قارب عقد بن لادن على الأفول ومعه خفت الحديث عن 11 سبتمبر 2001 الحدث الذي غيّر أولاً وجهة نظر أميركا تجاه ما يدور من حولها، وقد هرعت بكل ما أوتيت من عظمة القوة لخوض حربين في جبهتين مختلفتين في العالم الإسلامي واحدة في أفغانستان وباكستان، وأخرى في العراق الذي لا زال سياسيوه متأرجحين في جدلية بقاء القوات الأميركية على أرضه بعد نهاية هذا العام، وإن بقيت فبأي كيفية تكون؟! ولكن بعد مقتل بن لادن حل أمر لم يكن في الحسبان كما قيل، فقد نبت من الداخل العربي ربيع عربي أنسى الناس بن لادن وقاعدته، لأن القواعد الداخلية لبعض الأنظمة العربية اهتزت وربت وإن لم تنبت حتى اللحظة الصورة الكلية لما تحمل تلك التغييرات من مفاجآت. لقد اختلف المحللون في تفسير ما يجري في بعض أجزاء من العالم العربي من حراك غير مسبوق مقارنة بكل الانقلابات التي دفعت بها الدول العربية التي تخوض معه شعوبها صراع البقاء أو الزوال كما حصل لتونس ومصر، ومن بعدهما دول أخرى لا زالت بين بين. مِن المحللين من يرى أن هذا المشهد العربي الكلي هو جزء من سيناريو نظرية "الفوضى الخلاقة" التي يراد من خلالها إعادة توزيع خريطة العالم العربي والإسلامي من جديد وفق المصالح المستجدة للدول الكبرى، وأن ما حصل إلى الآن لم يخرج عن نطاق الكثير من الأبحاث والدراسات التي أجرتها مراكز الأبحاث المرموقة منذ عقود، ويبدو أن البعض لم ينتبه لها إلا بعد حدوث موجة التغيير التي بدت مفاجئة للبعض وطبيعية للبعض الآخر وإن لم يملك أحد ساعة الصفر فيها، وهو ما قال به أحد المحللين الغربيين مؤكداً أن الأجهزة المعنية بمراقبة الأوضاع في العالم العربي كانت تقر بأن هناك باروداً قارب على الاشتعال إلا أن طريقة الاشتعال ذاتها لم تكن معلومة لدى أحد من المختصين. يبدو أن سيرة الحادي عشر من سبتمبر 2011 سوف تطوى كليّاً ويتم الاهتمام المباشر بمجريات الأحداث وتفاصيلها في العالم العربي، وهذا لا يعني أن أعين الذين تضرروا إقليميّاً ودوليّاً من ألاعيب بن لادن الفارغة قد غابت عن هذا المشهد، بل العكس فمعظم المهتمين بالانتهاء من "القاعدة" لديهم خطط وأجندات أكثر دقة وإيلاماً من سابقاتها من الإجراءات والتدابير، فلا زالت أميركا ملومة بأنها لم تقم بكل ما ينبغي لها للتخلص من آفة "القاعدة" إلى الأبد وخاصة في العهد "الأوبامي"، ومقاربته في سياسة التعامل مع "القاعديين" مقارنة بالعهد "البوشي" وإن نجح في التخلص من أخطر رجل كان مطلوباً على مستوى العالم وهي نقطة فارقة تحسب لعهده. وبعد مرور عشر سنوات على حادثة "سبتمبر" الأشهر في التاريخ المعاصر قاطبة، لا يمكن أن تبقى الأمور على حالها، فالتغيير في السياسات والاستراتيجيات لمحاربة الإرهاب الذي لم يترك أحداً سالماً جزء من تكتيكات التعامل الواقعي مع تطورات الأحداث. ولذا صار من المهم جدّاً أن تجد "القاعدة" وأنصارها طريقاً سهلاً وممهداً إلى بطن تلك التغييرات الجارية في العالم العربي، وهذا هو الجزء الأهم إذا أرادت أميركا أن تمارس دوراً إيجابيّاً أكبر من قتل رأس أو رأسين. فالعمل والسعي الدؤوب لتفريغ الساحات المفتوحة على التغييرات من تأثيرات "القاعدة" عمل أشق من عملية قتل بن لادن ذاته. لأن أبواب التغيير في العالم العربي أصبحت مفتحة على أشرعتها، فالحركات الأصولية صارت تدعي وصلاً بليلى وإن كانت ليلى ذاتها لا تقر لهم بذاك.