الإمارات

بـــن عمــرو والخـاجــة تفضحــان القبـح بالصورة


سلمان كاصد:

ضمن ما قدم من عروض سينمائية في مسابقة أفلام من الإمارات في المجمع الثقافي في أبوظبي شاهدنا فيلمي (عربانة) و(وجه عالق) وهما من نتاج إماراتي يشكلان رؤية وموقفاً وتقانة حديثة، أخرجا من قبل عنصر نسائي يمثل طليعة توجه الثقافة السينمائية الإماراتية التي تساهم فيها المرأة بوعي عال وبفهم عميق·
عربانة
فيلم (عربانة) من إخراج نايلة الخاجة وبطول 6,38 دقيقة، يعد من الأفلام الروائية المهمة التي اشتركت في المسابقة الإماراتية الخليجية قسم (عام)·
سبق أن قدمت نايلة الخاجة ''اكتشاف دبي''، و''حررني أيها الصرصار''، و''الوصية''، والآن يجيء فيلمها (عربانة) ليطرح رؤية جريئة وبحس سينمائي متفوق، فمن الوهلة الأولى نجد ''التايتل'' قد صنع بمهارة عالية تحسب فعلاً لعقلية نايلة الخاجة التي تعلمت من خلال دراستها في (كندا) كيف تستخدم التقنية المنظمة·
''قصر'' كبير ترصده كاملاً من خلال عشب الحديقة التي يشتغل فيها عامل ومربية وبوجود أم تجاهلت ابنتها التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها· البيت يوحي بالعزلة أوالتغريب والبنت تأكل شوكلاته، ينتهي المشهد عند انتهاء البنت من أكل الشوكولاته لتبحث عن أخرى·· تتجه الى الحديقة، لتشاهد العامل الذي ربما كان متواطئاً مع المربية واقفاً أمام غرفته التي تقبع في زاوية الحديقة البعيدة، غرفة مظلمة، تتجه لها البنت الصغيرة، لقطة بعيدة باتجاه القصر، فاصل زمني قصير وتخرج البنت من غرفة العامل وبيدها (شوكولاته) جديدة لتذهب الى غرفتها راكضة، عابرة صالة القصر، حيث تجلس أمها متناسية ومنشغلة بالتليفون أو بكتاب، تصل البنت الى سريرها في غرفتها العلوية وتنزل عدسة الكاميرا الى أسفل السرير لنجد مجموعة من ورق السيليفون التي تغلق بها قطع الشوكولاته، وتقفل عندها نايلة الخاجة فيلمها بخاتمة رمزية عالية·
ثمة طفولة مغتصبة ، أم مهملة، أرستقراطية عبر المكان، انزواء في غرفة مظلمة، تكرر مشهدي عبَّر عنه وجود ورق السيليفون، خاتمة قاسية تحمل موقفاً، قد نتساءل هل كانت البنت تعي ما تفعله، الكاميرا تشير ولا تصرح، تومئ ولا تحكي، لغة الصورة تصل الى أعلى طاقة في التعبير واستخدام رائع للضوء والعتمة، تقابل مرعب بين الطفولة والوحشية، بين الإهمال والتواطؤ، لقطات سريعة تشي بأشياء كثيرة عبرت عنها نايلة الخاجة بكل وضوح مبطن بالرمز·
وجه عالق
فيلم ''وجه عالق'' للمخرجة منال بن عمرو روائي بطول 6,05 دقيقة ومن المسابقة الإماراتية الخليجية قسم (عام) أيضاً· يقترب بالطول الزمني تماماً من فيلم (عربانة)· تستخدم فيه منال بن عمرو الفلاش باك كثيراً بل هو مقسم الى جزءين: الأول يصور بطلة الفيلم وقد دخلت صفاً مدرسياً قديماً يحتوي على (سبورة للكتابة) ومنضدة كبيرة وتشققات كثيرة في الجدران (رمز مزدوج للزمن القديم للبناية ولتشقق روح البطلة التي تأتي مدرستها لتتذكر طفولتها الممزقة)، الجزء الثاني (منطقة الفلاش باك) تستعيد فيه البطلة طفولتها البريئة في قرية طينية وامرأة تلبس (البرقع) وهي تهيئ نفسها وعدتها الطبية لتذهب الى الفتاة الصغيرة لكي تجري لها عملية (ختان)·
تتحول الكاميرا الى ساقي الطفلة المعلقة والملطخة بالدماء، إنها ذبيحة مستفزة· كل الرموز الأولى والحركات المتواصلة للكاميرا وهي تلتقط وتعبر عن النص القصصي تبقى بعيدة عن الإفصاح لمغزى النص لتتكشف في لحظة النهاية أن الفيلم بني ليصور الختان الأنثوي· ذلك فعلاً ما حاولت منال بن عمرو أن تقدمه، ثمة شيء مطمور يفصح عنه، يعالجه ببراعة·· المجهول يتحول الى صورة واللاإنساني تطرحه منال بن عمرو وكأنه استجلاب لفعل ماضٍ، بينما الماضي عند نايلة الخاجة مستمر حتى اللحظة الحاضرة، إلا أن براعة المخرجة أنها استخدمت الأبيض والأسود للماضي (الطفلة والمرأة العجوز)، والملون للحاضر (الفتاة في المدرسة بعد عشرين عاماً)·· تلك روح تقنيتها مع تقابل بين القناع الذي تلبسه العجوز والذي قبلت به والقناع الآخر الذي تحاول الفتاة أن تنزعه عن ذاكرتها عند مشهد البحر، البحر الذي يعني التطهير من عقدة الماضي البعيد التي يشي بها عنوان الفيلم (وجه عالق) لا تستطيع التخلص منه·
إن هذين الفيلمين مساهمة نسوية في معالجة قضيتين عبر الصورة، وهما تلخيص دقيق بالصورة أيضا التي عبرت عن كل شيء في قصتيهما·