الإمارات

تيبازا الجزائريـة·· التاريخ يعـانق الآثار الرومـانية والطبيعة الخلاّبة



الجزائر ـ حسين محمد:

تيبازا مدينة ساحلية جميلة، تقع غرب الجزائر العاصمة بنحو120 كلم، وكانت تابعة للعاصمة إقليمياً حتى عام 1984 حيث أصبحت ولاية مستقلة، وهي واحدة من المدن الأثرية الرومانية القليلة التي صنفتها اليونسكو تراثاً عالمياً· وعلى أهميتها السياحية الكبيرة، فإن عدد سكان مدينة تيبازا لا يتجاوز الأربعين ألف نسمة، والمفارقة أن عدد سكان بعض الدوائر التابعة لها يفوق هذا العدد بكثير، وهي بذلك تعاكس منطق الأشياء في الجزائر حيث يكون عدد سكان الولايات عادة بمئات الآلاف وبعضها بالملايين·
عند الدخول إليها قدوماً من الجزائر العاصمة، لفت انتباه الزائر ''ضريح'' أثري ضخم يجنح في الميناء كباخرة لم تعد صالحة للاستعمال ويسمى ''الضريح البونيقي''، وهو من الشواهد النادرة التي تدل على حضارة الفينيقيين الذين قدموا إلى المنطقة كتجار في القرن السادس قبل الميلاد بغرض التبادل التجاري مع السكان، وبنوا منشآت مينائية عدة على مساحات متقاربة بهدف بيع سلعهم والتموين بالمواد الأولية·
خلافاً لهذا الشاهد الأثري الفينيقي النادر الذي ترسو إلى جانبه العديد من سفن الصيد الصغيرة اليوم، فإن مرحلة الاحتلال الروماني للمدينة طوال خمسة قرون تقريباً ( 50 ق· م- 455 ب· م) خلفت ثروة من الآثار التي لا يزال بعضها شاهداً إلى اليوم· وفي سنة 455 بعد الميلاد إستولى الوندال القادمون من شرق أوروبا على تيبازا ومكثوا فيها قرناً اضطهدوا خلاله السكان الذين تحولوا إلى المسيحية التي جلبها الرومان، إلا أنهم غادروها سنة 555 م مدحورين على يد البيزنطيين الذين أعادوا للمذهب الكاثوليكي مكانته·
حضارات متعاقبة
جاء الفتح الإسلامي لينهي سلسلة الاحتلال الأوروبي للجزائر إلى غاية 1830 حينما سقطت في يد الفرنسيين، وأبدى هؤلاء اهتماماً كبيراً بالآثار الرومانية، وقرروا الشروع في التنقيب عنها منذ سنة ،1863 وبدأ المهندس المعماري ''بار بروجيل'' عملية ترميم الآثار المُكتشفة، وواصل العالم الأثري ستيفان قزال عمليات التنقيب تحت الأرض سنة ،1891 وتواصلت بعدها إلى غاية سنة ،1982 حيث توقَّف التنقيب بعد أن صُنفت تيبازا في حظيرة التراث العالمي برغم أن الباحثين الفرنسيين ثم الجزائريين بعد الاستقلال، لم يتوصلوا إلى اكتشاف سوى 30 % فقط من الآثار الرومانية، بينما لا تزال 70 % منها تحت التراب بحسب دليلنا السياحي حسان طواهرية·
تتربع الحظيرة الأثرية بتيبازا اليوم على 60 هكتاراً، 45 هكتاراً لمختلف المعالم الأثرية و15لمقبرة تعرف باسم روضة القديسة ''سالصا''، ويعود سبب شساعة مساحتها إلى قانون أصدره الرومان بمنع دفن الأموات داخل المدينة وبناء مقابر ضخمة خارج أسوارها· والمفارقة أن المقبرة كانت مصدراً مهماً لأهم التحف الأثرية التي تم وضعها في متحف تيبازا بعد بنائه سنة ·1955
على غرار كل المدن التي استولى عليها الرومان، فقد أحاطوا تيبازا سنة 147م بسور كبير يصل طوله إلى 2200 متر ويحتوي على 37 برجاً للمراقبة ويصل سمك جداره إلى 1,40م، وعلوه 6م، وقد تهدم هذا السور الدفاعي، ولم يبق منه الآن إلا بقايا قليلة في أطراف المدينة·
