، تقول:
أخيراً/‏ يقول الدم العربي/‏ تساويت والماء/‏ أصبحت لا طعم/‏ لا لون/‏ لا رائحة/‏ أخيراً/‏ يقول الدم العربي/‏ أسيل/‏ فلا يتداعى ورائي النخيل/‏ ولا ينبت الشجر المستحيل.
وقرأ قصيدة «الشهداء» التي كتبها متأثراً بعد أن رأى بالصحف صورة الشهيد تحمل اسمه بعد الرحيل، وكان له ابنتان صغيرتان وله صورة معهما قبل الرحيل.. فتصور نفسه مكانه فهو أيضاً لديه ابنتان كانتا صغيرتين؛ تقول:
في صدره قذيفه/‏ تحيل صدره جهنما/‏ وموعدٌ يشدّه/‏ وقسم قد أقسما/‏ وربوة خضراء/‏ يسكن الخلود عندها/‏ تشير للذي يريد أن يذوق كرمها/‏ ذق مرة أو مرتين/‏ من قبل أن تغيبَ في الصدى/‏ وتحرما/‏ لكنه تقدما/‏ وأغمض العينين حين صوب اليدين/‏ ولم يمت مستسلما.
ويتابع شوشة قراءته مبيناً أن الحياة الشعرية فوضى ونحن محتاجون إلى تعريف للشعر، لأن هناك من يرتكبوا جرائم على الورق ويباهون بأنه شعر، وهناك من يتقدمون للمؤسسات بقصائدهم معتقدين أنه شعر وما هو بشعر، هذه مناجاة لمولاي الشعر، تقول:
مولاي الشعر/‏ اغفر لي أني قد جئت بلا استئذان/‏ ووقفت ببابك/‏ أدخلُ، أم لا أدخل؟/‏ يملؤني شجن الوقت/‏ ويوقفني لغو الحجاب/‏ وعربدة الأعوان..
ويتابع شوشه قائلاً: حينما تضيع الأوطان يقنع بعض الناس بصورة لها أو رسمة، وهذه القصيدة «اللوحة الغائبة» تتحدث عن لوحة غائبة يرسمها البعض لوطن ضاع؛ تقول:
نستطيع إذا غابت الأرض/‏ أن نتخيل خارطة/‏ وحدودا/‏ ونملأ هذي الحدود نقاطا/‏ لتصبح هذي النقاط دوائر/‏ يطلع من بينها وطن/‏ ووجوه يعششن فيها الغياب/‏ سنسكن ملء ملامحها/‏ نتنقل عبر تضاريسها/‏ ونحاول أن نستعيد الذي ما يزال بعيدا..
ويختتم الشاعر شوشة قرأته بقصيدة «للعبير اختناق» وهي من وحي المهرجان الشعرى الذي عقد في بغداد خلال شهر مارس 1985م، بمناسبة الاحتفالات بأعياد المرأة العراقية وعيد المرأة العالمي، وشارك في هذا المهرجان ممثلا لشعراء مصر. ووصل إلى بغداد قبل المهرجان بوقت، ليكتشف أنه وصل قبل الشعراء المشاركين، وأنه الرجل الوحيد في فندق به أربعمئة امرأة يمثلن نساء العالم، فأنشد قائلاً:
أخرستني العيون والأحداق/‏ فكلامي الشرود والإطراق/‏ الخطى لهفة وبعض انعطاف/‏ النفس وجد ولهفة واشتياق/‏ وجناحان من حنين يرفان/‏ فهذا المدى ضحى وانعتاق/‏ والهوى مركبي لدار حماها/‏ وحماها النجوم والأشواق/‏ قيدتني سبيكة العطر فارتعت/‏ وللعطر سطوة ووثاق/‏ واحتوتني مفاتن السحر لحظ/‏ بابلي وكرمة وعناق..