التوحيد مبدأ أخلاقي يعطي الشعور بناء توحيدياً خالصاً. فإذا كانت طاقات الشعور وأشكال تعبيره أربعة: الفكر، والوجدان، والقول، والعمل، فإن التوحيد يقوم بجمع هذه الطاقات الأربع ليكوّن وحدة الشخصية الإنسانية وبالتالي يمحي خطر الفصام بين الفكر والوجدان الذي يولد الخوف والجبن، أو بين الفكر والقول الذي يولد النفاق والمداهنة، أو بين الفكر والعمل الذي يولد السلبية والعجز، أو يحدُث الفصام بين الوجدان والقول الذي يولد الثرثرة والهراء، أو بين الوجدان والعمل الذي يولد الآلية والرتابة. أو يحدث فصام ثالث بين القول والعمل فيولد الخطابة والإنشاء وبالتالي تتسرب طاقات الإنسان من خلال هذه المنافذ فيضيع التوحيد كمشروع فردي وتاريخي يبدأ من شعور الفرد حتى يضم التاريخ الإنساني كله. يخلق التوحيد إذن وحدة الشخصية حيث يتوحد الفكر والوجدان فيولد الصدق، والفكر والقول فيولد الصراحة، والفكر والعمل فيولد القوة. كما يوحد بين الوجدان والقول فيولد الجرأة، وبين الوجدان والعمل فيولد المتعة والالتزام. ويوحد بين القول والعمل فيولد الفاعلية والأثر. وعلى هذا النحو تتوحد طاقات الإنسان وتختزن ثم تنطلق في مسارها الطبيعي لتغير الواقع، وتحقق التوحيد من داخل الشعور الفردي إلى خارجه في العالم. كما يظهر هذا التوحيد في العمل الصالح، وفعل الخير للناس، وفي تحقيق الرسالة على الأرض فالإيمان لا يظهر إلا في العمل الصالح كما هو واضح في الآيات الكريمة التي? ?تقرن? ?الإيمان? ?بالعمل? ?الصالح.? ?و?يظهر? ?التوحيد? ?في? ?العمل? ?الصالح? ?المؤثر? ?في? ?حياة? ?الفرد? ?والجماعة? ?والمحرك? ?للتاريخ.? ?فالدنيا? ?دار? ?عمل، ?والعمل? ?الصالح? ?يبقيها.? ?والإنسان? ?خليفة? ?الله? ?في? ?الأرض، ??عليه? ?أداء? ?الأمانة.? ?والإنسان? لأجله? ?تم? ?تسخير? ?كل? ?شيء? ?في? ?العالم، ?من? ?أجل? ?السيطرة? ?على? ?قوانينه، ??واستعمار? ?الكون.? ?وبالعمل? ?الصالح? ?يتحدد? ?مستقبل? ?الإنسان? ?وأثره? ?في? ?الدنيا، ?وعليه? ?يكون? ?الحساب? ?طبقا?ً ?لقانون? ?العدل? ?دون? ?ما? ?وساطة? ?أو? ?شفاعة. وقد ظهر هذا التوحيد كمبدأ أخلاقي في تراثنا القديم. فقد أظهر الصوفية هذه الوحدة الشاملة ابتداء من وحدة الشخصية الإنسانية، مروراً بوحدة الشهود، ووحدة الوجود، وانتهاء إلى الوحدة المطلقة. كما ظهر في أصول الفقه تحقيقاً لخلافة الإنسان لله في الأرض وأداء الرسالة عليها. وظهر في الفلسفة وعلوم الحكمة في أهمية العمل الصالح وفعل الخير. ولكن بعد أن توقفت الحضارة الإسلامية وانزوى التوحيد كمبدأ أخلاقي ظهر الفصام في الشخصية، وتسربت طاقاتها، وظهر الفصل بين الفكر والوجدان فشاع الخوف، وبين الفكر والقول فساد الجبن، وبين الفكر والعمل فظهر العجز، وبين الوجدان والقول فانتشر الكذب، وبين القول والعمل فظهر النفاق. وأصبح يضرب بنا المثل بالذين يقولون ما لا يفعلون.?? ?كما? ?سادت? ?الجوانب? ?السلبية? ?في? ?التصرف? ?على? ?حياتنا? ?العامة.? ?فزهد? ?البعض? ?في? ?الدنيا، ?وتصورها? ?دار? ?فناء، ?وأنه? ?كراحلة? ?أو? ?كعابر? ?سبيل، ??فترك? ?العمل? ?فيها، ?وتخلى? ?عن? ?رسالته? ?فيها، ?ورنا? ?إلى? ?عالم? ?آخر? ?يعد? ?نفسه? ?له? ?خارج? ?الدنيا، فلعله? ?يجد? ?تعويضاً? ?عما? ?فاته، ??ويلحق? ?بركب? ?الفائزين.? ?وتحولت? ?قيمة? ?الإنسان? عند البعض ?إلى? ?الثروة? ?والجاه، ? ?أو?? ?النسب? ?والحسب، ? ?أو? ??الوجاهة? ?والصدارة، ? ?أو? ?الدرجة? ?والطبقة.? ?ولما? ?كان? ?هذا? ?الضمور? ?