الإمارات

هشام مطر يروي سيرة الطفولة والمنفى




موزة مطر:

صدرت مؤخراً الطبعة العربية من رواية ''في بلاد الرجال'' للكاتب الليبي المقيم في بريطانيا هشام مطر عن دار المنى بالسويد، وترجمتها الكاتبة اللبنانية سكينة إبراهيم·· قد سبق أن ترجمت الرواية إلى أربع عشرة لغة، كما سبق أن رشحت للفوز بجائزة ''بوكر'' الأدبية لعام ·2006
''في بلاد الرجال'' رواية توقع القارىء بسهولة في حبالها فهي تروي بلسان بطلها سليمان ذي التسعة أعوام·· طفل يحكي ببراءة عن عوالم وحشية التعذيب في المعتقلات والسجون والإعدامات التي يشاهدها منقولة على شاشة التلفاز·· عن الخيانة التي لا يتورع بنفسه عن خوضها عندما يفشي أسرار صديقه وجاره كريم أمام صبيان الحي·
عن تصنيف الناس إلى موالين أخيار ومعارضين أشرار تبدأ حكاية سليمان من صيفه الأخير الذي يقضيه في طرابلس وتحديداً قي عام ''،''1979 حيث استلقت المدينة تحت الشمس ساكنة، بينما استمات الناس والحيوانات والنمل بحثاً عن الظل، ولكن الرحمة الحقيقية تقبل ليلاً نسيم بردته الصحراء المقفرة ونداه البحر المدمدم هكذا يصف مطر طرابلس التي سيغادرها وحيداً دون رجعة إلى القاهرة ليحتضنه صديق العائلة بعد خروج والده من المعتقل·
نادرة هي الروايات التي تتحدث عن ليبيا، يعرج بنا مطر على ميدان الشهداء الذي ينتصب فيه بفخر سبتيموس سفيروس الإمبراطور الروماني وغدامس وسبراطه ورسوم الكهوف في فزان ويتوقف طويلاً أمام مدينة لبدة التي ذهب إليها في رحلة مدرسية مع زملائه وجارهم ومعلمهم رشيد: لبدة الفينيقية الرومانية المنثورة قرب البحر المتلاطم وأعمدتها الملتوية كعمالقة ضخمة غافية على الشاطىء حجارتها منقوشة باللبلاب المتشابك وعناقيد العنب، الطرقات المرصوفة بالحجارة البيض بعضها يتجه للبحر وعند حواف المدينة انحنت أشجار النخيل كعجائز ثرثارات·
امرأة مختلفة
ولكن مفتاح الرواية الأساسي يكمن في علاقة سليمان بوالدته فهو وحيد والديه، الأب مسافر معظم الأوقات وعندما يسافر تتناول أمه الأدوية التي نعرف أنها الكحول تجلبها خلسة من خباز الحي: كان الدواء يزيغ عينيها ويفقدها التوازن، كانت عندما تمرض تتكلم وتتكلم ولكنها لاحقاً لا تذكر شيئاً من كلامها، كما لو أن المرض ينبش داخلها روح امرأة أخرى·
يصور سليمان فزع قلبه من تلك الحالات المتكررة: ''أشد ما يروعني في تلك الليالي هو التغير الذي يطرأ على ''ماما''، تتلفظ بكلمات تجعل قلبي يختلج وخديّ يتضرجان من الخجل، ويتجمع اللعاب عند زاويتي شفتيها ويفارقها جمالها'' وبالرغم من ذلك فهي صديقة روحه التي دائماً ما تردد: نحن نصفا روح واحدة، صفحتان من كتاب واحد مفتوح، أنت أميري وذات يوم ستصبح رجلاً وتحملني بعيداً على حصانك الأبيض·
إنها أمه الفاتنة الجمال التي يخاف عليها كثيراً في بلاد الرجال بلاد الذكور: اجتاحتني رغبة في أن أجري عائداً إليها أمسك بيدها أتعلق بثوبها وهي تتسوق وتتعامل مع العالم، عالم يزحمه الذكور وجشع الذكور، إنها في مثل هذه الصباحات تغدو دائماً معطاءة ومحرجة، كما لو أنها خرجت عارية!·
والدته التي تقرأ على مسامعه قصتها البائسة عندما زوجت وهي في سن الرابعة عشرة من والده ذي الأنف الضخم والذي يكبرها بعشر سنين، لأنها ضبطت جالسة مع صديق لها في مقهى، إنها المرأة المحرضة التي تطالبه بتمثل نموذج آخر غير شهرزاد·· تلك الجبانة التي فضلت العبودية على الموت·
يحكي سليمان: كنا أنا و''ماما'' نمضي أغلب الوقت معاً، وحراستي لها وما كنت أعتبره آنذاك مرضاً ربطنا منذ تلك الأيام بإلفة أخذت بمجامع أعمق درجات الحب في ذاكرتي، فإذا كان الحب يبدأ من نقطة ما، إذا كان قوة خفية تظهر إلى العلن على يد شخص ما مثل ضوء ينعكس من مرآة، فهي ذلك الشخص بالنسبة لي·
كان هناك غضب، كانت هناك شفقة بل حتى طوق من الكراهية الغامضة الموجهة، لكن الحب كان دائماً موجوداً ودائماً كانت هناك تلك المسرة التي تحيط ببداية الحب·· هذا الحب الذي سينقطع لمدة خمسة عشر عاماً هي أعوامه التي قضاها في القاهرة بعيداً عن نصفه الآخر، بعيداً عن الأم التي سيلتقي بها في محطة الحافلات في الاسكندرية بعد أن أصبح في الرابعة والعشرين من العمر·
علاقة روحانية أدارها مطر ببساطة ويسر وحلاوة لعلها هي ما منح الرواية جلالها·· ولابد ونحن نقرأها أن نسترجع روايتي عبدالرحمن منيف ''شرق المتوسط'' و''شرق المتوسط الآن''، حيث عالم السياسة الوحشي، الاعتقال، التعذيب، الإعدام، النفي·· جزاء من يوصم بالخيانة العظمى للوطن!·
وإذاً ففي ''''251 صفحة يسرد هشام مطر في روايته الأولى نشيد أمومة وطفولة بائسة، إنها كما تقول الروائية (آن مايكلز) رواية توضح لنا أن الحب يبقى هو الحب على الرغم من الخيانة، الحزن، الريبة، الغضب، الارهاب السياسي·