الإمارات

بدرية البشر: الرواية السعودية تعيش فترة ازدهار



حوار - موزة مطر:

الأديبة والأكاديمية السعودية بدرية البشر صوت جريء غير مهادن، وهي إحدى النساء المخلصات لنداء الحرية·· يتجلى ذلك في مقالاتها في صحيفتي الرياض والشرق الأوسط وفي مجموعاتها القصصية وروايتها الأولى ''هند والعسكر''، ''الاتحاد'' التقت بها في دبي، حيث تسكن بعد أن قررت مع عائلتها تجربة الحياة فيها وتحدثت عن الحكاية الشعبية وأثرها في أعمالها، عن سطوة المجتمع الذكوري وإصرارها بالمقابل لتقديم شهادة تليق بالمرأة وعطائها وحقها في أن تعيش بلا وهم التكفير عن ذنب ما فتىء يلاحقها·· عن حنان والدها وزوجها الذي (ناصر) كيانها كإنسان له مطلق حرية التعبير والبحث، حيث الحنو الجليل للرجال عندما يقررون المواجهة القاسية مع السائد·· عن الرواية السعودية واحتلالها موقعاً متقدماً بين مثيلاتها، عن الأديبات اللاتي تجاوزن المحظورات بشفافية وجرأة·· عن انتقال الأسرة إلى دبي·· وكانت الحكاية التالية:
؟ أنت الآن تعيشين في الإمارات عموماً ودبي تحديداً·· فهل تحدثينا عن هذه التجربة؟·
؟؟ انتقلت منذ شهر مع عائلتي (زوجي وأبنائي الثلاثة) لدبي، أحببنا أن نجرب حياة أخرى·· مزيج من حيوات متعددة·· ثقافية، واجتماعية، وتعليمية، وعموماً أعتبر دبي جزءاً ممتداً من وطني ولكن بثقافة أكثر تسامحاً، بها طقس يقبل التعددية برحابة صدر وانفتاح خاصة تجاه النساء·
والواقع أن النساء في السعودية محكومات بعقلية مشغولة بشكليات تعود إلى قرون وتربيتهن سواء في المنازل أو المدارس أو ما يوجه من رسائل إعلامية قائمة على هيمنة الذهنية الذكورية·· معظمهن - على سبيل المثال - غير متحمسات لسياقة السيارات، وذلك بسبب إخلاصهن لفلسفة تم تشربها أثناء التربية (إلا من رحم ربي) وأقصد تلك النسوة اللاتي نهلن من روافد أخرى كوجودهن في بيئة منفتحة أتاحت سبل الثقافة والقراءة والسفر·· أو نساء ذوات ذكاء ووعي متقدمين ولذلك فالنماذج النسائية الناجحة ليست صنيعة المؤسسة التقليدية وأن تم استثمارهن إعلامياً للترويج عما وصلت إليه المرأة من تقدم·
ولكن في عهد الإصلاح برزت مجموعة من المسؤولين التي تبنت أفكاراً جميلة واحد من هؤلاء هو (أياد مدني) وزير الإعلام والثقافة، رفع سقف الإعلام إلى آماد واسعة كان أبرز همومه، كما سمح باجازة الكثير من الكتب التي يصعق المرء لدى قراءة عناوينها في المكتبات·
حكايات القهوة
؟من دلك على الكتابة؟
؟؟ نحن جيل تربى على الحكاية نهلناها من أمهاتنا وجداتنا·· تعلقت بقصص جدتي فهي بحكم التراتبية أقل قسوة وصرامة من الأم·· ورغم ذلك فحكاياتها تحمل العقاب دائماً، عقاباً موجهاً للنساء·( وهنا تتذكر بدرية البشر مقطع من كتابها هند والعسكر ): ''معظم حكايات هذا البيت نسجت في جلسات القهوة يتخلص شاربوها من قيود الوعي العام الصارم، بعد الفنجان الثالث ينهمر سرد الحكاية مرة تلو مرة لكنها ليست الحكاية ذاتها، ولكن هند عرفت في المدرسة قصصاً أحلى من قصص نساء بيتها كحكاية ''سندريلا'' و''ليلى ذات الرداء الأحمر''·· عالم لا تصرخ فيه الأمهات ولا تضرب فيه البنات وتهددهن امهاتهن بالقتل إن لعبن مع الأولاد''·
وتكمل بدرية حديثها حول القراءة قائلة: القراءة هي من ساعدني على طرح أسئلة لم يكن عمري الزمني يسمح بالاجابة عليها، وبدأت أفتش عن أجوبة لها أنها قادتني إلى سماوات التخيل، واعتقد أن هذا الوصف ينطبق على أغلبية زميلاتي فالبنات القادمات من الطبقة المتوسطة من عوائل لم يتعلم فيها الآباء كان حضور الكتاب غير منظم فيها، كنا نحب الكتب ونقرأ ما نعثر عليه من قصص وروايات في مكتبة المدرسة ولكن كان هناك قانون يحرم احضار الكتب غير المدرسية إلى المدرسة·· كنا نتبادلها بشكل سري أرأيت هذا التناقض الأشبه بالعبث الايدلوجي؟
