عربي ودولي

وواشنطن تعد لنقلة قاتلة لمحاصرة روسيا



نيويورك - أحمد كامل:

تتعدد بنادق القنص في واشنطن، هناك واحدة مثلاً يتوجه منظارها إلى إيران، وثانية إلى كوريا الشمالية، وثالثة إلى روسيا بالرغم من كل الدفء الذي ساد علاقات البلدين لردح من الزمن في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي بل إن هذه البندقية الأخيرة تكاد تصبح الأكثر أهمية وإثارة للجدل في اللحظة الراهنة·
كانت روسيا قد اضطرت إلى اتخاذ مواقع دفاعية خلال الأعوام الأخيرة بسبب الهجوم الشامل الذي شنه الأميركيون على الصعيد الإستراتيجي ضد موسكو، من توسعة لحلف شمال الأطلسي إلى حدود روسيا الغربية، إلى ثورة جورجيا البرتقالية التي أطاحت بالرئيس ''ادوارد شيفرنادزه'' بما له من علاقات وثيقة بموسكو إلى وضع الرئيس ''فيكتور يوششنكو'' في قصر الرئاسة بأوكرانيا وإحباط ما نُسب إلى عملاء روس من محاولة التخلص منه بوضع سم في طعامه·
في الآونة الأخيرة اتخذت واشنطن ما يسميه الإستراتيجيون الأميركيون ''الخطوة القاتلة'' في محاصرة روسيا بوتين ـ أي نشر شبكة من الصواريخ المضادة للصواريخ في شرق أوروبا بدءاً بجمهورية التشيك وبولنداـ فقد أعلنت واشنطن في العشرين من يناير الماضي أنها ستضع شبكة رادار بالغة التطور في جمهورية التشيك، ثم أعقبت ذلك بعد يومين بإعلان بدء المباحثات مع بولندا لوضع شبكة الصواريخ المضادة للصواريخ·
يرى الروس في ذلك ''شطباً'' ضمنياً لقدراتهم العسكرية إذ ستصبح أهم مكونات الترسانة العسكرية الروسية بلا قيمة تقريباً، إذ لن يمكن لموسكو استخدام صواريخها الموجهة في أي عمليات عسكرية تتعلق بحماية أمنها القومي حسبما ترى على الأقل، فضلاً عن ذلك فإن الكرملين يرى في الخطوة محاولة ''لفرض حالة من الشلل'' على القدرات العسكرية الروسية ودعوة للعودة إلى سباق التسلح·
رد حازم
ورداً على القرار أعلن بوتين من موسكو ''سيكون ردنا على ذلك حازماً وغير مألوف وبالغ الفعالية، إن لدينا بالفعل صواريخ ''توبول - إم'' القادرة على اختراق الشبكة التي يريد الأميركيون نشرها إلى الغرب من حدودنا، إلا أننا لن نتوقف عند هذا الحد ولكننا نتحدث الآن عن نظام إستراتيجي جديد تماماً يعمل بالموجات فوق الصوتية''·
وقال ''روبن كروتساك'' إلى حث العسكريين الأميركيين المتخصص في الشؤون العسكرية الروسية: إن ''بوتين كان يشير إلى نظام لإطلاق صواريخ بإمكانها أن تتجنب الصواريخ المضادة التي تستخدمها عن طريق استشعار مبكر للموجات الصوتية الصادرة عن تلك الصواريخ المضادة، إنها صواريخ يفكر الروس في إنتاجها ويمكن لها أن تغير مسارها بمرونة وبسرعة لتجنب أي قذائف توجه نحوها''·
وكان الرئيس بوش قد استخدم عبارات حذرة عند حديثه عن نظيره الروسي فلاديمير بوتين قبل أن يدلي بوتين بتصريحاته العنيفة ضد ما سماه ''استفزازنا بصورة منهجية''، فقد قال بوش: ''لقد أوفى فلاديمير بوتين بكل كلمة قالها لي وعلاقتي معه تسمح لي أن أعبر عن خيبة أملنا حين نراه مثلاً يتعامل بقسوة مع جمهوريات البلطيق''·
وتابع بوش خلال حديث أدلى به في واشنطن ونشر في مطلع فبراير: ''إن على الرئيس بوتين أن يحسم خياره، كما أن على من سيخلفه أن يحسم قراره ـ أي ما إذا كانت مصالح روسيا تقع مع الغرق أم لاـ وهدفي هو أن أقنعه بأن مصلحته هي مع الغرب ولكن حتى يحدث ذلك يتعين عليه أن يفهم القيم التي تجعل المجتمعات الغربية تتحرك''·
تعديات تصالحية
إلا أن بوتين - ومن خلال تصريحاته التي أدلى بها في موسكو بعد بث حديث بوش - أوضح أنه غير راغب في أن يفهم، ذلك أنه استخدم بالفعل لهجة حاسمة في الرد على ما يراه محاولة أميركية لإحاطة روسيا بحزام عسكري إستراتيجي يصيبها بالشلل ـ وعقب مقابلة الرئيس بوش الصحفية توجه ''مسؤول رفيع بوزارة الخارجية الأميركية'' - لم يُعلن عن اسمه - إلى موسكو، حيث نقلت عنه تصريحات ذات طابع تصالحي·
ذلك أن ''المسؤول الرفيع'' قال بوضوح: ''إن قرار نشر شبكة الرادار في جمهورية التشيك (ليس نهائياً)، وإن مفاوضات واشنطن ووارسو حول وضع صواريخ مضادة للصواريخ على الأراضي البولندية (لم تبدأ بعد) ولم يكشف بطبيعة الحال عما إذا كان المسؤول الرفيع يمكن أن يذهب إلى حد وضع هذه (الخطوة الإستراتيجية القاتلة) على طاولة البحث والتفاوض مع موسكو، أم أنه يهدف فحسب إلى تمريرها على نحو ما واحتواء ردة الفعل الروسية''·
فاض الكيل
في كل الأحوال تتصرف موسكو وكأن كيلها قد فاض -كما يقولون- لاسيما وأنها تلقت معلومات تمهيدية من واشنطن تشير إلى اعتزام قيام وزارة الخزانة الأميركية بفرض عقوبات على شركتين روسيتين شاركتا في تنفيذ مشروع مفاعل بوشهر الإيراني وذلك على الرغم من أن القرار 1737 الذي يفرض عقوبات ضد إيران استثنى مفاعل بوشهر من هذه العقوبات كثمن لموافقة روسيا على صدوره· وردت موسكو على النوايا الأميركية بإعلان قرارها بتسليم الوقود النووي الضروري لتشغيل بوشهر في مارس الجاري وبدء تشغيل المفاعل في سبتمبر وبدء توليد الكهرباء في نوفمبر· فضلاً عن ذلك فإن المسؤولين الروس يتحدثون عن ''خطوات إستراتيجية'' مقبلة لتعزيز العلاقات الروسية - الإيرانية ودور موسكو في منطقة الخليج· وترى واشنطن أن الرئيس بوتين لعب دوراً محورياً في إجهاض حملتها لتشديد الحصار حول إيران وحملها على التخلي عن برنامجها النووي·
ويقدم الأميركيون في هذا السياق أدلة من قبيل موافقة روسيا على صفقة لإمداد إيران بصواريخ متطورة مضادة للصواريخ وللطائرات ومساعدتها على وضع بطاريات هذه الصواريخ حول مواقعها النووية، وكانت واشنطن قد طلبت من موسكو تجميد الصفقة بيد أن بوتين أمر بتسليم الصواريخ المطلوبة وإرسال خبراء روس لتدريب الإيرانيين على تشغيلها·