عربي ودولي

متى تفرض العقوبات الدولية على إسرائيــل ؟!



أحمد خضر :

إلى متى ستنتهي هذه المسرحية العالمية، والتي يسمونها الحصار الظالم، أو العقوبات الجماعية الدولية ضد الشعب الفلسطيني، بحجة أن (حماس) لا تعترف بشروط الرباعية، وهي نبذ العنف، والاعتراف بإسرائيل، والالتزام بالاتفاقات السابقة؟
وكم من الوقت سيمر حتى يتوحد البرنامج السياسي في التعامل مع القضية الفلسطينية، من قبل كافة الأطراف، من أجل أن ينهي الفلسطينيون مسرحيتهم كذلك؟
ورغم اتفاق مكة الذي تم برعاية سعودية بكل ما لها من دور إقليمي ودولي مؤثر، حيث تم حقن الدماء الفلسطينية، والتوصل بين الحركتين الكبيرتين (فتح) و(حماس) إلى صيغة مشتركة من أجل تشكيل حكومة وحدة وطنية، وكذلك تكريس القرار الوطني المستقل نسبياً بعيداً عن التجاذبات والتحالفات، ما زالت إسرائيل تعلن أنه لا يوجد شريك فلسطيني، وما زالت الرباعية الدولية تطالب الفلسطينيين بالمزيد، وهو ما يسيء للرئيس محمود عباس الذي تم تفويضه انطلاقاً من اتفاق مكة بإدارة المفاوضات، إضافة إلى أنه الرئيس الشرعي المنتخب للسلطة الفلسطينية، وهو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية·
مرحلة المفاوضات
هناك مرحلة جديدة في تاريخ القضية الفلسطينية، وهي ما بعد المرحلة الثورية التي فجرتها (فتح) منذ العام ،1965 وجاءت (حماس) في نهاية الثمانينات كي تبدأ صراعاً مفتوحاً، من أجل الوصول إلى كل المغانم في الداخل والخارج من سلطة وطنية، ومنظمة تحرير، والتي يدخل في إطارها الوزارات والسفارات والمحافظات والمجلس الوطني والتشريعي، وما إلى ذلك من عناوين براقة يحاول (الحمساويون) الثوار اغتنامها من لدن حركة (فتح)·
لا بد من الاعتراف أن مرحلة الكفاح المسلح ضد إسرائيل قد انتهت، ومنذ أوسلو وعودة ياسر عرفات ورجالاته إلى الأرض المحتلة، فإن الصراع مع إسرائيل هو على طاولة المفاوضات، والمسألة ليست في التغني بالشعارات الكبيرة التي ليس لها رصيد في الواقع، وإنما في تبني البرامج السياسية الواقعية التي تجبر العالم على التعاطف مع القضية الفلسطينية، وإعلانه أن الفلسطينيين يستحقون دولة خاصة بهم، أما أن تبقى مسألة الفرق بين كلمتي (احترام) و(التزام) تثير جدلاً بيزنطياً في العالم، وشماعة للتحايل من قبل إسرائيل وأخواتها، وحلفائها، على قرارات الشرعية الدولية، فإن هذا يعني أن بعض القيادات الفلسطينية تضع الشعب الفلسطيني وقضيته في مأزق حاد·
التجميد وقالب الثلج
هذا يذكرنا بأحد كوادر (فتح) الذين اعتقلتهم إسرائيل في يوم ما، وحين انتزعت منه اعترافاته بالقوة وتحت التعذيب الجسماني والنفسي، أراد أن يعترف بأقل الخسائر، فذكر أنه كان مع (فتح) في الماضي لكنه جمد نفسه منها، حيث خانته الذاكرة ولم يقل كلمة (ترك) بدل كلمة (تجميد) وحين أراد القاضي العسكري الإسرائيلي أن يصدر قراره ضده ذكر في حيثيات الحكم أن التجميد يشبه قالب الثلج الذي يعود إلى حالة الذوبان إذا ما وجدت الظروف المواتية، بمعنى أن التجميد هنا مؤقت، بسبب ظروف معينة، وطارئة، لكن الوضع الطبيعي أن هذا الشخص الذي يقف أمامه، ويريد محاكمته إرهابياً·
