حققت المملكة العربية السعودية انتصارات سياسية ومكاسب اقتصادية متلاحقة خلال السنوات الماضية، وظلت على الدوام ركيزة أساسية لاستعادة الاستقرار والسلام في النظام الإقليمي، منذ بدء أزمات ما يسمى «الربيع العربي»، وقد كانت على قدر التحدي في وقفتها الجادة والحازمة مع أشقائها، حتى تعافت دول من براثن العنف، وخرجت بأمان من دائرة الاستهداف وفتن الاضطرابات وموجة القلاقل والمشاكل الإقليمية، وتجاوزت المرحلة بثقة واقتدار. وقد جاء تحالفها الوثيق والاستثنائي مع دولة الإمارات العربية المتحدة، برداً وسلاماً وأماناً على المنطقة وشعوبها، بعد ما اتخذته الدولتان الشقيقتان من مواقف كبيرة وحازمة في الوقوف سداً منيعاً ضد التمدد الفارسي وإيقاف المشروع الحوثي، وصد الخطر الذي كان محدقاً بالمنطقة وأهلها. وكان تمرين «رعد الشمال» أيضاً علامة فارقة مضيئة أخرى، حيث شكّل أكبر تحالف عسكري في تاريخ المنطقة، وقد قادته المملكة العربية السعودية، وأرسلت من خلال هذا التحالف وما يتوافر له من إمكانيات القوة الناعمة والخشنة معاً، رسالة واضحة وحاسمة وحازمة لردع قوى الشر، والتعبير عن استعدادها الكامل مع تحالفها العسكري لمنع أي اعتداءات على أراضي الدول العربية والإسلامية أو التدخل في شؤونها وتهديد أمنها واستقرارها. وكل هذه الإنجازات المتلاحقة توجت برؤية السعودية 2030 التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان بكل شفافية ووضوح، معلناً بثقة عالية الأدوات التي تمكن المملكة من «خلع جلبات النفط» والاستغناء عنه، إن اقتضى الأمر ذلك، خلال الـ14 عاماً المقبلة. وبذلك تعيش السعودية في الصدارة، مع شقيقتها الإمارات، وهما تقدمان أروع وأرفع النماذج في قيادة العالم العربي والإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط، فكرياً وعسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وتحقيق المكاسب والنتائج المرجوة حتى في أصعب الظروف الاقتصادية والسياسية الإقليمية. وقد أثبتت المملكة قدرتها على قلب الطاولة على القوى المختلفة التي تحاول استهداف الدول والشعوب العربية، وذلك بسياساتها الحازمة ودبلوماسيتها المحنكة وقدرتها الفائقة على ترويض الخصوم وتحييد خطرهم، بما يضمن الحفاظ على مصالح المنطقة والأمة العربية جمعاء. لقد باتت السعودية اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، ونجاح عالمي غير مسبوق، باعتبارها أكبر مصدر للنفط يعتمد خططاً للاستغناء عنه في أفق قريب، وتنويع مصادر الدخل، والاعتماد بشكل كبير على الطاقة والاقتصاد المستدام الذي يؤهلها للاستمرارية في موقع قيادي إقليمي وعالمي، بقدراتها الاقتصادية الكبيرة وتحالفاتها الاستراتيجية القوية. ومنذ إعلان الأمير محمد بن سلمان رؤيته الطموحة، وبعض المحللين السياسيين والاقتصاديين يسعون للحصول على تفسيرات وتحليلات حول أبعاد تقليص الاعتماد على السلعة الأولى في العالم، والتي تعتبر السعودية أكبر مصدر لها. ويرى البعض أن الوفرة النفطية التي عاشتها المنطقة خلال العقود الـ 4 الماضية جعلتها تعتمد على البترول بشكل كلي، ما أشاع انطباعاً بعدم تمكنها من الاستغناء عنها في المستقبل المنظور، لكن صناع القرار في المنطقة أدركوا أن الطاقة الأحفورية في طريقها للزوال والنفاد، وبدأوا في التركيز على الطاقات البديلة والاستثمار المستدام الذي يمكنهم من الحفاظ عليها وتوريثها للأجيال القادمة. والتحول الجذري في الداخل السعودي، والمضي قدماً في تحقيق اقتصاد مستدام، يجعل اقتصادات دول المنطقة أكثر قوة وتماسكاً، والمهم في ذلك أيضاً البدء من حيث انتهى منه الآخرون وتطويره بما يتلاءم مع الثقافة العربية الإسلامية. فالمقومات الدينية والجغرافية والطبيعية والتراثية التي تمتلكها السعودية تجعلها قادرة على تحقيق الصدارة في القطاعات السياحية التي حظيت بنصيب وافر في طموحات القيادة السعودية، وهي قادرة على التحول إلى رافعة اقتصادية راسخة في حال نفذت خطط التطوير بطريقة مدروسة وأعد المجتمع لتقبل التعددية الثقافية. ونجاح هذه رؤية 2030 يكمن في مركزية سلطة اتخاذ القرار وتنفيذها في مجلس واحد، الذي يترأسه الأمير محمد بن سلمان شخصياً. كما أن تلك الإصلاحات وجذب الاستثمارات الأجنبية قد يحتاجان إلى قطاع خدمات مدني، إضافة إلى إجراء تعديلات على بعض القوانين الحالية. وتهيئة المجتمع بكل أطيافه وتوعيته بالمكاسب الكامنة في مواكبة التغيرات التي طرأت على المنطقة والعالم. وكل المراقبين الآن على يقين راسخ وقناعة كاملة بأن السعودية ستكسب رهان رؤية 2030، وستحققها على أكمل وجه، وتبقى دولة ركيزة رائدة وقائدة للنظام الإقليمي على طريق استعادة الاستقرار وشراكة الازدهار، إن شاء الله.