أثناء الدخول إلى الحديقة الأثرية الكبرى، نرى بعض الشواهد الصغيرة من أعمدة منتصبة ومعاصر زيتون وأضرحة فردية وجرار فخار، ولكننا ما أن نتعمَّق داخلها حتى يقابلنا مدرج بني بين القرنين الثاني والثالث ميلادي، وهو ملعب ضخم طوله 80 متراً، بيضوي الشكل وله ستة أبواب تفتح على ست غرف جانبية، وكان المدرج يستعمل للمبارزة بين الفرسان ورمي المحكوم عليهم قضائياً بالموت إلى الأسود، ويتسع المدرج لثلاثة آلاف متفرج وبه منصة تحميهم من الحيوانات المفترسة، لكنه تهدم بفعل العوامل الطبيعية ولم يبق منه اليوم إلا الأطلال·
وراء المدرج، تنتصب بقايا المعبد المجهول ومعبد ''الإله جوبيتر'' الذي عُثر على تمثال لرأسه وتم نقله إلى ''متحف المدينة· ووراء المعبدين بقايا كنيسة تعود إلى القرن الرابع الميلادي وهي أكبر كنيسة مكتشفة في الجزائر (58 متراً طولاً و42 عرضاً)، وقربها ساحة عمومية تسمى ''فورام''، وبقايا بلدية رومانية ومحكمة ومساكن بنيت في القرن 2م·
مركز جذب للسياح
وفي هذا المكان يقف الزائر منبهراً بالمنظر الذي جمع بين التاريخ والحاضر معاً؛ آثار رومانية رائعة تعبر عن درجة الرقي ونمط التفكير المتقدم الذي كان يعيشه سكان المنطقة قبل قرون عديدة، ومناظر طبيعية خلابة تجمع بين البحر والطبيعة الساحرة حيث تعانق أشجار السرو والزيتون هذه الآثار من جهة وتلتفّ حولها إلى غاية الهضبة المجاورة من جهة أخرى· وعلى هذه الهضبة انتصبت آثار أخرى وغير بعيد عنها منازلٌ فردية لبعض سكان تيبازا في تعايش عجيب بين التاريخ والحاضر!
وتستقطب ''حديقة الآثار'' يومياً زواراً من سكان المنطقة والولايات الجزائرية الداخلية وكذا السياح الأجانب ويبلغ عددهم السنوي أكثر من 160 ألف سائح· ويعتز القائمون عليها باستقبال مئات الدبلوماسيين والوزراء وحتى رؤساء الدول الأجنبية ومنهم رئيس رومانيا والحاكم العام لكندا وآخر زوارها وزير الصحة العماني يوم 27 فبراير الماضي· أما في الصيف فتستقطب سواحل تيبازا 2 مليون مصطاف، وعن أهميتها السياحية يقول سعيد بن سديرة مستشار ثقافي بالولاية: إن تيبازا مدينة سياحية أثرية عريقة ومعالمها الأثرية ذات شهرة واسعة فقد زارها الكاتب العالمي ألبير كامي وكتب عنها، كما أن لـ''الضريح الموريطاني'' شهرة واسعة تستقطب السياح الذين يريدون رؤيته عن قرب·
ولهذا الضريح منظر مدهش؛ فهو دائري الشكل، يقع خارج تيبازا قرب بلدية ''سيدي راشد''، ويسمى عند الجزائريين ''قبر الرومية''، ويقال إنه ضريح زوجة ملكٍ جاء بعد ''يوبا الثاني''، وبني سنة 30 م، ويبلغ ارتفاعه 32,40 م، ومحيطه 185 م، وقطره 60,90 م، ولم يفك علماء التاريخ والآثار لغز هذا الضريح إلى حد الساعة·
ولاشك أن زيارة الحديقة الأثرية لتيبازا والتمعن في دلالات بناءاتها وما تحتويه من أوان فخارية وأضرحة ومعابد وكنائس وبقايا بيوت وحمامات وشوارع وأقواس··· يعني رحلة ممتعة عبر الأزمنة الغابرة، قبل الميلاد وبعده، ولكن الرحلة لا تكتمل دون إعمال الخيال وتصور صوت العربات وضجيج التجار في السوق البلدي وحمية المتبارزين وصيحات المتفرجين· وبرغم أن جمال المدينة الأثرية زاد من جمال تيبازا العصرية الساحلية، فإن بعض أبنائها يتحسرون لتوقف أبحاث علماء الآثار بها بعد اكتشاف 30 % فقط من آثارها، فماذا لو تواصلت الأبحاث لاكتشاف بقية كنوزها الأثرية المدفونة تحت الأرض كما يجري في مدن أثرية عديدة في العالم ؟