دنيا

الكذب يُصبح عفوياً وسهلاً بعد الممارسة الطويلة

مستخدمو الإنترنت يجدون سهولة أكبر في «التدرب» على الكذب (أ ب)

مستخدمو الإنترنت يجدون سهولة أكبر في «التدرب» على الكذب (أ ب)

أظهرت دراسة جديدة، نُشرت في العدد الأخير من مجلة «حدود علوم الإدراك»، أنه عندما يُكثر الشخص من الكذب، فإنه يُصبح مستسهلاً للكذب، ثم يُصبح ميالاً للكذب على نحو تلقائي في كل ما يقوله. ووجد الباحثون أنه يمكن التيقن من هذا بالتدرب على الكذب.
ففي الوقت الذي يجد فيه الصادقون صعوبة في إصدار أي قول فيه افتراء أو ادعاء، يبرَع الكذابون في إيجاد أي كذبة تُخرجهم من موقف صعب أو تُحقق لهم أحد مآربهم، ويتحول الكذب بالنسبة إليهم إلى فعل تلقائي يتم بداع ودون داع. بل والأخطر من ذلك، يقول الباحثون، إن هؤلاء يصلون في مرحلة ما إلى وضع يجدون فيه أنفسهم غير قادرين على التمييز ما بين أقوالهم الصادقة والكاذبة.
فضيحة رياضيين
أثار موضوع الكذب اهتمام كثير من الباحثين في الآونة الأخيرة بعد فضيحة اعتراف رياضيين مشهورين بأنهما ظلا يمارسان الكذب على الجمهور والعالم سنين عدة، ويتعلق الأمر بالدراج الأميركي لانس أرمسترونج، ونجم فريق «نوتردام» الآيرلندي لكرة القدم تيو. وقد تكون نتيجة هذه الدراسة تنطبق عليهما، فقد طال ترديدهما للأكاذيب حول عدم استخدام المنشطات إلى أن اختلط عليهما الصدق بالكذب.
وحاول الباحثون في هذه الدراسة أن يعرفوا ما إذا كان التدرب على الكذب قد يتحول إلى كذب عفوي وتلقائي، ومهمة أسهل على الدماغ، فأشركوا 48 طالباً وطالبة من جامعة صينية، وطلبوا منهم أن يختاروا الانضمام إما إلى مجموعة تعليم، أو تدريب، أو مراقبة. وبعد أن أكملت كل مجموعة المهمة الموكلة إليها في المرة الأولى، طُلب من مجموعة التعليم تسريع الاستجابات التضليلية، وارتكاب عدد أقل من الأخطاء في المحاولة الثانية. وطُلب من مجموعة التدريب أيضاً تسريع الاستجابات التضليلية وارتكاب أخطاء أقل، لكنهم كانوا قد تلقوا تدريباً أكثر، ومُنحوا وقتاً أطول لتحضير كذباتهم. أما مجموعة المراقبة، فلم يكن مطلوباً منها غير تكرار المهمة مرة ثانية.
ولاحظ الباحثون أن وقت رد الفعل المطلوب لقول الأكاذيب كان أقل لدى مجموعتي التعليم والتدريب. غير أن النتائج كشفت عن أن مجموعة التدريب التي حظي أفرادها بحيز أكبر من الممارسة كانت أسرع في فبركة الأكاذيب والإجابات المضللة التي يصعب كشفها. ويقول كسياوكينج هيو، قائد فريق البحث ومدرس علم النفس بجامعة نورث ويسترن «لقد فوجئنا عندما وجدنا أن الكذب أكثر قابلية للتشكل في الذهن وأسهل مما كنا نظن». ويضيف شارحاً أن مجرد طلب الباحثين من المشاركين تسريع أدائهم وارتكاب أخطاء أقل عند فبركة الأكاذيب مكنهم من برمجة عقولهم على القيام بذلك بنجاح. وبصيغة أخرى «كلما كان الحافز قوياً، كان الشخص أقدر على الكذب».
مهمة سهلة
في محاولة منه لتوضيح سبب تحول الكذب إلى مهمة سهلة وأكثر عفوية بسبب الممارسة، يقول هيو إن الكذب يترافق عادة مع أفكار متصارعة، لأن العقل البشري يرتاح في الأصل أكثر عندما يتحدث صاحبه بصدق خلال حديثه وتفاعله مع أفراد المجتمع.
ناهيك عن كون الكذب يتطلب من الدماغ مجهوداً مضاعفاً بسبب تعارض تصريحه باللسان عما هو مُخزن في ذاكرته الشفهية والبصرية بالدماغ.
ويعتقد هيو أنه عندما كرر المشاركون ممارسة الكذب وفبركة الأجوبة المضللة، قلت لديهم الأفكار المتصارعة والحواجز الداخلية، ما جعلهم أفضل أداءً على مستوى تقزيم حيز الصدق واختزاله في دماغهم، مقابل توسيع حيز الكذب والتضليل.
وسبق لدراسات أخرى أن أظهرت أن الكذب مهمة إدراكية مكلفة للدماغ وأصعب عليه. وكان الباحثون يعتقدون أن فبركة الأكاذيب واسترجاعها من الذاكرة كما هي تحتاج إلى مجهود عقلي جبار، وهو خلاف ما يحدث مع الصدق، الذي يحتاج من العقل جهداً أقل لاستذكاره.
غير أن نتيجة دراسة هيو تضع اعتقادات العلماء السابقة محط تشكيك، فهو يرى أن أمر عقل الكذاب لا يكون دوماً على الشاكلة نفسها، فالإكثار من الكذب والتلفيق والافتراء وإظهار أكثر من وجه تجعل الشخص أكثر «مهارة» و»إبداعاً» في قول الكذب بسهولة، وتضليل الناس دون كشفه. ويضيف هيو «يمكن للناس أن يصبحوا ماهرين حتى في تضليل أنفسهم. وهو ما يحدث عند تكرار المرء الكذبة كثيراً إلى أن يصدقها».
ويقول هيو إن تكرار الناس الكذب للحفاظ على صورتهم الذاتية في المجتمع أو للإفلات من العقاب يجعل شعورهم بالذنب يقل مع الوقت، إلى أن يتلاشى ويتبدد نهائياً. ويختم هيو بالقول «بمجرد أن يجد الشخص أن كذبته مبررة، يجعل أفكاره الداخلية المتصارعة تخفت وتنتفي، فيصبح الكذب بالنسبة إليه عادة، وليس خطأ يدعو إلى الندم والتكفير».

عن موقع «nbcnews.com»