الاقتصادي

الهند تبدأ إخراج المارد الصناعي من القمقم


إعداد- مريم أحمد:

في عالم الاقتصاد العالمي، وبالتحديد في بدايات القرن الحادي والعشرين، يبدو تقسيم العمل بين عمالقة آسيا واضحا للعيان، فالصين التي تُعَدّ بمثابة المصنع الآسيوي الرئيسي؛ تصنع معظم المستلزمات الحياتية الضرورية تقريبا بدءا من الأحذية ووصولا إلى أجهزة الحاسوب· أما الهند، التي تمثل الدعم الرئيسي لمستلزمات المكاتب، فتشتهر بخبرتها العالمية في إصلاح أعطال أنظمة وبرامج الحاسوب، وابتكار أساليب تقنية عملية وفعّالة لمطاردة ديون بطاقات الائتمان، كما يتصف قطاع الخدمات الهندي بنفس القوة والجودة، لكن لا يمكننا قول الشيء نفسه عن قطاع الصناعة في الهند·
لقد فرضت عدة عوامل كضعف البنية التحتية البيروقراطية وقوانين العمل قيودا لم تساعد الهند على إثبات وجودها الصناعي بين دول العالم، وبالتالي اختفى أثر قطاع الصناعة الهندي من على مسرح الاقتصاد الصناعي العالمي، ويُذكر أنه في الفترة من عام 1990 إلى ،2005 كانت مساهمة الصناعة في الاقتصادي الهندي متصفة بالركود، وتتراوح بين 25 في المائة و27 في المائة· وفي الفترة ذاتها، شهدت حصة الخدمات ارتفاعا من 37 في المائة الى 52 في المائة· ووفقا لرأي الخبراء من مجموعة بوسطن الاستشارية، فإنه في عام ،2005 مثّلت الصادرات الصناعية الهندية حوالي 6 في المائة فقط من إجمالي الناتج المحلي الذي يبلغ بدوره حوالي 37 مليار دولار أميركي، وذلك مقارنة بنسبة 35 في المائة مثّلتها الصادرات الصناعية الصينية من إجمالي ناتجها المحلي الذي يبلغ حوالي 712 مليار دولار أميركي· الجدير بالذكر أن حوالي 60 في المائة من الصادرات الصناعية الصينية مصدرها الشركات التي تتخذ مقرا لها خارج الصين· وقال ساكين ناندغاونكار، مدير شركة ''بي سي جي'' بمكتب نيودلهي: ''حتى يومنا الحالي، لعبت الهند دورا بارزا في وضع بصمتها الصناعية، ولو قمنا بمقارنة ذلك بما كان حاصلا قبل خمسة أعوام، فسنكتشف أن الأمور قد تحسنت بشكل كبير''· ومما قد لا يكون واضحا للعيان، فقد تغيرت الأمور بسرعة واضحة حسب رأي الخبراء في ''بي سي جي''، حيث يبدو أن الصين بدأت تحرير ''المارد الصناعي'' من قمقمه!
وبسبب الدور الكبير للسوق المحلية القوية، وانخفاض تكلفة العمالة التي تملك خبرات ومهارات تقنية متقدمة، قامت الكثير من شركات الاستثمار متعددة الجنسيات ببدء عمليات التصنيع الخاصة بها في الهند، ويذكر أيضا أن شركات عالمية شهيرة في مجال صناعة السيارات، كشركة فورد، هيونداي وسوزوكي، جميعها تصدر السيارات من الهند بأعداد كبيرة، وشركات أخرى عالمية لتصنيع الهواتف كشركتي نوكيا وموتورولا، جميعها إما تقوم بتصنيع أجهزة الهواتف خاصّتها في الهند أو أنها تملك خططا للبدء بذلك، مع امتلاك الهند لنصيب كبير من الإنتاج الذي يتم تصديره·
مصانع متطورة
وقامت شركات عالمية أخرى شهيرة في عالم الالكترونيات كشركة سيمينز، وشركة ''آي بي بي'' و''هونيويل''، بإقامة عدد من المصانع لتصنيع المنتجات الالكترونية والكهربائية المنزلية لطرحها في أسواق الهند المحلية لتصديرها كذلك لأسواق العالم· علاوة على ذلك، يذكر أن عددا من شركات التصنيع الهندية التي تنافس على مستوى عالمي، ومعظمها في مجال صناعة السيارات، قد أدرجت نفسها بقوة في سلسلة الإمداد والتوريد العالمية، وعلى سبيل المثال نذكر شركة ''ساندرام فاستنرز'' الهندية التي تقوم بتصنيع أغطية المُوَلدات لشركة جنرال إلكتريك، وشركة ''موسِر باير''، ومقرها العاصمة الهندية نيودلهي، والتي أثبتت أنها من أبرز المُصَنّعين لمُعدات التخزين المعلوماتية والبيانات كالأقراص المدمجة وأقراص الـ''دي في دي''· وكذلك مجموعة طموحة من شركات تصنيع الأدوية الهندية، والتي يذكر أن الهند تملك حوالي ستين مصنعا للعقاقير الطبية، حيث قال أريندام باتاتشاريا، مدير ورئيس لجنة الإنتاج الصناعي في شركة ''بي سي جي'': ''في السنوات الخمس أو الست الماضية، قامت العديد من الشركات بإعادة هيكلة عمليات التصنيع خاصّتها، وشاركت في ممارسات صناعية على مستوى عالمي، وقد بدأت تلك الشركات بالفعل ببناء قاعدة صناعية تنافسية عالميا في العديد من الصناعات، كصناعة الأدوية والعقاقير والأغذية، ومكونات السيارات، والدراجات النارية''·
