الإمارات

الاسكندر الأكبر ·· قراءة عميقة للواقع العربي



الشارقة - فاديا دلا:

قدم مسرح الشارقة الوطني أول عرض من بين عروض أيام الشارقة المسرحية في دورتها السابعة عشرة بعنوان ''الاسكندر الأكبر'' من تأليف صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وإخراج الدكتور أحمد عبد الحليم·
والعرض الجديد هو الرابع الذي يحمل توقيع صاحب السمو الشيخ سلطان بعد أعماله ''عودة هولاكو، والقضية، والواقع صورة طبق الأصل'' والنص الجديد فيه إطلالة حية على التاريخ وعلى قصة حياة الاسكندر المقدوني الذي ذاع صيته كأشهر قائد حربي عرفته البشرية·
وقدمت حياة الاسكندر في العديد من الأعمال الروائية وكانت تلك الحياة ملهمة للعديد من أصحاب التراث السردي في تحقيق قصص مشوقة وحكايات شعبية عن بطولاته الأسطورية، حتى أن السينما قدمته في بعض الأعمال اليونانية والروسية ولكن يبقى أشهر إنجاز سينمائي ما حققه السينمائي الهوليوودي اوليفر ستون في فيلمه الذي قدمه قبل عامين بعنوان الاسكندر الأكبر، ولكن لم تتوفر هناك معلومات أكيدة عن أعمال مسرحية قدمت وتروي سيرة حياة الاسكندر المقدوني او ذو القرنين، ذلك أن هذا النوع من المسرح الاحتفالي بالتاريخ يحتاج إلى خصوصية في الإخراج المسرحي والى جهود مؤسسات في تحمل تكاليف عرضه·
قبل الدخول إلى العرض كان هناك مادة كاملة للصحفي والناقد تنتظره قبل الدخول وهذه ميزة في ان يوزع النص المسرحي ومعلومات كاملة وشاملة عن العرض بكل عناصره، والنص عموما يكشف عن إلمام بكل التفاصيل الدقيقة عن حياة الاسكندر الأكبر ولكن المؤلف لم يقم بجولة في كل تلك التفاصيل بل تطرق الى مفاصل رئيسة في حياة الاسكندر وصاغها دراميا بما يتلاءم في الرؤية التي أراد إيصالها·
المخرج أدخل المشاهد في العرض عبر ثلاث دقات تقليدية على آلة نحاسية ثم تبعها برقصة تعبيرية لعدد من الراقصين الذين أوحوا بمنظر الدم الذي ستكون عليه أحداث المسرحية وحقا كانت الرقصة تعبيرا عما سيحكي عنه العرض، كما نجح المخرج في تحقيق الانتقال الجغرافي عبر صور كبيرة وملصقات ضخمة تركزت في عمق المسرح لتتزامن مع تلك الأحداث ولتقنع بفضاء العمل، ولكن ظل فضاء القصر قائما على الديكور المعلق والنازل من الأعلى الى الأسفل، حيث برز استخدام تقنية الديكور المعلق لما فيه من سهولة في تحريكه من الأعلى بدلا من وجوده على ارض الخشبة وهذا التحرك سريعا دون إرباك لجموع الممثلين الكومبارس على الخشبة وهو خيار ملائم في عروض كهذه· ولكن تبدو رغم ذلك حركة الجموع على الخشبة فيها ما يربك المشاهد في تتبع الأحداث، وفيها أيضا ما يجعل الممثلين يتحركون ضمن نطاق ضيق لا سيما الراقصين وهم يؤدون مشاهد تعبيرية·· ولكن هذا لا ينفي أن المخرج قد نجح في تحريك الجموع على هذه الخشبة باقتدار·
ويبدو أن هناك مشكلة في إلقاء الممثلين فأحيانا كانت أصواتهم تعلو بداعي العزيمة والزخم فيظهر الصوت وكأنه طبقة من طبقات الصراخ لا انفعال فيه في حين كان يجب الاجتهاد أكثر على الشكل الخارجي وتحديدا شعر الاسكندر·
أما الراوي فحقق تواصلا طيبا في كسر الجدار الرابع للعرض وأمتع الفنان المتميز احمد الجسمي بحضوره كراو مقترح للأحداث وللتبدلات المكانية وربما لو أتيح له هامش أوسع لكان لحضوره مسحة كوميدية أكثر سخرية·
الموسيقى رافقت الأحداث بمهنية عالية، وبدا أن هناك اجتهادا فيها ولكن كثرة عدد الراقصين لم يجعلهم يتواءمون معها جيدا، وعلى العموم لا يبدو أن العرض يشتكي من إطالة، وظل الجانب الاحتفالي بالحدث التاريخي هو المهيمن·
وقد صفق الحضور طويلا للجيش الذي ظهر على الخشبة وربما وصل تعداده لأكثر من مئة ويستحق المخرج التحية على تقديره لكل العاملين معه في تحيتهم للجمهور مع بعضهم البعض كما يستحق الشكر على قراءته الهامة لنص مسرحي·
نقولها وبحق انه إضافة هامة للمكتبة العربية وقراءة عميقة وخطيرة معا للواقع العربي وللازمات التي تحيق به في ظل وجود القوى الكبرى النافذة على أرضه·· ولا ندري ان كان التاريخ يعيد نفسه كما يقولون ولكن كل المعطيات تشير إلى ان هذا يحدث بكل أسف بظروف أسوأ وبهامش أكبر··!