مقولة شهيرة كتبها الشهيد غسان كنفاني في إحدى رسائله إلى غادة السمان، قال فيها: «إن قيمة كل كلماتي كانت في أنها تعويض صفيق وتافه لغياب السلاح». والشهيد كنفاني كما نعلم هو أحد المنظرين الأوائل لـ«العنف الثوري» الفلسطيني في مواجهة الصهيونية، والتصاقه (كمثقف في الأساس) بالعمل الفدائي لم يكن في البداية ارتباطاً تنظيمياً، بل كان ارتباطاً وثيقاً بفكره السياسي، وبقناعاته، وبالنهج الذي دافع عنه حتى لحظة استشهاده، وهو أن نضال الشعوب لا يكون حقيقياً بلا مقاومة فعلية. كتاب «حوار مع معين الطاهر.. الكتيبة الطلابية: تأملات في التجربة»، الذي أعده كل من إلياس خوري وميشال نوفل، كان بمثابة شهادة مباشرة من شاهد عيان، بل من قائد مباشر، عن تجارب مناضلي «الكتيبة الطلابية» الفتحاوية التي تحولت فيما بعد إلى «كتيبة الجرمق» في قوات العاصفة، واليوم يجيء كتاب معين الطاهر «تبغ وزيتون.. حكايات وصور من زمن مقاوم»، والذي يسجل في فصوله الثلاثة عشر سيرةً ذاتية جماعية، هي سيرة معين الطاهر التي تبدأ برفض هزيمة يونيو 1967، وبالتالي الانضمام لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح)، ثم تصبح سيرة تنظيم «فتح» الطلابي، في الأردن ثم في لبنان، وصولاً إلى ممارسة النشاط العسكري المنظم مع تأسيس السرية الطلابية، ثم «كتيبة الجرمق»، والذي شكل جزءاً من تيار استثنائي في الثورة الفلسطينية عموماً. «الطاهر» يعيدنا إلى ذلك الوقت حين أرشد فيه المثقف البندقية، وباتت هي الأساس لمقارعة الاحتلال. تلك البندقية التي حملها على أكتافهم رجال واجهوا الواقع بشجاعة خالصة، وكأنني بقصصهم تتحول اليوم إلى ملاحم تراثية، وجدت لنفسها مكاناً في صفحات الكتاب لتعرفنا بما أنجزوه في أوقات المواجهات الحقيقية، بل وبكل التضحيات الممكنة، وفي الحقيقة الكتاب ليس سيرة ذاتية منغلقة على نفسها، بقدر ما هو إضاءة على سيرة جماعية مكتملة بشخوصها وحوادثها. ولعل من أجمل ما هدف إليه الكتاب الحديث عمن أسماهم «الشهداء الأحياء»: «وهم من زالوا بين ظهرانينا لم يُكتب لهم الاستشهاد، وإن كانوا قاب قوسين أو أدنى منه، لامست الشهادة شغاف قلوبهم ثم ارتدت إلى غيرهم»، وهو في شهادته يروي عن بعض هؤلاء الجنود المجهولين، وفي السياق ذاته يتطرق الطاهر، فضلاً عن قصص أخرى، إلى شخصية الشهيد «علي أبو طوق» كنموذج لمن يناضل في سبيل تحرير الأرض (فلسطين) من أقرب نقاط التماس المتاحة له، في الجنوب اللبناني، بعيداً عن المكاسب الشخصية، و«أبو طوق» هو في الأصل أحد مؤسسي وقادة «كتيبة الجرمق»، وحين يكرس الطاهر صورة أبو طوق، القائد العسكري المؤمن بمبادئه، يستكمل بإظهار (أبو طوق) الإنسان، الذي يسعى للحياة لنفسه ولغيره، فالإنسان هو القضية، وهذه من أهم الخلاصات التي يتذكرها جيل «الكتيبة الطلابية» التي أوجدت مساحة لسجال الأفكار وتفاعلها ضمن تجربة عسكرية مؤسسة على المسلكية الثورية وتطوير الذات وبناء المقاتل الفدائي المثقف، فالأساس هو البناء، وأول البناء بناء الإنسان، النقيض للموت. لقد ركز «الطاهر» في مؤلفه على وصف المعارك الكثيرة وتفاصيلها، في لبنان، وداخل فلسطين التاريخية، قبل الحرب الأهلية في لبنان وخلالها، وقبل الاجتياح الإسرائيلي وخلاله، ثم في الفترة التي أعقبت كل ذلك أيضاً، لكن من أبرز ما يلفت النظر في الكتاب، ما تحدث فيه الطاهر عن عمليات غير معروفة، قامت بها «كتيبة الجرمق» بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت. غير أن المؤلف يسارع إلى الإعلان عن هدفه من وضع الكتاب: «كان طموحي في الأساس أن نتمكن من كتابة ذاكرة جماعية يساهم فيها كل من شارك في بنائها بجزء ولو يسير منها». هذه الذاكرة الجماعية لم تظهر فقط في عمل «الكتيبة» العسكري، بل في تلك الحميمية بين عناصرها (أبطالها)، فهم «مقاتلون من أجل الحرية» يستمدون قوتهم من معنى الحياة وقيمتها. يركز الكتاب على توثيق ما قدمه رواد هذه التجربة النضالية الفلسطينية، الذين كان لهم دور مميز في «الزمن الجميل» للثورة الفلسطينية فيما مضى. ومع أن الجوانب التي يمكن الوقوف عندها في الكتاب عديدة، لكن ربما من أجمل ما ورد فيها قصة ذلك الصمود في قلعة شقيف في الجنوب اللبناني التي توضح تفاصيلها الكثيرة روح الثورة الفلسطينية بكل مشاركيها من فلسطينيين وعرب آخرين، حيث يقدم المؤلف تفاصيل مهمة جداً عن هذا الصمود، عبر عملية تحصين القلعة وتجهيزها بل وإعادة تجديدها، وكيف اشتركت القوات والفصائل القتالية، ووحدة الهندسة، والميليشيا، والتنظيم الطلابي، ومجموعات المتطوعين، والمشغل المركزي، وطلاب الجامعات وطالباتها، وفصائل عسكرية، ومرافقون للقائد العام (ياسر عرفات) في ذلك الصمود. ما أحوجنا، في هذا الوقت الباهت لكل هذه المعاني الناصعة التي تستدعي حكايات بطولية شائقة عن رواد مناضلين قدموا تضحيات بحسب قدراتهم المتفاوتة في سبيل فلسطين وضربوا أروع الأمثلة.