يذكر أن عملية تطور وازدهار الصناعة الهندية لا تزال في مراحلها المبكرة الأولى، لكن من الواضح تماما أنها ستختلف عن النهضة الصناعية الصينية أوتلك التي تشهدها دول شرق آسيا· وقال داليب باتاك، المدير التنفيذي في شركة واربورغ بينكاس، التي تملك استثمارات عدة في كل من الصين والهند: إن البنية التحتية في الصين بالإضافة الى تركيز الحكومة الصينية على توفير فرص العمل للجيل الجديد من خلال إتاحة الفرص وتمهيد الطريق للمصنّعين، قد عمل على تحويل الصين إلى اختيار مميز وممتاز للمشاريع الاستثمارية الصناعية طويلة الأمد· وتمت الإشارة إلى أنه لا تزال عملية الإبحار نحو الازدهار الصيني تحتاج إلى مرونة أكثر، فلا تزال معدلات التعليم ومحو الأمية متخلفة عن معدلات محو الأمية في دول شرق آسيا، كما أن متوسط إنتاجية العمالة غير الماهرة في الهند تعد أقل بكثير عن مثيلتها في كل من الصين أو فيتنام· الجدير ذكره كذلك أن قوانين العمل الصارمة والتقييدية، كأن تحتاج شركة ما لموافقة الحكومة بشأن توظيف ما يزيد عن مائة عامل جعل من الهند وُجهة غير مفضّلة للكثير من الصناعات القوية التي تتطلب أعدادا كبيرة من العمّال والموظفين، ومن أمثلة تلك الصناعات نذكر صناعة الأحذية والألعاب· ومن العقبات والعوائق الأخرى في طريق ازدهار الصناعة الهندية، ارتفاع تكلفة الكهرباء، الطرق غير المعبدة، والموانئ المغلقة· وفقا لإحصائيات المؤسسة المالية الدولية لشهر سبتمبر من العام الماضي ،2006 فإن عملية تأسيس عمل أوالبدء بمشروع تجاري معين في الهند يحتاج إلى حوالي 35 يوما، مقارنة بخمسة أيام فقط في الولايات المتحدة، وثمانية عشرة يوما في المملكة المتحدة، أما في الصين فيستغرق الأمر نفس المدة، 35 يوما، وفي تايلاند حوالي 33 يوما، لكن ذلك أفضل بكثير من البرازيل، التي تستغرق عملية البدء بمشروع استثماري ما فيها حوالي 152 يوما· ونتيجة لذلك، كما يقول سايكات شودري، أستاذ الإدارة في جامعة وارتون: إن ''الطلب المحلي يقود ويتحكم بدرجة كبيرة بعمليات التصنيع العالمية التي تتم في الهند''، ويشير إلى بعض شركات التصنيع الشهيرة في مجال صناعة الهواتف النقالة، كشركة ''إل جي''، ونوكيا، وشركة موتورولا، وإلى شركات تصنيع السيارات كشركة فورد، هايونداي وتويوتا·
وتغير الوضع قليلا، وعلى سبيل المثال قامت شركة هيونداي مؤخرا باختيار الهند لإقامة مصنعها الوحيد في مجال صناعة السيارات الصغيرة في الهند، ووفقا لبيانات وإحصائيات شركة ''بي سي جي''، فقد ارتفعت نسبة المبيعات المحلية السنوية الهندية في سوق السيارات من 265 ألف سيارة تم بيعها في عام ،1995 إلى حوالي 820 ألف سيارة في عام ·2005 ويذكر أنه في الأشهر الثمانية الأولى من السنة المالية الماضية، قاربت مبيعات السيارات محليا في الهند حوالي 870 ألف سيارة· ومن ناحية أخرى، تشير الإحصائيات إلى أن الهنود يبتاعون شهريا ما يزيد عن 3 ملايين هاتف نقال جديد· وأشار شودري إلى أنه ''كلما زاد الطلب المحلي، كان من المنطق بناء سلسلة إمداد وتوريد قوية، وستكون هذه هي الطريقة المثلى كي تتمكن الهند من تحسين بنيتها التحتية وجذب المزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر·''· ويتوقع دافيد سنايدر، المدير التنفيذي في قسم التطوير بشركة فورد آسيا باسيفيك، أن يتضاعف سوق السيارات الهندي بما في ذلك عربات الخدمة، خلال العقد المقبل من حوالي 1,4 مليون سيارة وعربة إلى ما يقارب 2,8 مليون سيارة وعربة· من ناحيته، قال ناندوغاوونكار، من شركة ''بي سي جي'': ''أرى أن هناك قصة تتكشف وتتضح أحداثها عن مستقبل التصنيع في الهند، وذلك من خلال مزيج من نمو الطلب المحلي والمنافسة التصديرية الماهرة''·