عربي ودولي

لماذا يُفضَّل كتابة الأمازيغية بالحرف العربي؟


حوار - حسين محمد:

محمد أرزقي فراد مفكرٌ جزائري يشتغل بالسياسة وقضايا الهوية والمواطنة، له عشرة مؤلفات، بينما سيصدر كتابه الحادي عشر قريباً، هو أحد المعربين النادرين في منطقة القبائل التي تناضل، ومنذ سنوات، لاعتماد الأمازيغية لغة رسمية في ''الدستور الجزائري'' وكتابتها بالحرف اللاتيني·
في هذا الحوار يؤكد فرّاد أن كتابة الأمازيغية بالحرف العربي أفضل لها من الحرف اللاتيني لاعتبارات لغوية وحضارية، كما يجزم باستحالة اعتماد الأمازيغية لغة رسمية في الظروف الراهنة، وتعميم استعمالها في كل أنحاء الجزائر، ويقول مطالباً أبناء القبائل: إن الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية كافٍ حالياً، ومن الأفضل أن يترك السياسيون مكانهم للأكاديميين والباحثين·
ü تحدَّثتم عن جهود الأجداد الأمازيغ في خدمة اللغة العربية بمنطقة القبائل، فهل يستطيع الأحفاد الآن مواصلة الجهود نفسها في ظلِّ جهر خصومها بهذه المنطقة المتوترة منذ أبريل 2001 برفضهم لها؟
üü الإطار الصحيح للغة العربية هو ''القرآن'' الذي يشجعنا على تعدُّد الألسن· الإسلام لم يأت للقضاء على حضارات الآخرين ولغاتهم، ويجب أن نعتبر أن اللغة العربية هي في عقر دارها بالجزائر ونعطيها الرِّيادة، ولكن مع ترقية اللغة الأمازيغية، إذ ليس هناك تعارض بينهما، وحينما أقبل على تعلُّم العربية، فإني لا ألغي الأمازيغية· والخطأ الذي وقعت فيه الجزائر، بعد استقلالها عن فرنسا في يوليو ،1962 أنها أقصت ''اللغة الأمازيغية'' بذريعة الدفاع عن ''اللغة العربية''، وهذا غير صحيح· إن العربية التي تنطلق من ''القرآن'' ليس لها أنياب، ولا تقمع اللغات الأخرى، وعلينا أن نطرح القضية في هذا الإطار التكاملي، ولكنها للأسف طُرحت في إطار تنافري صِدامي؛ فهناك من رفض الأمازيغية لاعتبارات إيديولوجية ضيّقة ونسب ذلك إلى الإسلام، وكان رد الفعل متشنجاً من المتطرِّفين الأمازيغ الذين رفضوا العربية رداً على رفض الأمازيغية· وأنا أعمل من أجل أن يكون الإسلام والعربية والأمازيغية، مكوِّنات متكاملة للهوية الجزائرية وليست مُتصادمة مُتعادية·
ü ولكن كيف يمكن إيجاد التكامل بين هذه العناصر الثلاثة المكوِّنة للهويَّة الجزائرية في ظل الاحتقان السياسي القائم بمنطقة القبائل؟
üü للرَّد على هذا السؤال ينبغي إلقاء نظرة، ولو وجيزة، على التطوَّر التاريخي للقضية الأمازيغية· المشكلة بين العربية والأمازيغية لم تكن مطروحة بتاتاً منذ وصول الفاتحين المسلمين حتى عام ،1830 حيث تعرَّضت الجزائر للاحتلال الفرنسي، قبل عام 1830 كان الجزائريون يتحدثون العربية والأمازيغية، ولم يكن هناك تعارض بينهما، وكانت الأمازيغية تُكتب بالحرف العربي· وقد تحدّث عنها كتّابٌ كبار؛ وفي مقدمتهم العلامة ''ابن خلدون'' كذلك ''ابن البيطار''، كما أن الدول الأمازيغية المتعاقبة، وأهمها دول الأدارسة والمرابطين والموحِّدين والدولة الرُّستمية، هي التي نشرت العربية بالجزائر من دون إشكال· الإشكال بدأ مع الاحتلال الفرنسي الذي انتهج سياسة ''فرِّق تسد''، وسعى إلى خلق دويلة بمنطقة القبائل، لكن محاولاته تلك فشلت عندما اصطدمت بصخرة الإسلام القوية· وحينما قامت ''الحركة الإصلاحية الدينية'' التي بدأت تكافح لتوعية الجزائريين في القرن التاسع عشر، تبنّت البُعد الأمازيغي للشخصية الجزائرية وطرحته بشكل موضوعي، لكن ''الحركة السياسية الوطنية'' رفضته، مما أدى إلى انفجار القضية لأول مرَّة في عام ،1949 وسميت بأزمة ''الظهير البربري'' التي انفجرت بمجرَّد أنْ نادت إطارات عدة بأطروحة ''الجزائر جزائرية'' مقابل أطروحة ''الجزائر عربية'' التي تعني إقصاء البُعد الأمازيغي· وبعد الاستقلال، تبنَّت الجزائر، للأسف، الطرح الإقصائي للبُعد الأمازيغي، وهو ما لا ينسجمُ مع تسامح الإسلام، فولَّد ذلك تياراً بربرياً متطرّفاً لا يتوانى عن الجهر برفضه الإسلام والعربية· ونتيجة للنضالات المستمرة، تم عام 2002 إدراج ''الأمازيغية'' لغة وطنية في ''الدستور الجزائري''، وعلينا الآن تدارك الأخطاء المرتكبة قبل عام ،2002 وهي مهمة المثقفين أولاً، ثم الطبقة السياسية والمجتمع المدني ثانياً·
