عربي ودولي

أوباما مرشح أسود يجسد الحلم الأميركي




واشنطن- الاتحاد:

''أبي أسود مثل الفحم الحجري وأمّي بيضاء مثل الحليب''، أمام مؤتمر الحزب الديموقراطي تحدّث السناتور ''باراك أوباما'' هكذا ليبهر الحضور في حديثه عن السنوات التسع عشرة التي أمضاها في إندونيسيا، حيث درس في مدرسة قرآنية، وفي هاواي قبل أن يستقر في الولايات المتحدة·
قال: إن أصل اسمه عربي ''مبارك''، ثم قال إنه سواحلي فعبراني، لكنّ جمهوريين مهووسين كشفوا أنّ اسمه الأول مركّب، وهو ''باراك حسين'' أو ''مبارك حسين''، المعلقون يعتبرون أنه يجسّد الحلم الأميركي، ماذا عن ''هيلاري كلينتون''؟ خصومها يقولون إنها تجسّد الكابوس الأميركي!، يلقي هذا التقرير بعض الضوء على تفاصيل الحياة المثيرة لـ''أوباما''·
الشخصية الطازجة
''إذا كان الأميركيون يبحثون عن رئيس فلماذا لا أكون أنا''·· العبارة تأخذ شكل مقطع أول من أغنية شاعرية، تتخللها بعض موسيقى البوب، ويؤدّيها أصدقاء للسناتور ''باراك أوباما··''
إذا حدث هذا، ودخل السناتور الأسود إلى البيت الأبيض، تكون الولايات المتحدة قد غسلت يديها، وذاكرتها، من الخطيئة الأصلية (الثانية) التي رأى ''إبراهام لنكولن'' أنها ''تجعلنا على علاقة متوترة مع السماء''، فلا بد من شيء ما يثبت أنّ الولايات المتحدة ابتعدت كثيراً عن أيام العبوديّة·
لا ريب أنّ أشياء كثيرة تغيّرت، زنجيّة تدعى ''كوندوليزا رايس'' وزيرة للخارجية، قبلها ''كولن باول'' الذي شغل أيضاً منصب رئيس هيئة الأركان المشتركة، ولكن ألم تنل ''توني موريسون''، السوداء جداً والصارخة جداً، جائزة نوبل في الآداب؟ لننتبه إلى أنها نالت الجائزة اعتراضاً على شيء ما غريب في العيون الزرق، أو الأشد زرقة··
''باراك أوباما'' يُوصف هكذا: ''الشخصية الطازجة''· جلده ليس مرقطاً كما هي حال المرشحين الآخرين، الخبراء في الرهان الرئاسي يقولون إنه يمثل الحلم الأميركي، ''هيلاري كلينتون'' تمثل الكابوس الرئاسي·

المدرسة القرآنية

الحلم يفترض، أولاً، وجود مَنْ يحلم، رجل لا يخجل أبداً من أحلامه· ومنذ أن ترشح عام ،2000 وكان في الثامنة والثلاثين، لمقعد نيابي عن ولاية ''ايلينوي''، كل ما لديه كتاب مذكرات وضعه آنذاك بناءً على طلب الناشر الذي شعر، بالغبطة، لأن أميركياً من أصل أسود انتُخب لرئاسة مجلة ''هارفارد لوو ريفيو'' المميّزة·
شاب في مثل ذلك العمر يكتب مذكراته، بماذا يمكن أن يملأ تلك الصفحات·· المبيعات كانت مخيّبة، لكن النقاد استقبلوا الكتاب بحرارة: ''هوذا رجل يختزل أميركا التي نريدها''· وكان عنوانه: ''أحلام آبائي'' التي، في الواقع، سكنته وجعلته يصمّم على أن يكون هو مَنْ يصل بتلك الأحلام إلى نهايتها السعيدة·
حياة هي عبارة عن سيناريو متنقل بين المدرسة القرآنية في ''جاكارتا''، ولكن لينتقل، في العاصمة الإندونيسية، إلى مدرسة كاثوليكية بعدما تزوّجت أمه من رجل آخر ''وله الآن إخوة من أمّه في لندن ونيروبي''، ثم في مدرسة الأثرياء في ''هونولولو''، بعض الكوكايين في نيويورك، ليحصل على الدكتوراه في جامعة هارفارد برتبة ممتازة Magna Cum Laude، والخلاصة أنها سنوات تستحق، لعناصر الإثارة فيها، أن تكون على الورق·
في تلك السنة 2000 لم يكتب لأوباما الفوز في المقعد النيابي، منافسه كان عضواً سابقاً في منظمة الفهود السود، وكان على تماس مع المشكلات الاجتماعية في عاصمة الولاية، فيما كان ''أوباما'' قانونياً في مكتب للدفاع عن الحقوق المدنية، وأستاذاً للقانون الدستوري في الجامعة·