وإلى جانب القراءة كان هناك (القلق المعرفي) ذلك العارض الذي يصيب بشرارته بعضنا، أنه يبدأ كنوع من الفضول·· ولعلي كنت أحاول الحصول على شهادة بأنني امرأة عاقلة متميزة مجتهدة، وليس من العدل أبداً أن أقابل بمثل هذا التميز الصارخ·· بهذا الحصار الخانق·
حنان الرجال
؟ ماذا عن الرجل في حياتك؟
؟؟ جزء من نموي الشخصي واتزاني له علاقة بوالدي·· لقد كان أباً حانياً تماما كما عثمان والد بطلتي هند: '' لم ير أبي في لعبي مع الأولاد سوى لعب أطفال، لكن أمي شدت شعري حتى استقر في يدها بعضه، قالت لي بعد أن زرعت خمس بقع زرقاء في فخذي إن رأيتك مرة أخرى مع الأولاد سأقتلك''·
الحنان الأبوي تواصل دفقه مع زوجها الممثل السعودي (ناصر القصبي) أحد بطلي المسلسل الشهير (طاش ما طاش)''·
وتقول: ناصر شخص متسامح لأبعد الحدود انه يؤمن بحقي في الحصول على كل الامتيازات كامرأة، انه يدافع عني كإنسان، ومجموعتي القصصية الأولى '' نهاية اللعبة'' كانت مهداة اليه بهذه الجملة: ''كلما تجف محبرتي يهب الغيم من قلبه فيمطر سمائي بالكلمات''·
؟ في روايتك هند والعسكر تبدو الأم قاسية وجبارة، حيث تكتبين: تهشم جدار صدري وماء مالح بلل وجهي داهمني البكاء، وجدت كيس الارز القريب من الباب واقفاً باعتدال بطول نصف قامتي تقريباً وضعت وجهي عليه حضنته بيدي وبكيت منذ ذلك اليوم كلما مد العملاق يده وقبض على صدري هرعت لكيس الارز كلما رآني فتح لي ذراعيه مثل حضن أم حنون!''؟
؟؟ بدت الأم كأن قلبها قُدّ من حجر في الرواية لافتقادها للحب وحرمانها من عاطفته البهية·· انها إحدى العساكر المحيطين بالبطلة هند كالزوج والمجتمع والمؤسسة الدينية·
؟ هل جاءت روايتك في وقتها المناسب؟
؟؟ تناولت في مجموعتي القصصية ''نهاية اللعبة'' و ''مساء الاربعاء'' مفهوم المرأة العاشقة وبيئة الحب الممنوع، دارت أغلب القصص فيهما حول العلاقة بين المرأة والرجل ولكن المجموعة الثالثة وهي ''حبة الهال'' شكلت انعطافة مهمة، فقد اشتغلت فيها على الجو الحكائي الشعبي القديم والأساطير التي تحيط به وأظن أنه لا يمكن تحقيق تغيير مهم في حياة النساء في بلادي دون الرجوع إلى التراث، فمن خلاله نفهم أسباب الحصار والنبذ والمرجعية الفكرية الشعبية التي انتجت هذا الواقع والذي يمكن استيعابه بالعودة إلى جيل الأمهات والجدات والاقتراب من حكاياتهن وبعد اثني عشر عاماً من كتابة القصص لا يعود مفاجئاً انتقال الكاتب إلى الرواية·· فمخيلته تتسع ويغدو بحاجة إلى أفق أعلى والسؤال الواجب طرحه لماذا لا أكتب رواية؟
التطور الدرامي يحتم الدخول إلى عوالم الرواية ولكن مشكلة الرواية في المجتمع العربي هو الاهتمام بالتفاصيل الشخصية للكاتب وكأن كل رواية هي عمل شخصي أو سيرة ذاتية الروائي يستغل الكثير من تجاربه في صناعة المشاهد ولكن لو كان كل ما يكتبه سيرة شخصية لانتهت لديه مبررات الكتابة وتوقفت·
؟ برز في السعودبة مؤخرا عدد من الروائيات، ماذا تقولين عنهن؟
؟؟ نعم هناك أسماء مهمة كنوره الغامدي في روايتها (باتجاه البوصلة) وليلى الجهني في (الفردوس اليباب) وأميمة خميس في (بحريات) ووردة عبدالملك في (الأوبة) وبالمقابل هناك أسماء اختفت، فالمجتمع لا يحبذ أن تعلن المرأة انكسارها وأفكارها ولاسيما تلك التي لا تتطابق معه!هؤلاء الاديبات وغيرهن قررن التعبير عما يختلج فى دواخلهن بجرأة،
الواقع أن الرواية السعودية في ازدهار ونجوم كاتباتها تشع أنواراً!