عربي ودولي

استيعاب تجارب شرق آسيا·· إرادة وإدارة



القاهرة - محمد عزالعرب:

التجارب السياسية والمناهج الاقتصادية والتحول الديمقراطي ليست مثل السلع والبضائع قابلة للتصدير، لأن التطور الديمقراطي والنمو الاقتصادي في بلد ما انعكاس للميراث التاريخي والوضع الجغرافي والانفتاح الثقافي والتوازن الاجتماعي·
وفي ندوة ''مصر والصين والهند·· ما كان وما قد يكون'' بالقاهرة قال د· مصطفى الفقي -رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان المصري- إن العلاقات المصرية مع دول الشرق آسيوية متراجعة، حيث تطغى شواغل الشرق الأوسط على كل الاولويات ورغم أن الهند عملاق اقتصادي ضخم لم يزرها الرئيس المصري حسني مبارك منذ عام ،1983 رغم التشابه بين المصريين والهنود في طقوس الحياة وطريقة التفكير، لكن هذا التشابه لم يترجم إلى مصالح مشتركة مقارنة بعمق علاقات الهند مع إسرائيل التي تصل إلى التحالف الاستراتيجي·
وأكد أن دور العرب ليس حملات سياسية وإعلامية ضد الهند أو الصين لتكثيف تعاونهما مع إسرائيل، ولكن المطلوب هو تكثيف التعاون معهما ودعم شبكة المصالح المتبادلة لان الدولتين تضعان مصالحهما في المقدمة بغض النظر عن الشعارات·
وقال إن ما حققته الصين من إنجازات يرجع إلى انكفائها على ذاتها واندماجها في الاقتصاد العالمي وتأكيدها المستمر أن التنمية الاقتصادية تصب في خدمة السياسة الخارجية، ويخطيء من يظن أن الصين تتطلع لان تكون قوى عظمى تهيمن على السياسة الدولية والساحة العالمية وإنما ترغب في رفع مستوى معيشة مئات الملايين من شعبها وتأمين احتياجاتهم الأساسية وتحقيق مجتمع الوفرة والرفاهية لهم·
وأضاف أن الصين تحقق اكبر معدلات للنمو واقل معدلات التضخم والسلع الصينية تغطي مختلف الأسواق الاميركية بأسعار متميزة وحققت المعادلة الصعبة بين الحفاظ على معدلات نمو اقتصادية مرتفعة وعدم الإقدام على إصلاحات ديمقراطية جذرية، بما جعل العجلة الصينية تدور بسرعة فائقة ليس في حدود بلادها وإنما تجاوزتها لدول أخرى·

