صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

قفزة أسواق العقارات تتحدى قانون الجاذبية الأرضية


إعداد ـ محمد عبدالرحيم ـ هدية سالم:

على عكس التوقعات المتواترة التي تشير إلى إمكانية أن تنفجر فقاعة العقارات العالمية في وقت قريب فإن جميع المؤشرات تدل على أن أسواق العقارات في كبريات المدن العالمية لم تشهد سخونة أكثر مما هي عليه الآن، فالطلب على خدمات إدارة الاستثمارات بشكل عام من المتوقع أن يشهد صعوداً مستمرا في ظل بحث المستثمرين عن أفضل السبل وأكثرها فعالية لتمويل وتأمين فترة تقاعدهم المقبلة بل إن المزيد من هذه الاستثمارات أصبحت تتدفق من الزبائن الجدد المسلحين بفائض من الأموال في الأسواق الناشئة التي لا تكف عن التقدم والنمو المتسارع الوتيرة مثل الصين والهند·
ويتعين على الشركات العاملة في القطاع أن تتهيأ لمواجهة المنافسة المحتدمة وتنامي الطلب من الزبائن على خلفية من اللوائح والقوانين الحكومية المعقدة والمتباينة في أفضل الأحوال بالإضافة إلى استمرار التقلبات في أسواق المال العالمية·
وعلى الرغم من أن الاستثمارات المباشرة في أسواق العقارات الأميركية والأوروبية يتوقع أن تشهد تدفقات أكبر مما ستشهده معظم الأصول الأخرى في العالم على المدى القصير إلا أن المشهد بأكمله ربما سيتأثر بسلسلة من المخاوف الاقتصادية بما في ذلك من ارتفاع أسعار الفائدة ناهيك عن اثر تنامي حجم الديون
على عاتق جموع المستهلكين·

ظل سيدريك كاناس يعيش حياة رغدة شأنه في ذلك شأن معظم المغتربين من ذوي المداخيل العالية، وهذا المصرفي الأسباني البالغ من العمر 33 عاما أنفق بعضاً من حياته في بوسطن ثم لندن إلا أن نيويورك هي المدينة التي يعرفها أكثر من غيرها إذ جاء إلى مانهاتن أول مرة في عام ،1997 وكان كاناس قد باع شققه ذات الغرفة الواحدة في ساحة باتاري بارك في نهاية عام 2005 عندما تم نقله إلى مدريد قبل أن ينتقل مرة أخرى إلى نيويورك ليشتري مؤخراً شقة من غرفتين في وسط المدينة بقيمة 1,3 مليون دولار، إلا انه في هذه المرة يعتزم الاحتفاظ بعقاره في نيويورك بصرف النظر عن الوجهة المقبلة التي سينتقل إليها، وقال: ''إن نيويورك إحدى المدن الرئيسية الكبرى في عالم المال ولقد درج الأشخاص على القدوم اليها من جميع أنحاء العالم''·
ويمضي خريج إدارة الأعمال في جامعة هارفارد قائلاً: ''من جانبي أعتزم أيضاً العودة إلى نيويورك في نهاية المطاف''· ويعتبر كاناس نموذجا مثاليا للتكنوقراط من ذوي الدخول المرتفعة المنتشرين في جميع انحاء العالم وأصبحوا يرفعون أسعار المنازل إلى عنان السماء في كبريات المدن العالمية، فمن سان فرانسيسكو إلى سياتل ومن موسكو إلى دبي مروراً بشنغهاي أصبحت أسعار العقارات السكنية تشهد ارتفاعا غير مسبوق على الرغم من تناقص أعداد المواطنين المستثمرين في بعض تلك الدول وسط مخاوف من الركود العالمي وانفجار فقاعة العقارات·
ويبدو أن هذا الانتصار الكاسح الذي باتت تحققه المدن الأكثر تألقاً قد أبطل الحكمة التقليدية حيث ظل روبرت شيلر، أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل يتنبأ بأن هذه المدن التي شهدت نشاطاً أكثر من غيرها من المرجح ان تشهد السقوط الأكبر والأسرع من نوعه لكن هذا الصعود النشط في مجال العقارات المحلية والعالمية إنما يعكس نوعية وروح كبار مشتري العقارات الجدد أنفسهم، إذ أن حوالي 50 في المئة منهم من المغتربين وفقاً لأرقام شركة جونز لانج لاسيل العالمية المتخصصة في بحوث العقارات·
