هل يندرج قرار الحظر الذي أصدرته حكومة الولايات المتحدة ضد شركة «مختبرات كاسبيرسكي» الروسية للأمن الإلكتروني، ضمن نطاق «الاحتياطات العقلانية» المبررة، أم أنها تندرج ضمن نطاق الإجراءات الحمائية التجارية الفجة؟ يمكن أن يتعلق الأمر بالسببين معاً؟ إلا أن هذا الحظر يُنظر إليه على أنه أقل أهمية وفقاً للاعتبارات العادية للأشياء بدلاً من أهميته على صعيد الطبيعة التي تخلو من الحدود الجغرافية لصناعة الأمن الافتراضي وللصناعة التكنولوجية بشكل عام. ولقد تم الإعلان عن حجّة احترازية تبدو مقنعة للوهلة الأولى من خلال بيان صادر عن الوزارة الأميركية للأمن الداخلي جاء فيه أن «منتجات وحلول شركة كاسبيرسكي المضادة للفيروسات الحاسوبية تنطوي في مضمونها غير المنظور على إمكانات واسعة النطاق لاختراق الملفات، وتمنحها امتيازات متنوعة على التحكم بأجهزة الكمبيوتر التي يتم تنزيلها عليها». ولا شك أن هذه الاعتبارات تتطابق مع حقائق قائمة بالفعل لا يمكن إنكارها. وجاء في البيان أيضاً أن في وسع الحكومة الروسية أن «تطلب من الحكومة الأميركية المساعدة من الشركة الروسية أو تجبرها على طلبها»، وهذا يتطابق أيضاً مع الحقائق التي تترتب على طبيعة التعامل بين الطرفين. ويمكن للكرملين أن يفرض أي مستوى يراه مناسباً للضغط على أي شركة تتعامل مع الشركات الروسية، و«كاسبيرسكي» هي واحدة من تلك الشركات. وصحيح أن «مختبرات كاسبيرسكي» سمحت للولايات المتحدة بالتحقق من شفرات المرور إلى مصادرها، إلا أن هذا التحقيق يمكن أن يتوقف عند تغيير تلك الشفرات بعد ذلك وفي طرفة عين. ويكون في وسع حكومة الولايات المتحدة أيضاً أن تتولى بنفسها إجراء الاختبارات التقنية على منتجات "كاسبيرسكي" كلها من خلال تحميلها على «خادم العسل» honey server، وهو برنامج تطبيقي بالغ التعقيد لكشف الفيروسات والديدان الحاسوبية، من أجل الكشف عن أي نشاطات إلكترونية مشبوهة أو خطيرة. ولكن، ماذا يمكن أن يحدث لو كانت الحكومة الروسية تحتفظ بـ «سلاح كاسبيرسكي» لترتيب هجوم مفاجئ وكاسح على الأنظمة الإلكترونية للوكالات الاستخباراتية الأميركية كلها؟. لا شك أن إطلاق الجهود الحكومية الأميركية التجسسية يمكنها أن تقضي تماماً على نشاطات شركة «كاسبيرسكي» برمتها، والتي لا تزيد عوائدها السنوية على المستوى العالمي عن 600 مليون دولار. فهل ستهتم الحكومة الروسية بهذه الخسارة التافهة لو أنها شعرت بأن أمنها الوطني، سوف يتحصّن أكثر عن طريق «تجييش واستغلال» شركة كاسبيرسكي في بعض اللحظات الجيوسياسية الحرجة؟. والجواب هو بكل تأكيد: كلا. وسألت «كوستين رايو» رئيس فريق البحوث في شركة كاسبيرسكي عن طريق البريد الإلكتروني حول ردّه على مثل هذه التهم التي قد تتعرض لها الشركة، فقال: «نحن نواجه في صناعتنا نوعين من الزبائن: أولئك الذين يقومون بأفعال ونشاطات هجومية مثل تفكيك البرمجيات أو زرع الأدوات التجسسية، أو ممارسات متنوعة أخرى تنتهي بمساعدة الحكومات على تنفيذ مهماتها التجسسية. ويتألف النوع الثاني من أناس يجندون أنفسهم لخدمة المستخدمين والوقوف في صفّهم وحمايتهم من الهجمات الإلكترونية الضارّة وابتداع البرمجيات التي تحمي أجهزة الكمبيوتر