من هنا فإن (حماس) في نظر إسرائيل منظمة إرهابية، وسوف تبقى كذلك حتى تستبدل كلمة (احترام) بكلمة (التزام) وتلبي بقية الشروط الأخرى بالطبع، وحتى لو فعلت ذلك فإن إسرائيل لن تعقد سلاماً مشرفاً مع الشعب الفلسطيني، لأسباب تتعلق بالأرض والسيطرة أولاً، والأمن، والدين، والهبة الإلهية كما يدعون، وهي أن فلسطين ممنوحة لليهود من قبل الرب، وهي وطن الشعب اليهودي من شتى أرجاء الأرض، وغير ذلك من الخزعبلات والأساطير الدينية·
الشعارات غير المقدسة
إن العديد من الاسطوانات الجوفاء التي نسمعها مراراً وتكراراً عبر وسائل الإعلام، وفحواها أن إسرائيل لم تعط الفلسطينيين شيئاً قبل وصول حماس إلى السلطة لم تعد مقدسة، ذلك أن إسرائيل تواصل رقصة الساحرات مع الفلسطينيين والعرب منذ زرع هذا الكيان في قلب العالم العربي، لذا ليس ذنب عرفات أو أبومازن أو حركة (فتح) أن إسرائيل لم تتنازل عن شيء، ومن قال إن إسرائيل القائمة على الاغتصاب والعدوان والسيطرة عندها من الجود والكرم الشيء الكثير؟
ثم أن الأهم من ذلك هو عدم تنازل الوزارات الفلسطينية السابقة لإسرائيل، تمثل ذلك بشكل جلي في كامب ديفيد، والذي أعقبه انتفاضة المسجد الأقصى المجيدة، حيث هب الشعب الفلسطيني هبة رجل واحد يقاوم الاحتلال·
إسرائيل توافق على الدولة المؤقتة التي رسمها أولمرت، وهي دولة الجدار، المقسمة إلى كانتونات، مع بقاء الكتل الاستيطانية الكبيرة تحت السيادة الإسرائيلية، وتواجد إسرائيلي أيضاً على نهر الأردن، والقدس عاصمة موحدة لإسرائيل، وإلغاء حق عودة اللاجئين· أما الفلسطينيون فإنهم لا يقبلون بهذا الطرح الإسرائيلي، وهم يتبنون بالمقابل مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت، ويتسلحون ببرنامج سياسي واقعي، وكلا الجانبين بالطبع الفلسطيني والإسرائيلي يقبل خارطة الطريق لكنه يعتبرها منطلقاً للمفاوضات، ويفسرها من زاويته الخاصة، فيما إسرائيل تضع عليها 14 تحفظاً كما هو معروف·
البداية الفلسطينية الصحيحة
لذا لا بد من أن يبدأ الفلسطينيون في إطار حكومتهم المرتقبة بداية صحيحة، ويتجاوزوا بعض النقاشات العقيمة التي أكل الدهر عليها وشرب، خاصة أن الحركة الوطنية الفلسطينية كبرت واستقوى عودها، حيث إن (فتح) التي انطلقت في العام 1965 تعتبر أقدم حركة وطنية في العالم، وهناك أكثر من 250 ألف شهيد وجريج سقطوا عبر هذه المسيرة الطويلة، بمعنى وجود خبرات سياسية ووطنية هائلة لدى الحركة الفلسطينية، بكافة ألوان الطيف السياسي، وليس عيباً أن يستفيد الفصيل الأحدث من الذي سبقه في مجال الخبرة والتجربة وطريق النضال الطويل الشاق، وليس الافتراء عليه، والانقلاب على منجزاته، وتصويره على أنه سائر في طريق التسوية والتنازلات، فيما هو من يحمل الراية، ويكمل المشوار·