الهند نموذجاً

وذكر أن الهند استطاعت تقديم نموذجا فريدا لنظام دستوري قائم على الديمقراطية العلمانية والتحول من نظام الحزب المسيطر إلى نظام متعدد الأحزاب وارتفاع الوعي السياسي للمرأة الهندية، حيث حرصت الهند على المواءمة بين النموذج التنموي والطرح الديمقراطي، رغم عدم ملاءمة ظروفها لنشوء نظام ديمقراطي·
وأوضح أن الهند تعاني العديد من نقاط الضعف أبرزها الانقسامات الدينية والطائفية والآثنية، وارتفاع مستوى الفقر، حيث يعيش أكثر من 40 في المائة من السكان تحت خط الفقر والتباين الاجتماعي الشديد الوطأة بين الأغنياء والفقراء، وهذه العوامل تؤدي إلى إحياء الأصولية الدينية في المجتمع، على اعتبار أن الدين يمثل مخرجا للإنسان من وطأة الواقع الذي يعانيه· مؤكدا على أن هناك سجلا سيئا للهند في حقوق الإنسان نظرا لقيام السلطات الهندية بصفة دورية باحتجاز آلاف السجناء السياسيين دون تهمة أو محاكمة بموجب قوانين خاصة لمكافحة الإرهاب، ولكن نجحت الهند في تحقيق إنجازين رئيسيين هما إرساء تقاليد ديمقراطية مستقرة والمحافظة على وحدة المجتمع الهندي من التفتت والانسلاخ، بالإضافة إلى عنصر الإرادة السياسية في الاستمرار في قيادة عملية التنمية·
وقال إن مصر ظلت لمدة قرن كامل أكثر اقتدارا في ممارسة الديمقراطية من الهند حتى انقطعت الحياة الديمقراطية في مصر عام ،1952 إذ لا يمكن للديمقراطية أن تعمل دون أحزاب سياسية فعالة وجمعيات أهلية نشطة ونقابات مهنية متطورة ومنابر فكرية عصرية، فضلا عن صحافة حرة ونظام قضائي وقانوني يتمتع بالاحترام والمصداقية، مؤكدا على أن الديمقراطية الهندية تمثل اعرق الديمقراطيات في العالم، وهو ما يتطلب تعلم هذا الدرس في بلادنا العربية حتى لا تمثل ''الاستثناء'' من موجة التحول الديمقراطي إلتي تجتاح العالم·
ويرى الفقي أن الهند والصين واليابان تشكل قوة آسيوية صاعدة في النظام العالمي، فاليابان أحدثت ثورة في عالم التكنولوجيا بتطويرها لصناعة السيارات والطائرات، والصين بنموها الاقتصادي وثقلها السكني والهند بدورها الثقافي ووضعها العسكري وهو ما سيؤدي إلى انتقال لمركز القوة الدولي من غرب المحيط الأطلسي الى شرق آسيا·
إرادة وإدارة
كما أكد الدكتور مصطفى الفقي على أن التحديث في الدول العربية لا يعني التغريب، والنقل الدائم عن التكنولوجيا الغربية ليس السبيل الوحيد للتقدم، والعالم لا يمكن اختزاله في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وإنما يشمل قوى مؤثرة كثيرة مشابهة لنا ومرحبة بنا، لكن الأمر يتطلب على الجانب العربي توفر الإرادة وامتياز الإدارة· وأوضح المفكر د· أنور عبد الملك أن الشرق الحضاري سيحتل مكان الصدارة في النظام العالمي الجديد، ويؤهله لذلك نهضة اليابان وتقدم الهند ونمو الصين، والفكر الآسيوي يتسم بالانفتاح على الثقافات المختلفة في سبيل بناء القوة الذاتية، مشيرا الى أن القوى الرئيسية في الشرق الأوسط وهي مصر وإيران وتركيا يمكنها التلاحم مع القوى الآسيوية لإحداث توازن في العلاقات الدولية·
فيما قال د· حسن ابوطالب -رئيس تحرير التقرير الاستراتيجي العربي- أن هناك أدوارا متصاعدة للصين والهند واليابان في السياسات الدولية والاقتصاد العالمي، ويحمل كل منها نموذجا خاصا للتنمية، والصين ستصبح القوة الثانية الاقتصادية خلال ربع قرن وسيتبلور لها دور سياسي لا يريد الصينيون الإفصاح عنه حاليا لأنهم يؤمنون بسلم الاولويات الذي يعطي الأولوية لترسيخ نموذج التنمية الصيني في كافة أنحاء البلاد، لان الغرب والوسط يشوبهما التخلف·
وأضاف أن سمات القوى العظمى لا تتوفر حاليا للصين إلا في بعدين على الأكثر، كامتلاك أسلحة نووية ونمو اقتصادي عال نسبيا· ورغم أن الصين إحدى القوى الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، فإن تأثيرها في القضايا العالمية المختلفة لا يتعدى إبداء الرأي أو تحديد الموقف السياسي، وفي حالات معينة لم يكن موقف الصين الرافض أو الممتنع عن سلوك دولي في إطار مجلس الأمن إلا مقدمة للمساومة عليه مع القوى العظمى الأخرى، لاسيما أميركا للحصول على منافع ذاتية لا علاقة لها بالقضية الرئيسية· وذكر أن النموذج الصيني تبلورت ملامحه في السبعينيات حينما أنشأت مدينة ''تشينجن'' التي سكنها الصيادون فقط، لكن يسكنها الآن ثمانية ملايين نسمة معظمهم من حملة الدكتوراه، مشيرا الى أن هذه المدينة تحولت الى مركز للتجارة العالمية لدرجة أن نشاطها يعادل إجمالي حركة التجارة المصرية بكاملها·
سمات جامعة

