عربي ودولي

كيف وضع نيتشه الفلسفة على مطرقة النقد الجذري؟

علي الربيعي:

وجّه الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه Friedrich Nietzsche نقداً صارماً لمشروع الحداثة الغربية، مستهدفاً في مطرقته النقدية أسس اليقين المعرفي وقيمه الكبرى متمثلة في مفهوم العقل، وفي فلسفتي الذات والوعي، وفي أيديولوجيا التقدُّم، وفي غائية التاريخ·لم يتوقف النقد النتشوي عند زعزعة القيم، بل تجاوزها إلى كل بديهيات العقلانية الغربية· فقد رفض نيتشه القول بمنطقية الوجود، أو اعتبار الحقيقة مطابقة بين الفكر والوجود استناداً إلى منهجية الاستدلال المنطقي التي تعد تقليدا في الفكر الفلسفي الغربي· إنه يروم إلى اقتلاع الشجرة التي نما وتطوَّر بها الفكر الغربي في كل فروعه، أي تدمير البناء الذي تأسَّس أصلاً على ما يطلق عليه ''القابلية للانحلال، وعلى قيم الضعف والهشاشة''·
كذلك قام نيتشه بقلب نسقية الفلسفة الأفلاطونية بوصفها البنية الأساسية للفكر الميتافيزيقي والديني المسيحي القائم على ثنائيات أخلاقية ومعرفية، وعلى أساس نظام القيم السائدة· فلم يتردَّد من تفكيك مجمل الثنائيات الأخلاقية، وعلى رأسها قيمتي الخير والشر بوصفهما أساس الفكر الديني، بل والعمود الفقري للميتافيزيقا الغربية، مقابل إعطاء الأولوية للشروط الحيوية لإنتاج المعرفة متمثلة في ''إرادة الحقيقة'' التي هي التعبير المكثف عن إرادة القوة·
لقد خصَّص نيتشه لموضوعة ''إرادة القوة'' مؤلفاً مستقلاً بهذا الاسم مع عنوان فرعي هو ''بحث في التجاوز القيمي لجميع القيم'' رفض فيه كل مؤسسات القيم القائمة متمثلة في أنظمة الأخلاق والفلسفة الميتافيزيائية والدين المسيحي، وأدى إلى تأسيس قيم لم تؤسِّس بعد، قيم إرادة القوة على أساس أن إرادة القوة هي المبدأ الذي به يكون الكائن!
قامت مطرقة النقد الجذري النتشوي بتوجيه ضربات قوية لدعامات الثنائيات الوجودية والفكرية التي تظهر في متقابلات مفهومية مثل: الحقيقة والخطأ، الحسي والعقلي، الجسد والروح، الظاهر والباطن، والفكر والوجود· لقد اتخذ نيتشه من الفلسفة الأفلاطونية موضوعاً مركزاً للنقد والهدم بوصفها المرتكز والبنية الأساسية للفكر الميتافيزيقي برمته، كما عدَّ المسيحية رمزاً للعقيدة الدينية عامّة، وذلك من خلال الكشف عن جذورهما الخلقية والنفسية· فـ ''المنهج الجينالوجي'' الذي ابتكره نيتشه تقوم مهمته الأساسية في تتبع نشأة الميتافيزيقا الغربية كذلك أشكال تمثلها، والكشف عن منظومة القيم الخلقية الملازمة لها بالإحالة دائماً إلى الشروط الوجودية والنفعية المتأصلة في صميمها، أي الكشف عمّا يسكنها من رهانات ومصالح تكون الأسباب الفعلية المنتجة لها· وأن المسيحية ليست إلا أفلاطونية كُتبت بلغة مجازية مبسطة لا غير· فنيتشه يرى أن ما هو مشترك بين الميتافيزيقا الأفلاطونية واللاهوت المسيحي هو إقامة المتقابلات الثنائية الصارمة عن نظام الوجود والمعرفة، مع نظرة سلبية بل احتقارية لكل ما هو مادي ومتغير لصالح عالم أخروي ثابت وأزلي·
تتويجاً لهذا المشروع النقدي، ينتهي نيتشه إلى تأسيس نظرية جديدة في الحقيقة والمعنى استناداً إلى ما يسميه بـ ''المنظورية المعرفية'' التي تفقد الوجود كل مرتكزاته الماهوية والجوهرية، وتحوّله إلى ضرب من المجازات والأعراض الدالة، وأن فكرة التعالي لا تعد إلا هامشية وعديمة الفائدة لابد من التخلُّص منها؛ فهي تشطر الوجود إلى ''عالم فوقي كامل وثابت'' و''عالم دنيوي ناقص ومتغير''، وما يستتبع ذلك من مقابلات أخلاقية بين الخير والشر، والجميل والقبيح، والصدق والكذب·
