في خطابه الافتتاحي، رسم الرئيس دونالد ترامب صورة لأميركا تظهرها كأمة، تتعرض لتحديات واسعة النطاق، وكفضاء من المصانع الصدئة المتناثرة، تنادي مطالبةً برجل قوي يرفع شعار «أميركا أولاً»، ويحول بين العالم وبين سرقة وظائفنا. كان هذا الخطاب سلبياً من نواحٍ عديدة، وهو ما دفع الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، إلى وصف الخطاب بأنه «كان شيئاً غريباً حقاً». لقد كان الخطاب غريباً بالفعل، ولكن هل كان كله خطأ؟ لمعرفة الإجابة، قررت القيام برحلة بالسيارة لمدة أربعة أيام، عبر قلب هذا المشهد، الذي تحدث عنه ترامب، حيث بدأت من أوستن، بولاية إنديانا، مروراً بـ«أبالاشيا»، وصولاً إلى«مختبر أوك ريدج الوطني» في ولاية تينيسي. وقد تبين لي أن تشخيص ترامب صحيح بنسبة 50 في المئة، ولكن العلاج الذي وصفه أختلف معه. فنحن بالفعل لدينا وباء، يمكن وصفه بوباء المجتمعات الفاشلة، ولكن لدينا أيضاً وفرة من المجتمعات المزدهرة. وفي الحقيقة، أن الفكرة القائلة إن أميركا أمة موزعة بين ساحلين يفترض أنهما مزدهران، ومتعددان، ومتعولمان، يقع بينهما داخل شاسع المساحة، اختفت فيه الوظائف، وتفشى إدمان المخدرات، وبات كل واحد فيه يأمل أن يتمكن ترامب من إعادة سنوات الخمسينيات التي لا تنسى، فكرة غير دقيقة من وجهة نظري. فالانقسام الكبير في أميركا، ليس انقساماً بين ساحلين وداخل، وإنما هو انقسام بين مجتمعات قوية، ومجتمعات ضعيفة. والمجتمعات التي تنجح في تحقيق أهدافها، تشترك فيما بينها في سمة رئيسة، تتمثل في أن هذه المجتمعات خلقت تحالفات متنوعة، قادرة على التكيف، وتنخرط فيها المشاريع التجارية المحلية انخراطاً كثيفاً في المنظومة التعليمية، من أجل تخريج أفراد يتمتعون بالمهارات المطلوبة في الاقتصاد العالمي. وقصص النجاح في المجتمعات التي زرتها، كانت كلها تبدأ من القاع إلى القمة، أما قصص الفشل فكانت في المجتمعات، التي انهار فيها هذا القاع. وقد بدأت رحلتي في واحد من تلك المجتمعات التي توصف بأنها مجتمعات من دون قاع، وهو مجتمع بلدة أوستن الصغيرة، بولاية إنديانا التي وصفت في سلسلة بديعة من التحقيقات في صحيفة «لويزفيل كوريير- جورنال» بأنها «مركز لكارثة طبية». وتؤكد المراكز الفيدرالية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، أن أوستن «تضم أكبر نسبة لانتشار وباء الالتهاب الكبدي الفيروسي (سي) الناتج عن تعاطي المخدرات، في أميركا الريفية»، وأن نسبة إصابة سكانها بهذا المرض، التي تصل إلى 5 في المئة «تقارب نسبتها في بعض الدول الأفريقية». وقد اخترت أن أذهب إلى هناك لمقابلة طبيب البلدة الوحيد «ويل كوك» الذي علمت من خلال سلسلة تحقيقات «كوريير جورنال» بالجهد الخارق الذي يبذله من أجل معالجة هذا الوضع. علمت هناك أن اقتصاد أوستن، وعلى مدى أجيال، كان يرتكز على نشاط «مصنع مورجان لتعليب الأطعمة» ولكن، وكما قالت الصحيفة «تعرضت البلدة في فترة أحدث، لسلسلة من الضربات الاقتصادية القوية المعتادة في العديد من المجتمعات القائمة على الصناعة، والتي أدت إلى إغلاق العديد من المشاريع التجارية في البلدة. وشرح لي «كوك» أن أوستن وقعت فريسة لدوامة من تقلص وظائف العمال، وهو ما أدى إلى نتائج اقتصادية، وانهيارات اجتماعية منها تفشي البطالة، والفقر الجيلي، والتشرد، وانتهاك الطفولة، والإهمال. ومع ذلك، فإن ما حدث في هذه البلدة مؤخراً، وكما قال لي «كوك»، هو إن الآفاق المستقبلية فيها بدأت في التحسن، لأن مجتمعها تنادى لا لكي يتعاطى المخدرات عن طريق الحقن على نحو مشترك كما كان يحدث، وإنما لبدء مشاريع، وترقية التعليم، ومساعدة الآخرين على الارتقاء. وقال لي «كوك» إن الأفراد الأصحاء هم فقط القادرون على بناء أسر صحية، وإن كل ذلك يتطلب أساساً من الثقة المتبادلة، وأضاف: «ومثل هذا النجاح لا يمكن أن يأتي من الخارج، وإنما لابد أن يكون نابعاً من الداخل». ولكن قيادة السيارة لمدة 40 دقيقة، على امتداد الطريق السريع من أوستن أوصلتني إلى مدينة «لويزفيل» حيث قابلت عمدتها «جريج فيشر». ووجدت المدينة مفعمة بالطاقة، والحيوية، والمباني الجديدة. وقال لي فيشر «إن الانتفاضة التي كتبت عنها في الشرق الأوسط تحدث في الوقت الراهن في قطاع من أميركا الريفية وأميركا الحضرية»! و«لويزفيل» عندها قصة يحكيها عمدتها الذي يقول: «لدينا 30 ألف فرصة عمل متوافرة. ولدي لويزفيل، لأسباب عديدة، رؤية للكيفية التي يمكن بها للمدينة أن تتحول إلى منصة لازدهار الإمكانات البشرية». فخلق الوظائف، يقود إلى خلق مجموعة من المشاريع التجارية التي تقدم منتجات نهائية جاهزة للتسليم السريع، وخصوصاً إذا ما عرفنا أن «لويزفيل» هي المركز الجوي لخدمة UPS للبريد السريع على مستوى العالم. كما قامت جامعة كنتاكي فيها بإنشاء قطاع صناعي متطور. وفي الأخير، أرني مجتمعاً يفهم عالم اليوم، ويعمل أفراده معاً من أجل الازدهار من داخله، وسأريك مجتمعاً في حالة صعود، سواء كان على الساحل أو في الداخل، وسواء كان ريفياً أم حضرياً. توماس فريدمان كاتب ومحلل سياسي أميركي حاصل على جائزة بوليتزر ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»