استثناء صارخ
وفي الوقت الذي اتاحت فيه العولمة انتقال الأموال وليس بالضرورة حرية انتقال الأشخاص في جميع أنحاء العالم نجد أن كاناس وزملاءه من التكنوقراط يمثلون استثناءً صارخاً حيث درجوا على الاستفادة من تدفقات رؤوس الأموال العالمية الأكثر حصانة من غيرها من المخاوف الإقليمية والتي استمرت توفر لهم النقود والمداخيل العالية، وللعام الثاني على التوالي يساعد كبر حجم المكافآت والعلاوات المقدمة للمصرفيين والمتعاملين على حد سواء على إشعال الطلب على العقارات السكنية في المناطق الجاذبة مثل ساوث كينسينجتون في لندن وفي منطقة ابرويست في نيويورك· وحتى في خارج هذه العواصم المالية الرئيسية نشهد بروز طبقة جديدة من الأغنياء الذين يفضلون شراء الشقق لتأجيرها في مدن مثل باريس وبيونس ايرس، وفي ظل وجود أموال هائلة في جيوب العديد من الأشخاص فإن الطلب على المنازل الفخمة في المدن الأكثر جذباً أصبح ببساطة يتجاوز حجم المعروض وبشكل أدى باستمرار إلى تصاعد الأسعار، وهو أمر حقيقي على وجه الخصوص في المناطق الأكثر نشاطا في هذه المدن حيث يشهد النمو مستوى يفوق ضعف أو ثلاثة أمثال الأرقام الإجمالية للمدينة·
وكما يقول سوفوكسلي رئيس ادارة البحوث في العقارات السكنية في مكتب جونز لانج لاسيل: ''إن أكثر ما يلفت الانتباه أن هؤلاء المشترين لا يتقيدون بمكان واحد في العالم لأن بحوزتهم قائمة للتسوق تضم 100 شارع في جميع أنحاء العالم''·
ولم يعد من المستغرب أن يصبح الطلب مرتفعاً أكثر من غيره على المناطق القريبة للمراكز التجارية في هذه المدن إذ يفضل المستثمرون العيش في الأماكن التي يزاولون فيها أعمالهم، ففي مدينة مثل شنغهاي نجد أن تركيز الخدمات والصناعات المتقدمة مثل البنوك والتأمين قد اطلقت الأسعار الى مستويات أعلى بثلاثة اضعافها عن اسعار العقارات في العاصمة السياسية بكين، وهنالك حالة مشابهة في الهند حيث قفزت اسعار العقارات الرئيسية في العاصمة التجارية مومباي بمعدل 90 في المئة في عام 2006 ليتجاوز ذلك المعدل المدهش الذي حققته نيودلهي في ارتفاع الأسعار بنحو 60 في المئة في نفس الفترة·
وتعكس هذه الأرقام أثر ذوي المداخيل العالية على اسعار العقارات، فقد اصبحت اسواق العقارات الحضرية تمثل مناطق جاذبة للمزيد من اصحاب الأموال بشكل جعل مايكل بلومبيرج عمدة نيويورك يصفها ذات مرة بأنها: ''منتج بالغ الفخامة ينطوي على قيمة هائلة''·
وفي الوقت الذي لا تزال فيه ''قيمة'' شقة من غرفتين بمبلغ 1,5 مليون دولار تثير الجدل وسط العامة من الناس إلا ان العوامل الخاصة بالاقتصاد الكلي التي يمكن ان تؤدي الى اعاقة هذا الازدهار تشير الى استدامة النمو· فعلى الرغم من ان أسعار الفائدة بدأت تزحف باتجاه الصعود في جميع انحاء العالم إلا انها مازالت تحوم حول ادنى مستوياتها التاريخية ما بين 5 و6 في المئة، ومع اقتران هذا مع النمو الاقتصادي في العديد من انحاء العالم فإن هذا الأمر يجعل من غير المرجح ان تشهد أسواق العقارات انهيارا أو ذوبانا مفاجئا في المستقبل القريب، إذ يقول ناريمان بيهرافيتش كبير الاقتصاديين في شركة جلوبال انسايت المعنية بالتنبؤات والاستشارات الاقتصادية في ماساشوسيتس ''في مناخ يتسم بانخفاض التضخم وتدني أسعار الفائدة فإن أسعار المنازل سوف تبقى متسلحة بقوة تاريخية، وطالما ظلت اسعار الفائدة منخفضة لابد أن نشهد انتعاشا يعقبه ازدهار متسارع الوتيرة في أسواق العقارات''·
