ألوان

القاسم بن محمد.. أعلم أهل زمانه بالسنة النبوية

أحمد مراد (القاهرة)

حفيد صاحب وخليفة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أبي بكر الصديق، أحد فقهاء المدينة السبعة، وأحد أقطاب علم الحديث، وكان من أعلم أهل زمانه بالسنة النبوية.
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم، ولد في خلافة عثمان بن عفان، رضي الله عنه، والدته بنت كسرى يزدجرد آخر ملوك الفرس، وكان والده والياً على مصر.
قُتل والده في مصر، وجاء عمه عبد الرحمن بن أبي بكر، فحمله هو وأخته الصغيرة، ومضى بهما إلى المدينة المنورة، وهناك أخذتهما عمتهما أم المؤمنين السيدة عائشة، رضي الله عنها، لكي تربيهما.
يقول القاسم عن عمته السيدة عائشة: ما رأيت والدة قط، ولا والداً أكثر منها براً، ولا أوفر منها شفقة، كانت تطعمني بيديها، ولا تأكل معنا، فإذا بقي من طعامنا شيء أكلته، وكانت تحنو علينا، وتغسل أجسادنا، وتمشط شعورنا، وقد دأبت على تلقيننا من كتاب الله تعالى، وتروي لنا ما نعقله من حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وكانت تزيدنا براً وإتحافاً في العيدين، فإذا كانت عشية عرفة، حلقت لي شعري، وغسلتني أنا وأختي، فإذا أصبحنا ألبستنا الجديد، وبعثت بنا إلى المسجد النبوي، لنؤدي صلاة العيد، فإذا عدنا منه، جمعتني أنا وأختي، وضحت بين أيدينا.
حرص القاسم منذ صغره على العلم، فحفظ القرآن مبكراً، وتلقى أحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، على أيدي عمته السيدة عائشة، وجلس في حلقات العلم بالحرم النبوي، وروى أحاديث النبي عن أبي هريرة، وعن عبد الله بن عمر، وعن عبد الله بن عباس، وعن عبد الله بن الزبير، وعبد الله بن خباب، ورافع بن خديج، وأسلم مولى عمر بن الخطاب، وغيرهم.
لم تمض سوى فترة قصيرة حتى أصبح القاسم بن محمد من كبار أئمة المدينة، ومن أعلم أهل زمانه بأحاديث النبي، صلى الله عليه وسلم، وتقديراً لمكانته العلمية كان خلفاء بني أمية لا يقطعون أمراً في شأن من شؤون المدينة إلا بعد العودة إليه.
عندما عزم الخليفة الوليد بن عبد الملك على توسعة الحرم النبوي الشريف، ولم يكن في وسعه تحقيق هذه الأمنية، إلا إذا هدم المسجد القديم من جهاته الأربع، وأزال بيوت زوجات النبي، وضمهم إلى المسجد، فكتب إلى عمر بن عبد العزيز واليه على المدينة، يقول: «لقد رأيت أن أوسع مسجد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حتى يصبح مئتي ذراع في مئتي ذراع، فأهدم جدرانه الأربعة، وأدخل فيه حجر زوجات النبي، وأشتري ما في نواحيه من البيوت، وإنك تستطيع ذلك لمكان أخوالك آل الخطاب، فإن أبى عليك أهل المدينة ذلك، فاستعن بالقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر، وأشركهما معك في الأمر، وادفع إلى الناس أثمان بيوتهم بسخاء»، فدعا عمر بن عبد العزيز القاسم، وسالم، وقرأ عليهما كتاب أمير المؤمنين، فسرا بما عزم عليه، وهبا لإنفاذه، فلما رأى أهل المدينة عالمي المدينة، يباشران في هدم المسجد بأيديهما، أقبل الناس على هذا العمل العظيم.
قال عنه ابن المديني: «له مئتا حديث». وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: «ما رأيت أحداً أعلم بالسنة من القاسم بن محمد». وقال عيينة: «أعلم الناس بحديث عائشة ثلاثة: القاسم وعروة وعمرة».
وتوفي القاسم سنة 108 هجرية عن سبعين عاماً.