في? ?التوحيد? ?كمبدأ? ?خلقي? ?هو? ?المسؤول? ?عن? ?تخلف? ?الأمة، ??فإن? ?الوعي? ?به? ?يعتبر أحد? ?مقومات? ?نهضتها. والتوحيد أيضاً مبدأ اجتماعي، عليه تقوم بنية المجتمع. فالأمة واحدة، ?لا? ?فرق? ?بين? ?جنس? وآخر، ?أو? ?قوم? ?وقوم، ??أو? ?شعب? ?وشعب.? ?فالأمة? ?مجتمع? ?إنساني? ?واحد، ??يجمعه? ?التوحيد، ??ولا? ?تفرقه? ?الحدود? ?الجغرافية? ?أو? ?العادات? ?والأعراف، ??أو? ?اللغات? ?والقوميات. والمجتمع الواحد، مجتمع بلا طبقات، مجتمع المساواة الكاملة، العمل فيه مصدر القيمة بدليل تحريم الربا. فالمال لا يولد المال من تلقاء نفسه دون توسط العمل المنتج والعرق الكادح. والعمل رسالة لتحقيق غاية عليا أو هدف قومي، ليس غايته الربح أو الكسب المادي من أجل الثراء، واكتناز المال. الملكية وظيفة اجتماعية وليس له حق الاستغلال أو الاحتكار أو الإضرار بالغير. فإن أساء الاستعمال أو أضر بالغير كان للإمام، ممثل الأمة، حق التدخل لحماية الصالح العام، بانتزاع الملكية والمصادرة والتأميم. وهذه هي نظرية «الاستخلاف» المشهورة في علم الفقه، فالمال مال الله والإنسان مستخلف فيه.? ?المال? ?وديعة? ?لدى? ?الإنسان، ??أمانة? ?أؤتمن? ?عليها، ?وعليه? ?أداء? ?الأمانة? ?إلى? ?أهلها.? ?وما? ?فاض? ?عن? ?الحاجة? ?أصبح? ?لصالح? ?الأمة?، ??وفي? ?المال? ?حق? ?غير? ?الزكاة.? ?وهذا? ?الانتقال? ?للثروة? ?ممن? ?يملك? ?لمن? ?لا? ?يملك? ?ليس? ?مجرد? ?دافع? ?خلقي? ?أو? ?عاطفة? ?إنسانية? ?أو? ?صدقة، ? ?بل? ?هو? ?إعادة? ?لتوزيع? ?الثروة? ?طبقا? ?لمبادئ? ?العدالة? ?الاجتماعية? ?والمساواة? ?وتذويب? ?الفوارق? ?بين? ?الطبقات.? ?ولا? ?توجد? ?في? ?المجتمع? ?ملكية? ?خاصة? ?لأدوات? ?الإنتاج? ?بل? ?هي? ?ملك? ?للأمة، ??كما? ?أن? ?أنماط? ?الإنتاج? ?تقوم? ?على? ?العمل? ?المشترك? ?والملكية? ?العامة? ?لقطاعات? ?الإنتاج? ?الرئيسية? ?مثل? ?الزراعة? (?الكلأ?) ?والصناعة? (?النار?) ?والتعدين? (?الملح?)?.? ?كل? ?ما? ?تنتجه? ?الأرض? ?ملك? ?للأمة، ?لقد? ?عرف? ?القدماء? ?الذهب? ?والفضة? ?والنحاس? ?والحديد? ?في? ?باطن? ?الأرض? ?من? ?الركاز? ?وعرفنا? ?نحن? المعادن والثروات الطبيعية.? ?وقد ?أقام? ?المجتمع? ?الإسلامي? ?الأول? ?بنيته? ?الاجتماعية? ?على? ?هذه? ?الأسس، ?وظل? ?التوحيد? ?هو? ?المنبع? ?الأول? ?لهذه? ?البنية? ?الاجتماعية. ولما خبا التوحيد كمبدأ اجتماعي ظهر الفرق الشاسع بين الأغنياء والفقراء، بين من يملكون كل شيء وبين من لا يملكون شيئاً، وشاعت الملكية الخاصة، وأطلقت بلا حد أعلى للكسب وبلا حد أدنى للفقر، وأصبح الصالح الخاص مقدما على الصالح العام. وظهرت طبقة العمال والأجراء. كما نشأت طبقات الفقراء والمعدمين في مقابل الأثرياء، وتشتتت الأمة، واتسع نطاق الطبقات المحرومة. ولم تدم مفاهيم الاشتراكية والعدالة الاجتماعية والمساواة وتذويب الفوارق بين الطبقات، وأصبح يُضرب ببعض مجتمعاتنا المثل في الغنى والفقر على حد سواء، وفي نفس المجتمع، في الترف والبؤس. نستجدي المعونة من غيرنا لفقرائنا. ومع ذلك ظل التوحيد قابعاً في الوجدان، تتأصل فيه الثورة الاجتماعية، وتمتد إلى جذوره الدعوات الاشتراكية، يحفظ الأمة، ويعطيها أهدافها القومية، فأساس الأمة هو الوحدة وليس التفاوت، وعمادها المساواة وليس الطبقات الاجتماعية. وبالتالي يستحيل وجود نظام غير عادل في الوجدان العربي إذا ما نشط التوحيد، وانتهى ضموره، واتسع نطاقه، وخرج من الوجدان إلى نظام العالم.