وعلى غير ما ظل يردد الكثيرون فإن أماكن مثل نيويورك لم تشهد تباطؤاً على الإطلاق، فقد خلص تقرير لاتحاد أصحاب العقارات في الشهر الماضي إلى أن اسعار المساكن في جميع أنحاء الولايات المتحدة تراجعت في المتوسط بمعدل 2,7 في المئة في الربع الأخير من عام ،2006 إلا أن الأسعار في مانهاتن ارتفعت بمعدل وصل الى 14,4 في المئة في يناير من هذا العام وفقاً لأرقام شركة ميلر صمويل المتخصصة في تقييم العقارات·
واستناداً الى بعض التقديرات الأخرى فإن أكثر من نصف كبار المشترين للمباني الفخمة في أميركا من المغتربين المستفيدين من ضعف قيمة الدولار، إذ يقول هاريت نوريس، سمسار العقارات في مكتب دوجلاس ايليمان في مدينة نيويورك: ''لقد أصبح السوق يحلق في حقيقة الأمر منذ اسبوعين قبل حلول موسم الأعياد وأعتقد ان نيويورك ومانهاتن باتت متحصنة ضد أي تراجع أو تباطؤ في المستقبل القريب''·
''عقلية القطيع'' والرؤية المتشائمة
وتتناقض ديناميكية الأسواق المرتفعة باستمرار متحدية حتى قانون ''الجاذبية الأرضية'' خاصة في قطاع العقارات الفخمة في كبريات المدن العالمية مع الرؤية المتشائمة التي أفصح عنها روبرت شيلر، أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل· وكان هذا الاقتصادي قد اكتسب سمعة مدوية قبل عدة سنوات عندما تنبأ بنجاح عن انهيار أسواق الأسهم قبل أن يعود مرة أخرى ليطبق نفس تحليلاتها فيما اعتقد بأنه سوق مفرط في السخونة في المنازل في الولايات المتحدة منحياً باللائمة في ارتفاع الأسعار إلى ما اسماه ''عقلية القطيع'' غير المنطقية، وتمسك شيلر بتنبؤات تشير إلى تراجع بمعدل 40 في المئة في اسعار المساكن الحقيقية في غضون العشرين عاماً المقبلة·
كذلك، حذر شيلر من أن انفجار فقاعة العقارات سيؤدي إلى كساد كبير في الاقتصاد قائلاً: ''هنالك الكثير من الثقة في هذه المدن المتوهجة لكن هذه المدن موجودة منذ مئات السنين وهي تشهد الصعود تارة ثم الانخفاض، ولا اعتقد ان هناك أي سبب يدعو لاستمرار الاتجاه الى الصعود في هذه المرة''، ولكن العديد من المحللين الآخرين لا يتفقون مع هذا الرأي ومنهم بيت ايكيهولتز البروفيسور الهولندي في مجال تمويل العقارات والذي تمكن مؤخرا من رسم خريطة لأسعار المنازل في أرقى ضواحي أمستردام للفترة ما بين 1628 والى ·1973 وخلص ايكيهولتز الى ان اسعار المنازل ظلت تنمو بمعدل متواضع لا يزيد على 0,2 في المئة في كل عام طوال فترة تقارب 350 عاماً، وعلى الرغم من ذلك لا يتوقع ايكيهولتز حدوث أي انهيار في اسعار المساكن في العديد من أكثر المدن سخونة في العالم بما فيها أمستردام وباريس في خلال فترة السنوات الخمس أو العشر المقبلة بسبب استمرار تزايد حركة التموين والتحضر والنمو الهائل في الثروات العالمية ما أدى إلى وجود أعداد متزايدة من الأشخاص الذين يطاردون عدداً محدوداً فقط من العقارات في داخل هذه المدن، ويقول: ''لا أجزم بأن هذا الازدهار سوف يستمر إلى ما لا نهاية إلا أن من المؤكد أن جميع الدلائل الآن تشير باتجاه النمو''·