ü القبائل يطالبون أيضاً باعتمادها لغة رسمية في الدستور وتعميم استعمالها في كل أنحاء الجزائر· هل تعتقدون أن هذا المطلب موضوعي وقابل للتحقيق؟
üü إن إدراج الأمازيغية في ''الدستور الجزائري'' لغة وطنية مكسبٌ كافٍ لمدة زمنية معلومة، لأن ذلك يعني أن الإشكال السياسي قد حُلَّ، والعمل ينبغي أن يُفسح الآن للمثقفين والأكاديميين لترقيتها· أما اعتمادها لغة رسمية، وتعميم استعمالها في كل الوطن، فهذا من المستحيلات· وأعتبر، بكل هدوء وموضوعية ورزانة، هذا المطلب تعجيزياً وسياسوياً· ما أطالب به الدولة هو إنشاء مؤسسات تعمل على تطوير هذه اللغة كأن تُنشئ كتابة دولة لترقيتها بما ينسجم مع البعد العربي الإسلامي في الشخصية الجزائرية· لقد وقع صراع والغلبة اليوم لدُعاة تغريب الأمازيغية، وللأسف يتم ذلك بالمال العمومي بمنحه للمحافظة السامية للأمازيغية التي يسيطر عليها دعاة التغريب؛ ليس من المنطقي تمويل تغريب الأمازيغية؛ هؤلاء قرَّروا كتابتها بالحرف اللاتيني، وهو شيء خطير جداً لأنه سيفضي عاجلاً أو آجلاً إلى عزل منطقة القبائل عن باقي مناطق الجزائر، ويجب أن نتذكَّر ما وقع في تركيا، فعندما أراد أتاتورك قطع الصلة بالحضارة الإسلامية وبالعالم الإسلامي، اتخذ إجراءات عدَّة ومنها تغيير كتابة اللغة التركية من الحرف العربي إلى اللاتيني· ليست هناك كتابة محايدة، والحضارة الأمازيغية شرقية حتى قبل الإسلام، ومن مصلحتنا أن تُكتب هذه اللغة بالحرف العربي·
ü علاوة عن دعاة كتابة الأمازيغية بالحرف اللاتيني، هناك من يدعو إلى كتابتها بحروفها الأصلية المسماة بـ ''التيفيناغ''· ما رأيكم؟
üü الأولوية الآن هي وجوب إنقاذ التراث الأمازيغي، وأعتقد أن إشكالية الفصل في حروف كتابتها سابق لأوانه، هذه القضية ليست مطروحة علينا بحدَّة اليوم، هذه قضية أجيال المستقبل، لقد أضاعتها أجيال ولا يستطيع جيل واحدٌ استرجاعها· وعندما نعود إلى الواقع نجد اليوم أن الحرف اللاتيني هو الغالب في كتابة الأمازيغية لأنه في الوقت الذي كان أنصار العربية يتساءلون: هل الأمازيغية لغة أم لهجة؟ كان الطرف الآخر ينتج بها الروايات والكتب والقواميس والأفلام·
وعلى الرغم من أن الغلبة لدعاة الحرف اللاتيني فإني أنادي، لاعتبارات تاريخية وعلمية، بكتابتها بالحرف العربي لأن العلاقة بين اللغتين تقدر بأربعة عشر قرناً مقابل قرن واحد بين الأمازيغية واللاتينية· إضافة إلى ذلك، إذا عدنا إلى الاعتبارات اللسانية فإنها تفرض كتابتها بالعربية، فحتى اسم ''مولود ناث معمر''، وهو أبرز ناشطي الأمازيغية، لا يمكن كتابته بالفرنسية لغياب الثاء والعين في حروفها، هذا الباحث البارز الذي أفنى حياته في خدمة الأمازيغية بغير الحرف العربي، لا نستطيع كتابة اسمه كتابة صحيحة بالحروف اللاتينية!
ü وما رأيكم في كتابة النسخة المترجمة من ''القرآن'' إلى الأمازيغية بالحرف اللاتيني والتي صدرت مؤخراً؟
üü لنأخذ مثلا ترجمة ''بسم الله الرحمن الرحيم''، لقد وردت هكذا: أسييسّم أرّبي أحنين إيتسميحن''، ونلاحظ أن هذه الكلمات عربية· ليس عيباً الاشتقاق من العربية، فاللغات تشتق من بعضها البعض، ولكن هذا الاشتقاق اللغوي من العربية يدعونا إلى كتابته بالحرف العربي· ثم إن الجزائري في باقي أنحاء الجزائر حينما يقرأ هذه الترجمة بالحرف العربي سيجدها قريبة إليه ويستأنس بها عكس الحروف اللاتينية·
ü وهل وفّقت الترجمة الأمازيغية لـ ''القرآن'' من حيث المعاني؟
üü هي مكسب وخطوة في الاتجاه الصحيح؛ إذ ليس معقولاً ترجمة ''الإنجيل'' إلى الأمازيغية وتوزيعه على نطاق واسع ولا نترجم ''القرآن'' إلى هذه اللغة· ومن دواعي الأسف أننا هوّلنا قضية التنصير وهوّننا قضية ترجمة ''القرآن''· وكان الأجدر القيام بذلك منذ زمن ليكون حاجزاً أمام المدّ التنصيري في منطقة القبائل، ولكن لو صدرت الترجمة باللغة العربية لكان أفضل·