ضد الحروب الحمقاء

وتقول ''لين سويت''، مراسلة ''شيكاغو صن تايمز'' في واشنطن والتي تابعت خطواته السياسية من اللحظة الأولى إنه لم يكن أسود بما فيه الكفاية، لكنه كان من النوع الذي لا ينكسر، إذ بعد عامين من خسارته عاود التجربة، ولكن هذه المرّة من أجل مقعد في مجلس الشيوخ، وكان ينافسه 6 من الحزب الديموقراطي الذي ينتمي إليه، لا أحد منهم حسب له حساباً، تبعاً لما تقوله ''لين''، التي أضافت إنهم لم يجدوا فيه أي حالة خاصة، لكن موقفه من العراق أحدث انقلاباً مثيراً في مساره السياسي، فهو المرشح الوحيد الذي اتخذ موقفاً من الحزب التي كان قد بدأ الحديث عنها يتسع، في خطابه في خريف عام 2002 قال: ''لست ضدّ كل الحروب، بل ضدّ الحروب الحمقاء''، العبارة ألهبت شاشات الإنترنت في كل أرجاء الولاية·
خطوة نحو··· التاريخ!
والواقع أن ''أوباما'' عرف أيضاً كيف يضع أصابعه على الملفات الساخنة التي تعني الناس وتقتضي مستوى معيناً من الجرأة إن لم يكن من المغامرة داخل المؤسسة، وهو ما جعله يخرج قوياً من الانتخابات التمهيدية، فيما ساعدته حملة ''جون كيري'' على أن يتكلم أمام مؤتمر الحزب في عام ·2004
فحم وحليب
في ذلك اليوم من يوليو عام ،2004 تحدث ''أوباما'' أمام مندوبي الحزب الذين ذهلوا من طريقة عرضه، ومن التفاصيل المثيرة في حياته، قال إن والده من كينيا، وكان أسود مثل الفحم الحجري وأمّه أميركية من ''كنساس''، بيضاء مثل الحليب، وقدّم نفسه على أنه تجسيد للحلم الأميركي، معتبراً أنه لا بد أن يجد له مكاناً يتسع له في الولايات المتحدة، مكاناً لرجل نحيل·
لم يكن هناك العدد الكافي من الخطباء المفوّهين آنذاك في الحزب الديموقراطي، الشاب الأسود بهر الحاضرين، وهذا ما جعل كتابه ''أحلام آبائي'' يُباع بعشرة أضعاف ثمنه الأصلي لتُعاد طباعته على عجل وينضم إلى لائحة الـ''بيست ـ سيلر''·
الصحافة أثارت الأسئلة حول اسمه ''باراك''، قال إن أصله عربي، وهو ''مبارك''، قبل أن يتحدث في مناسبات أخرى عن أصل سواحلي أوحتى عبراني، ولكن يا للغرابة حين راح بعض الجمهوريين المهووسين بعد أحداث 11 سبتمبر يربطون بين اسم Obema hOusama أي ''أسامة بن لادن''·
أمر آخر أكثر إثارة، حين كشف أولئك الجمهوريون عن أنّ اسمه الأول مركّب وهو ''باراك حسين''، إذا أخذنا بالأصل العربي يصبح الاسم: ''مبارك حسين اوباما''·
الزنجي الوحيد
في نوفبر عام ،2004 انتُخِب ''اوباما'' سيناتوراً عن ايلينوي بغالبية 70 في المائة من الأصوات، ولكي يأخذ مكاناً له في الوسط، أخفى خطابه المضاد للحرب في العراق من موقعه على شبكة الإنترنت، وفي سن الثالثة والأربعين، أصبح الزنجي الوحيد في مجلس الشيوخ، والثالث منذ عام 1870 ''في عام 1992 كانت سناتور سوداء''·