وهنالك دلائل أخرى على أن كبريات المدن سوف تصبح الأقل عرضة للتأثر بالدورة المعتادة للازدهار الذي يعقبه تباطؤ حيث خلصت دراسة مؤخرا إلى تحديد العديد من المدن الأميركية مثل سان فرانسيسكو ولوس انجلوس وسياتل وبوسطن التي درجت على استقطاب أعداد هائلة من ذوي المداخيل العالية الراغبين في العيش فيها وفي الوقت الذي تضاعف فيه اجمالي أعداد العائلات التي تعيش في المناطق الحضرية الأميركية منذ النصف الثاني من القرن العشرين إلا أن أعداد الأشخاص الذين يزيد دخلهم على 140 ألف دولار سنويا قد تضاعف إلى ثمانية أمثاله، وبالطبع لا يمكن الجزم بأن جميع كبريات المدن في العالم تتمتع بهذا الارتفاع في اسعار المساكن إذ أن هونج كونج على سبيل المثال قد شهدت انهياراً حقيقياً في سوق العقارات السكنية بمعدل بلغ 2,6 في المئة في الربع الثالث من العام الماضي بعد أن ارتفعت بأكثر من 20 في المئة في نفس الفترة من عام ·2005وفي استراليا أيضا، فإن ارتفاع أسعار المساكن في مدينة سيدني مازال أقل من المتوسط القومي، وفي كلتا الحالتين فإن السبب يعود بشكل رئيسي إلى ارتفاع أسعار الفائدة، بيد أن أكبر المخاوف باتت تنصب على إمكانية أن تهوي أسواق العقارات وتجثو فجأة على ركبتيها وبأحجام كبيرة، وبالطبع فإن أي كساد مستدام في الاقتصاد العالمي سوف يتمخض عن سقوط وتراجع هائل في أسعار المساكن مهما كان الموقع أو العنوان جاذباً· وإذا كان للتاريخ دروسه المستفادة فإن المصرفيين في البنوك المركزية يقع عليهم العبء الأكبر في مثل هذا التراجع، ولعلنا نتذكر ما حدث في حقبة التسعينات عندما فشل واضعو السياسات في خفض أسعار الفائدة بالسرعة الكافية لمنع انحدار حاد في الاقتصاد وبذلك تورطت أعداد هائلة من ملاك المنازل في عدم القدرة على الإيفاء بالرهونات وتوقفت البنوك عن تقديم قروض جديدة، وكانت بريطانيا أيضا قد شهدت كارثة مماثلة في نفس تلك الفترة عندما أدى الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة إلى التسبب في انهيار سوق العقارات·
دروس تاريخية
وأشار العديد من الخبراء الى ان المصارف المركزية تعلمت الدرس واصبحت اكثر ذكاء منذ ذلك الوقت، اذ ادركت الكيفية التي يعمل بها الاقتصاد العالمي والعوامل التي يتأثر بها بالاضافة الى معرفة الكثير فيما يتعلق بتجنب اتخاذ مثل هذه القرارات الخاطئة، إلا أن أكبر تهديد يلحق بالازدهار في كبريات المدن الرئيسية يمكن أن يأتي من العولمة نفسها والتي أدت الى هذا الازدهار في المقام الأول·
ففي الوقت الذي بدأت فيه المخاوف تساور الطبقات الوسطى في كل مكان بشأن قلة القدرة على الحركة والتنقل فقد استمرت دعاوى الحمائية والتراجع في عمليات تحرير التجارة الحرة الى تبرعم وازدهار ليس فقط في اوروبا والدول المتقدمة عامة ولكن في مناطق أيضاً مثل الولايات المتحدة الاميركية حيث عمد الديمقراطيون مؤخرا في الكونجرس الى التوقف عن المصادقة على اتفاقيات التجارة الحرة مع كولومبيا وبيرو من اجل كبح جماح تدفق السلع الرخيصة المستوردة· لذا فإن إعادة وضع الحواجز أمام حركة التجارة وأعمال السيطرة والضوابط على العملات سوف يؤدي بلاشك على إبطاء النمو العالمي ويتمخض بالتالي عن انهيار في سوق العقارات السكني، ولقد حدث هذا الأمر في الماضي عندما تم احباط الازدهار الكبير في سوق العقارات الأميركية في عقد العشرينات من القرن الماضي بسبب تبني السياسات الحمائية والتي ساعدت أيضاً على تدشين مرحلة الكساد العظيم في الثلاثينات، وأدى هذا الأمر لاحقاً إلى تهاوي أسعار العقارات حتى في مدن العالم الأخرى·