وفي الأدب الثوري يقولون: (الثورة يبدأ بها مغامر، ويستمر بها ثائر، ويقطف ثمارها جبان)، وفي الحالة الفلسطينية لا بد من الاعتراف أن الجميع يدفع الثمن، ويكتوي بنار الاحتلال، لذا لا بد من إسقاط جميع الحجج الشكلية التي يتذرع بها الاحتلال، ويقنع بها العالم، من طراز (احترام) و(التزام) و(هدنة طويلة) و(اعتراف) والكف عن الاستعجال في السيطرة والسيادة على السلطة الوطنية ومؤسسات منظمة التحرير، بل مناقشة قضايا معمقة أكثر وأولها الهجرة الفلسطينية الجديدة من الضفة الغربية وغزة إلى الخارج، واستيلاء إسرائيل على الأراضي، وتهويد القدس وغير ذلك، أما بقية القضايا الداخلية مصدر الخلاف فلا بد من حلها على نار هادئة، خشية الابتعاد عن الصراع الأساسي مع الكيان الإسرائيلي، وتوتير الشارع الفلسطيني، وشحنه من جديد·
تجاهل القانون الدولي
لا بد من أن ينقل الفلسطينيون المعركة إلى خندق الأعداء، ويضعوا إسرائيل في موقع الإدانة الكاملة من قبل المجتمع الدولي، وذلك بكشف الجرائم الوحشية اليومية المتواصلة التي تمارسها بحق الفلسطينيين، من اغتيالات، وسرقة للأرض، وبناء للمستوطنات ضاربة بقرارات الأمم المتحدة عرض الحائط· ومثل هذه السياسة الفلسطينية البرغماتية الحكيمة قد تعطي بارقة أمل للناس في رفع الحصار، والمفاوضات على قاعدة المطالب الشرعية العادلة للفلسطينيين، ربما لا يحدث ذلك غداً، أو بعد غد، لكن مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة· لا بد من حشر إسرائيل في الزاوية، ذلك أنها تتجاهل القانون الدولي، وتستخف بقرارات الأمم المتحدة، الصادرة عن مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة أو عن محكمة العدل الدولية في جنيف، ومثل هذه الأمور تعطي صورة قبيحة عن دولة العدوان، وتؤدي إلى زيادة الضغوط الدولية عليها، بل تحول العقوبات المفروضة على الشعب الفلسطيني منذ سنة ونيف، إلى عقوبات ضد إسرائيل، بأشكال مختلفة، حيث ينتقل العالم من الإدانة اللفظية، إلى الكلام الحاد، ومن الكلام الحاد إلى الأعمال الجادة، وليس أقل من ذلك الطريقة التي أنهت نظام الأبرتهايد في جنوب إفريقيا في نهاية المطاف عبر العقوبات والنبذ، وهي الطريقة الوحيدة في هذه المرحلة من تاريخنا العربي للخلاص من الاحتلال الإسرائيلي البغيض، ووضع حد لغطرسته وأطماعه التوسعية·
طوال سنوات الاحتلال كانت إسرائيل تدوس بقدمها معاهدة جنيف الرابعة، واستخفت وسخرت من روح تلك المعاهدة بذريعة لا أساس لها تقول إن المناطق لم تحتل من قبل سلطة سياسية، لقد خرقت إسرائيل ولا تزال البند 27 من المعاهدة الذي ينص على أن سكان المنطقة المحتلة يجب أن يحظوا بمعاملة إنسانية طوال الوقت وحماية من الأعمال العنيفة، وإسرائيل لا تكتفي بالقول للفلسطينيين إن معاهدة جنيف لا تنطبق عليهم، وإنما هي تعلم أبناءها أيضاً أن هذه المعاملة لا تسري عليهم· ربما تحمل الحكومة الفلسطينية العتيدة بشارة الخير للناس، في الابتعاد عن الصراعات الداخلية التي وصلت حد سفك الدماء، وإتقان فن الدبلوماسية، والنأي عن المهاترات، والجدل البيزنطي، فربما يستيقظ غلاة الصهاينة ذات يوم، ويجدون أن العالم كله يقف ضدهم، ويطالبهم بإعادة الحقوق إلى أصحابها من أجل أن يعم السلام·