طالب د· سيد عليوة -أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان- راسمي السياسة الخارجية المصرية الاتجاه شرقا، لاسيما أن هناك تشابها بين الحضارتين الهندية والصينية والحضارة المصرية، فكلها بلاد نهرية تجمع بين الاصالة والمعاصرة، الأمر الذي يتطلب الاستفادة من التعامل الناجح مع هذه القوى الصاعدة، وأبرزها النموذج الديمقراطي في الهند والتداول السلمي للسلطة بين مختلف القوى السياسية وتمتعها بقضاء نزيه وازدهار الصحافة الحرة فيها وتزايد نسبة مشاركة الناخبين في الانتخابات، مذكرا بمقولة نهرو ''إنني أفضل البطء مع الديمقراطية على النمو مع الديكتاتورية''· وقال ''عليوة'' إن الهند تقدم نموذجا عالميا في الصناعات الصغيرة والنهوض بالصناعات التقليدية والحرفية والمنزلية والريفية، منافسة بذلك الصناعات الحديثة الأجنبية، وأصبحت عضوا في النادي النووي والنادي الدولي للأقمار الصناعية، واليوم يقوم الاقتصاد الهندي على الصناعات التكنولوجية· وهذا التطور الهندي تحقق رغم ارتفاع معدلات الفقر ونسب الأمية، واحتضانها لمليار نسمة يتحدثون مئات اللهجات وينقسم انتماؤهم بين ديانات كبرى وديانات محدودة·
وذكر د· عليوة أن الصين تملك اكبر احتياطي نقدي في العالم يصل الى 988 مليار دولار ورابع اكبر اقتصاد بعد الولايات المتحدة وأوروبا واليابان ودرجة النمو في الاقتصاد الصيني تعدت 10 في المائة، وينبغي الاستفادة من هذه الدروس في التوجهات الخارجية المصرية عبر تعلم الشباب المصري اللغتين الصينية والهندية وإيلاء البحث العلمي والتكنولوجي درجة اكبر من الاهتمام·
وقال السفير د· وليد عبدالناصر - مدير المعهد الدبلوماسي بالقاهرة - انه لا يمكن تقويم علاقات الهند والصين بإسرائيل وفقا لمعيار عقائدي لكنها المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى التي يركز عليها الفكر الآسيوي الواقعي، فإسرائيل اتبعت سياسة النفس الطويل لإقامة علاقات مع الهند والصين من خلال المؤسسات غير الرسمية، وعلى مستوى الشباب حتى انتقلت العلاقات الى المستوى الرسمي، في الوقت الذي انشغلت فيه مصر والدول العربية بالمستوى الرسمي، ومصر هي أول دولة اعترفت باستقلال الصين في عام ·1956 والصين والهند حققتا طفرة تنموية وأعلى معدلات للنمو في العالم، بلغت 12,5 في المائة في الصين وأكثر من 10 في المائة في الهند، واستغلت الدولتان هذا النمو في فتح مجالات خارجية والدخول في تجمعات اقتصادية·
وأضاف أن الهند والصين أنجزتا مشروعات تكنولوجية معروفة عالميا، واستفادت الدولتان من وادي السليكون في الولايات المتحدة، وأصبحت الهند الآن واديا جديدا للسليكون في آسيا، واستطاعت الصين تحقيق ما يسمى التكنولوجيا الملائمة والأفضل لاحتياجاتها خاصة بعد عودة علمائها من الخارج· وأوضح السفير علي الحفني -مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الآسيوية- أن الاهتمام المصري بالقارة الآسيوية ليس استثناء، لما توفره من فرص عديدة للدول والحكومات ومجتمعات رجال الأعمال في مناطق مختلفة، مؤكدا أن احد سمات القرن الحالي البزوغ الآسيوي والصعود الصيني والتقدم الهندي· مضيفا أن صادرات الصين الى العالم تجاوزت المليار دولار، وتعتبر ثالث اكبر دولة في الإنفاق على البحث العلمي وإرسال البعثات العلمية الى الخارج، كما أنها نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي من المواد الغذائية، بالإضافة الى زيادة الإنفاق الصيني على الميزانية العسكرية وهو ما يرشحها لان تكون العملاق القادم على الساحة العالمية·