لا يمكن المجادلة على أن الذهب يعتبر هو الاستثمار الآمن في فترات الأزمات الاقتصادية والتوترات السياسية والاضطرابات المالية، كالمطبات العنيفة التي تعصف بأسواق المال والنقد في الوقت الحاضر والتي أفرزت مستجدات تعبر عن تداعيات عالم القطب الواحد الذي أفرز بدوره أزمات من نوع جديد. والحقيقة أن ما يتم الآن من مضاربات محمومة في تجارة الذهب لا يعبر عن المفهوم السائد تاريخيّاً حول الذهب كملاذ للمستثمرين الباحثين عن قنوات آمنة لاستثماراتهم بعيداً عن مضاربات أسواق المال وتآكل قيمها من جراء انخفاض أسعار العملات، وبالأخص الدولار الأميركي. وقبل الإشارة إلى بعض الحقائق لابد في البداية من التنويه إلى حقيقتين ميزتا تجارة الذهب في الأشهر القليلة الماضية، أولاهما تضاعف أسعار الذهب أكثر من ثلاث مرات حيث ارتفع من 445 دولاراً للأوقية في عام 2005 ليسجل رقماً قياسيّاً يقترب من 1900 دولار للأوقية في الآونة الأخيرة، حيث تزامن ذلك مع انخفاض الطلب بنسبة 17 في المئة في الربع الثاني من العام الجاري 2011 مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وذلك وفق مجلس الذهب العالمي، وهي نسبة كبيرة يفترض أن تساهم في استقرار الأسعار على أقل تقدير، وليس ارتفاعها بهذه الصورة الكبيرة. أما الإشارة الثانية، فإنها تكمن في أن شراء العملات والسبائك الذهبية يتراجع في أوروبا والولايات المتحدة، في الوقت الذي يتزايد في كل من الصين والهند، علماً بأن المستثمرين الأوروبيين والأميركيين أشد حاجة لقنوات استثمارية آمنة بسبب أزمات الديون وتراجع أسعار الأسهم والسندات في أسواقهم. ومن خلال هذين الاتجاهين الواردين في تقرير مجلس الذهب العالمي يمكن الاستنتاج أن "فقاعة" الذهب لن تستمر طويلاً، فأسعار الذهب التي اشتد سعيرها في السنوات القليلة الماضية وبالأخص بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وما تلاها من انهيارات وأزمات ديون ستدفع باتجاه ارتفاع السعر ليصل إلى 2000 دولار للأوقية، كما تشير إلى ذلك بعض التقارير، وذلك قبل أن تقترب عملية التصحيح. وبما أن المضاربات تشكل أحد أهم أساسيات اقتصاد الخدمات القائم على تضخيم الأصول، فإنه مع انتهاء فقاعات أسواق المال والعقار، فقد اتجه المضاربون للذهب وبصورة أقل للنفط الذي تحكمه اعتبارات معقدة بسبب وجود منظمة "أوبك" كلاعب أساسي في سوق النفط العالمي. وكما هو الحال في الفقاعات السابقة، فقد كان للإعلام دوره المميز والخطير في توليد القناعات وتشجيع عمليات الشراء والبيع السريعة لتحقيق أرباح خيالية، فتارة هناك هجمة مشتريات للذهب من البنوك المركزية وتارة أخرى الإشارة إلى أن الذهب على رغم اقترابه من سعر 1900 للأوقية، فإن هذا السعر يبقى أقل من السعر الحقيقي، أي أنه لا زال يتداول بأقل من قيمته الحقيقية! وفي الوقت نفسه تقوم مجموعة من الخبراء وصناع القرار بتغذية الإعلام بأخبار وتوقعات مبالغ فيها وكتابة تقارير لا تعكس الواقع بقدر ما تخدم جهات استثمارية، وهو ما أشار إليه العديد من الأكاديميين والباحثين المهنيين المحايدين في أوروبا والولايات المتحدة بعد أن شكلت لجان عديدة لتقييم أسباب الأزمات والفقاعات السابقة. ومثلما كانت نتائج الفقاعات السابقة مؤلمة جدّاً، فإن انفجار فقاعة الذهب سيكون قاسيّاً للغاية وستطال بتداعياته استثمارات كثير من بلدان العالم، وبالأخص المؤسسات التي قامت بمشتريات كبيرة من الذهب بأسعار مرتفعة. إن الاستثمار في الذهب نصيحة من ذهب، ولكن ضمن أساسيات مهنية بعيدة عن المضاربات والفقاعات المفتعلة التي تتطلب من الدول والمستثمرين بشكل عام توخي الحذر والحذر الشديد في الفترة القادمة، فديناصورات المضاربين من الصعب كسر شوكتهم، وذلك بحكم خبرتهم وقوتهم المالية وتغلغلهم في وسائل الإعلام ومراكز اتخاذ القرار في البلدان المتقدمة.