للتو بدأت الأضواء تُسلط عليه على أنه ذلك الأسوَد الذي يعرف أين يضع رأسه، وأين يضع قدميه، هذا يعني أن طريقه إلى جادة بنسلفانيا، وحيث البيت الأبيض، يمكن أن تكون مفتوحة، الدستور لا يشترط في الرئيس اللون الأبيض، كما أنّ الأميركيين اعتادوا على السود في المناصب العليا، وإن كان ''صمويل هانتنغتون''، صاحب نظرية ''صدام الحضارات'' قد دقّ ناقوس الخطر من سيطرة اللاتين، وليس السود، على الولايات المتحدة·
مثابر في تلة الكابيتول، حتى أن رئيس لجنة العلاقات الخارجية وجّه إليه مديحاً علنياً لأنه الوحيد الذي حضر كل اجتماعات اللجنة حول العراق، والواقع أنه يعرف كيف ''يلعب'' داخل الفناء الأميركي، لم يقبل عروض شركات الطيران بأن يتوجّه إلى شيكاغو في الدرجة الأولى، واهتم بالمساعدات التي تقدم إلى الطلاب ''المحرومين''·
شيء لا نفقهه
يقول الممثل ''جورج كلوني'': ''إن لديه ذلك الشيء الذي لا نفقهه، إنه يصل إلى مكان، فتثور لديك الرغبة في أن تتبعه''·· جاذبيّة خاصة، ونموذج مختلف يلفت الانتباه حتى في الصور التي يعلقها في مكتبه في الطبقة السابعة من المبنى الملحق بمجلس الشيوخ: ''المهاتما غاندي''، ''مارتن لوثر كينغ'' و''نلسون مانديلا''·· هذه الصور تختزل طريقة تفكيره، ورؤيته للأشياء· إنه وجه جديد، رجل من دون ''أمتعة'' في بلد يحب رجال الخطوات الأولى، البعض يقارنه بالرئيس الراحل ''جون كنيدي''، والبعض الآخر يعتبر أن المقارنة أفضل مع شقيقه ''روبرت كنيدي'' لناحية العزم وتحديد الهدف·· ومعه تتخلص الولايات المتحدة من الـ''بيبي بومرز'' أي الذين وُلدوا إبان الحرب العالمية الثانية أو قبلها، ومن الاستقطاب الاجتماعي، ومن آثار الستينيات من القرن الماضي، ناهيك عن الانقسامات التي أحدثتها الحرب في فيتنام ولم تنته مع الحرب في العراق· الأميركيون يبحثون عن الرئيس الذي يعرف كيف يتصالح مع أميركا·· إنه يتنقل بين كنساس، حيث أرض أجداده لأمّه، ويتجوّل في الأحياء السوداء في الجزء الجنوبي من شيكاغو، حيث تزوّج من ''ميشيل'' التي تحمل هي أيضاً ديبلوماً من هارفارد، وتعمل نائبة لرئيس المستشفى الجامعي في المدينة
''أوباما'' تجاوز صيغة الإفريقي الأميركي ليقول إنه إفريقي وأميركي، فأبوه كان طالباً أجنبياً جاء ليتابع دراسته في هاواي بمنحة، أي أن سناتور ''ايلينوي'' بعيد عن ذاكرة العبوديّة، وقد كبر مع جدّيه وأمّه، ولم يكتشف ما يعنيه أن يكون المرء أسود إلا حينما بلغ العاشرة، حيث اندلع في داخله ذلك النقاش المتواصل بين مكونات الأنا الهجينة حسبما كتب المعلق المحافظ ''ديفيد بروكز''، مشجعاً إياه على خوض السباق في عام ،2008 ولكن ألا تنقصه الخبرة التي لرجال آخرين ترعرعوا داخل المؤسسة، وفي دهاليزها؟ الخبرة تأتي لاحقاً···