الاقتصادي

نظام لـ حقن الكمبيوتر بمهارات الإدراك البشري



إعداد - عدنان عضيمة:

في عصر تكنولوجيا المعلومات الذي نعيشه الآن، قد يكون من المهم جداً بالنسبة لأي مؤسسة خدمية أو إنتاجية أن تكون مفتوحة على البيانات التي أصبحت تتدفق إليها من دون انقطاع، إلا أن الأهم من ذلك أن تعرف كيف تستفيد من هذه البيانات لحل مشاكلها وتحقيق أهدافها· وفي هذا الشأن، كتب مايك لينش خبير تكنولوجيا المعلومات في صحيفة ''فاينانشيال تايمز'' تقريراً تحليلياً أشار فيه إلى أن حجم الركام الهائل من المعلومات الذي يتدفق عبر الإنترنت والبريد الإلكتروني والموبايل يتضاعف كل عام، فهل ثمّة من فوائد ينطوي عليها ما لم يتمكن البشر من فهمها وأرشفتها ووضعها تحت اليد؟ وكيف يمكن لمؤسسة كبيرة أن تعالج ألوف الرسائل الإلكترونية ومئات التقارير التي تتدفق كل يوم من الموظفين والشركاء والزبائن؟·
يقول التقرير إن المشكلة الكبرى تكمن في الفروق الوظيفية الإدراكية المهمة بين الإنسان والكمبيوتر؛ فدماغ الإنسان يمكنه أن يقيم علاقة الترابط بين المعلومات التي تتدفق إليه ليستنتج منه فحوى الموضوع ويقف من خلالها على حقائق الأمور؛ أما الكمبيوتر فإنه مجرد آلة رائعة لاستحضار ومعالجة المعلومات من دون أن يفهم منها شيئاً· وحتى يكون الأمر أكثر وضوحاً، يضرب الخبراء مثالاً عن برنامج تطبيقي حاسوبي متخصص بإطلاق الألوف من أحدث النكات، وعلى نحو متتابع، إلا أنه لا يجد بحد ذاته أي سبب أو مبرر للضحك على الإطلاق·
ويكون من العسير جداً إزالة هذه الفوارق الإدراكية بين الدماغ البشري والكمبيوتر لأن ذلك يتطلب (حقن) الكمبيوتر بالقدرات الذهنية الكافية حتى يتمكن من الإحاطة بمغزى ومدلولات البيانات التي يعالجها· وإذا ما نجح الخبراء في ابتكار نظام ذكي لفرز البيانات بحسب أهميتها وأنواعها، فإن ذلك سيعني بداية حلول الموجة الثانية من الحوسبة الآلية التي ستعطي لكل مفردة واحدة من المفردات البيانية معانيها ومدلولاتها·
ويتحدث مايك لينش في تقريره عن نظام اختباري جديد يتم تطويره الآن في مراكز البحث يدعى (الحوسبة المبنية على فهم المعاني) meaning-based computing، ويصفه بأنه سوف يسمح للموظفين بفهم فحوى البيانات والمعلومات التي تتدفق عبر البريد الإلكتروني أو تلك التي تصنف ضمن مستندات (وورد)، كما يمكنه أن يفهم ما يدور عبر المكالمات الهاتفية عن طريق الموبايل ويلخّص فحواها ويرسل مضمونها إلى الأرشيف الخاص بخزنها ومراجعتها من أجل استحضارها عند الضرورة·
واستناداً إلى إحصائيات وتقديرات تم التوصل إليها مؤخراً عبر بحوث متخصصة أنجزها مركز (ديلوات)، فإن أكثر من عشرين مليار جيجابايت من البيانات والمعلومات الرقمية الجديدة سوف تخلق من جديد هذا العام لتضاف إلى الركام المعرفي الهائل المخزون في شبكة الإنترنت· وسوف يترتب على هذه الزيادة الهائلة في الرصيد المعرفي البشري نتائج كبيرة الأثر في مجال التطبيقات التجارية والاقتصادية حيث سيكون في وسع الباحثين عن شراء السلع والمنتجات أن يلفّوا حوانيت ومعارض البيع في العالم أجمع وهم جالسون على مقاعدهم· وعلى الرغم من كل ما سبق أن تحقق من تطور مشهود في أساليب وطرائق التجارة الإلكترونية، إلا أن العام الجاري سوف يشهد من التطور في هذا المجال ما يجعل من الطرق التقليدية القديمة في عرض السلع مجرد عبث لا طائل من ورائه· وسيكون في وسع المنتجين أينما كانوا اختراق أسواق ما كانوا يحلمون بالوصول إليها من قبل على الإطلاق من خلال محركات بحث متطورة يمكنها تقديم كل ما يبحث عنه المنتجون من معلومات تتعلق بطرق الاتصال بالمستهلكين· إلا أن كل هذا سيكون رهيناً بالقدرة الذاتية على الوصول إلى المعلومات المخبأة في مكان ما من غابة الإنترنت المضللة التي تكثر فيها الكهوف والمتاهات المدوّخة· وما لم تتوافر القدرة على (الغربلة السريعة) لهذا الركام الهائل من المعلومات، فسوف تبقى الحقيقة التي يبحث عنها الناس مختبئة في مكان ما، وسوف يبقى الوصول إليها مستحيلاً·
وحتى لو توافرت القدرة المحدودة في العثور على المعلومات، فقد لا تمثل الحلّ المناسب، لأنها ستؤدي إلى زيادة تكاليف التشغيل وتقليص القدرة على المنافسة· وهذا يعني بكل وضوح أن الشركة التي تتمكن من (القبض) على حزمة المعلومات التي تبحث عنها وفي الوقت المناسب، ستكون الأكثر قدرة على المنافسة في الأسواق والفوز بالزبائن· وتكمن المشكلة هنا في أن الحجم المتدفق من المعلومات يكون هائلاً للحدّ الذي يجعل التقنيات الرقمية الحالية عاجزة عن الاستجابة للطلبات الفورية للمستخدمين·
ولا شك في أننا سنشهد قريباً حلولاً متدرّجة لهذه المشاكل إلا أنها ذات طابع ثوري· وخبراء الحلول الرقمية التابعين للشركات المتخصصة بتكنولوجيا المعلومات، يحققون الآن اكتشافات متلاحقة في هذه المجالات· وسوف لن تتركز البحوث هذه المرة على هندسة المعالجات المصغّرة مثلما كانت من قبل، بل على ابتداع أساليب معالجة و(فلترة) المعلومات وتطوير أساليب الاستفادة منها·
----------------