وتخلق كل أنواع المشاكل والصعاب الممكنة في وجه الوكالات التجسسية. ولقد بقيت شركة مختبرات كاسبيرسكي خلال الأعوام العشرين التي انقضت على تأسيسها، تناضل إلى جانب المستخدمين. وهي التي تمكنت من ابتداع أحد أفضل البرمجيات المتخصصة بالأمن الحاسوبي في العالم، ولم توظّف إلا أكثر الناس التزاماً بالمعايير الأخلاقية الرفيعة التي تتمسك بها. ولقد اعتاد كل واحد من خبرائنا أن يضع نصب عينيه بأن من أكثر الأعمال بعداً عن الممارسة الأخلاقية هو الإساءة لثقة المستخدم عن طريق تنزيل نظام للتجسس تابع لأي دولة كانت. وحتى لو تمكن أحد الخبراء من تسريب مثل هذا النظام وزرعه في أحد البرمجيات التي تبتدعها الشركة بطريقة ما، فلا بدّ أن ينكشف أمره عن طريق بقية الخبراء الذين يعملون فيها والذين يفوق عددهم 3000». ويبدو من خلال هذا الطرح وكأن الشركة تطلب من العالم الأخذ بصدق نواياها الأخلاقية من دون جدال لمجرد أنها تلتزم بنقاء سمعتها. ومن المعروف أن برمجيات ومنتجات كاسبيرسكي المضادة للفيروسات اقتربت من القمة من حيث استئثارها بسمعة عالمية طيبة بالمقارنة مع منتجات شركات أخرى تعمل في الاختصاص ذاته، ولا شك أن هذه السنوات الطوال من الأداء الناجح ستكون لها قيمتها في نظر مسيريها. ولقد أثار التهجم عليها اهتمام الكثير من المعلقين الذين أشاروا إلى الحقيقة التي تفيد بعدم اتخاذ أي قرار من أي من الدول الحليفة للولايات المتحدة بمتابعة الموضوع. ومؤخراً، قال وزير الداخلية الألماني «توماس دو مايزيير» أن لحكومته «تجربة إيجابية» مع شركة كاسبيرسكي. وأشار إلى أن تحرّك الولايات المتحدة ضدها «تعوزه المزيد الاختبارات الجديدة إلا أنه لا يرقى إلى مستوى إفساد أو تغيير علاقتنا بالشركة». كما أن الحكومة الكندية التي تربطها علاقات استخباراتية بالولايات المتحدة أقوى من التي تربط ألمانيا بها، لم تتحدث عن أي قرار بحظر منتجات شركة كاسبيرسكي. ومن شأن هذه المواقف أن تنفي المزاعم الأميركية التي وصفت الأمر بأنه يندرج ضمن إطار «الاحتياطات العقلانية» لسبب بسيط. فلو كانت الولايات المتحدة بالفعل ليست آمنة من الخطر الافتراضي لـ «تجييش منتجات كاسبيرسكي» فلماذا لا تشاركها الدول التي تتبادل معها البيانات والمعلومات الحساسة الشعور بهذا الخطر؟. وهناك سبب آخر لعدم التفات بعض الحكومات الأخرى للتحرك الأميركي خلال هذه الفترة على الأقل. وهو أن «كاسبيرسكي» اثبتت أنها شركة يمكن الاعتماد عليها في إنجاز مهمات الكشف عن الأخطار والتهديدات الافتراضية التي يمكن أن تنشأ في مجتمع المعلومات الأميركي. وأحد الأمثلة عن ذلك هو اكتشاف دودة مشبوهة في أنظمة وكالة الأمن الوطني تدعى «ملكة طروادة» Regin Trojan ونجحت في اكتشافها شركة كاسبيرسكي بالتعاون مع شركة «سيمانتيك» الأميركية عام 2015. ويمكن القول إن المنطق الذي استند إليه البيان الصادر عن وزارة الأمن الداخلي الأميركية من احتمال أن تعمل شركة كاسبيرسكي بالتعاون مع الحكومة الروسية لا يمكن أن يندرج إلا ضمن إطار التهديدات الافتراضية التي تختلقها الولايات المتحدة بنفسها وتبادر هي ذاتها إلى تصديقها. ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»