إن هذه المتقابلات الأخلاقية ـ من وجهة نظره ـ ليست تحديدات وجودية ثابتة بقدر ما هي رموز تأويلية لها مسار وتاريخ· ولذلك عمل نيتشه في مؤلفه ''أصل الأخلاق وأصولها'' على البحث عن الأصول التكوينية لمثالي الخير والشر كاشفاً عن مسار تطورهما وتحولاتهما استناداً إلى معادلة العلاقة بين الضعفاء والأقوياء·
مع تفكيك ''فكرة التعالي'' يصبح العالم فاقداً لكل أساس أخلاقي ميتافيزيائي، والى كل مستند وجودي ضامن، ويحال الأمر مشهداً تأويلياً منظورياً لا غير· إن عمل نيتشه هذا في تغييب فكرة التعالي يفقد الوجود الدلالة والغاية كما يقذف بالإنسان في دوامة الفراغ العدمي· ففي مؤلفه الشهير ''إرادة القوة'' يصف نيتشه هذه العدمية بأنها حركة الإنسان من ''المركز'' باتجاه ''المجهول'' بما يشبه حركة التيه والضياع، فبغياب المركز المجهول تتداخل الاتجاهات والمسارات إلى الحد الذي لم يعد من الممكن التمييز بين اتجاه فوقي وآخر سفلي، وما إذا كان تقدماً أم تراجعاً؟ وهذا الامر يشبههُ نيتشه بالاكت شاف الكوبرنيكي الذي افقد الإنسان كبرياءه النرجسيّ من خلال زعزعة فكرة ''مركزية الأرض''· وهذه الحالة العدمية يعدها نيتشه مساراً طبيعياً لحركة القيم الغربية ذاتها حينما تعيد التفكير في نفسها فتكشف أن جوهرها هو الفراغ والعدم، وهي إلى جانب ذلك، علامة على ارتقاء ونضج الوعي·
يرى نيتشه أن كل معرفة بالوجود والحقيقة هي تأويلية من موقع العلاقة المنظورية· وخلاصة ذلك أن فلسفة نيتشه لم تبق من الوجود إلا طابعه العرضي الزائل، نافية، في الوقت نفسه، المقابلة بين العرضي والجوهري، ولم تستبق من المعرفة غير طابعها التأويلي النسبي، فالذات المؤوِّلة ليس لها من معرفة الوجود غير ذاتها وشروطها الحيوية، ذلك أن ''الإنسان لا يجد في الأشياء، في نهاية المطاف، غير ما صنعه هو بنفسه''·
بناء على ذلك لا توجد ذات قصدية واعية تكون مرتكزاً للعملية التأويلية، ولا توجد موضوعات خارجية مستقلة عن هذه الذات، ولكن كل ما هنالك منظورات متباينة ومتزاحمة، أي عملية من التأويلات المستمرة والمتناسلة التي لانهاية لها، فما من تأويل إلا ويؤدي إلى تأويل آخر، وما من قراءة إلا وسبقتها قراءات أخرى وهكذا؛ وذلك لأن الوجود ـ في نهاية المطاف ـ ليس إلا أعراضاً وسطوحا لا ماهية لهما· وتمثل دعوة إلغاء كل ما هو متعال التي أطلقها نيتشه تعبير عن تصدُّع جميع الضمانات التي كانت تسمح بتعقُّل العالم، وتطويحا بكل المرتكزات وجميع الماهيات، بما في ذلك الإنسان نفسه الذي أصبح مجرَّد كائن يمزِّقه التشتُّت والاختلافات في وجود عرضي لا ماهية له أصلا· بل إن القول بإلغاء فكرة الكائن المتعالي سيفسح المجال أمام القول بموت الإنسان نفسه، أي نهاية النزعة الإنسانية التي كانت تعد الذات القصدية والواعية مصدراً ومرتكزاً لإنتاج القيم والمعاني·
لقد أصبحت الذات في فلسفة نيتشه مفعولا للعملية التأويلية، وهي بذلك مجرَّد لحظة متلاشية وسط عالم لا مرتكز ولا قيمة نهائية له· وبذلك تنتهي الفلسفة النتشوية بنزعتها الجامحة المتمرِّدة على مواريث الفلسفة الميتافيزيقية الغربية إلى إفراغ الوجود من كل أعماقه ودواخله؛ فلا تبقى منه إلا حركة اعتباطية لا بداية لها ولا نهاية، حركة يسميها نيتشه بـ'' العود الأبدي''، ولا تبقى من معنى الحياة والعالم غير إرادة القوة المحضة، وقد صرح نيتشه بذلك في قوله: ''هل تريدون أسماء لهذا العالم وحلاً لجميع أسراره وألغازه؟ إنها إرادة القوة ولا شيء غيرها''· وبذلك ينتهي المشروع النقدي لنتشه، على ضخامته، إلى فسح المجال أمام خلقية العدمية واللامعنى في عالم ''كلّه بشاعة وفوضى وعبث'' على حدِّ تعبيره·