يرتبط التلوث ارتباطاً وثيقاً بتنمية الثروات لضمان تنمية مستدامة والحفاظ على البيئة، حيث حققت بعض البلدان تقدماً كبيراً على طريق خفض معدلات التلوث، في حين لا زالت بلدان أخرى تعاني من معدلات تلوث مرتفعة، مما يؤثر على ثرواتها ويكلفها مبالغ طائلة لمعالجة التداعيات الناجمة عن التلوث. ومن هنا اختلفت بلدان العالم حول أساليب المعالجة، فالولايات المتحدة عارضت بشدة التوجهات الأوروبية الرامية إلى الحد من انبعاث الغازات، وبالأخص الحد من الاحتباس الحراري، الوارد في اتفاقية "كيوتو"، مما وضعها على رأس البلدان المسببة للاحتباس الحراري والتلوث في العالم وفق التقارير الدولية. وإلى جانب الولايات المتحدة جاءت أستراليا وبعض البلدان العربية، حيث يتضح أن الإجراءات الأوروبية التي اتخذت خلال السنوات العشر الماضية قد أسفرت عن نتائج مهمة، كما حققت بعض البلدان الآسيوية، مثل تايلندا نتائج مماثلة. والحال أن ثمن التلوث باهظ للغاية، فهو أولا، يؤدي إلى تدمير البيئة والثروات الطبيعية والزراعية والمياه الجوفية، مما يؤدي بدوره إلى نقص الموارد والإخلال بالتوجهات الرامية إلى إيجاد الأسس اللازمة للتنمية المستدامة. ثانيّاً، إن للتلوث نتائج وخيمة على الصحة العامة للمجتمع، وبالأخص الإصابة بالأمراض المزمنة، التي ارتفعت بصورة مخيفة في بلدان المنطقة التي تكلف موازنات الدول مبالغ كبيرة سنويّاً، فمياه الخليج على سبيل المثال تعتبر من أكثر بحار العالم تلوثاً، مما أدى إلى تناقص الثروة السمكية وبدء انقراض أنواع عديدة منها، وهي خسارة كبيرة لثروة يكمن تنميتها إذا ما اتفقت البلدان على ضفتي الخليج للتعاون للحد من التلوث بكافة أشكاله، وبالأخص تلك الناجمة عن غسل ناقلات النفط أو مخلفات البوارج الحربية النووية في عرض البحر دون رقابة. ثالثاً، إن معالجة ترسبات التلوث في فترات متأخرة تؤدي إلى ارتفاع تكاليف هذه المعالجات وزيادة الأضرار الناجمة عن التلوث وصعوبة معالجة هذه الأضرار التي تزداد تعقيداً مع مرور الوقت. وبما أن بلدان المنطقة مقدمة على معدلات نمو مرتفعة، كما تشير إلى ذلك كافة المؤشرات، فإن هناك إمكانيات حقيقية لارتفاع معدلات التلوث إذا لم تتخذ إجراءات جدية على مستوى كل دولة على حدة وبصورة جماعية على مستوى بلدان منطقة الخليج. ويبدو أن هناك توجهات في بعض دول الخليج لمعالجة هذه القضية الاقتصادية والبيئية والصحية الخطيرة، ففي دولة الإمارات، افتتحت بالعاصمة أبوظبي محطات لتزويد المركبات بالغاز الطبيعي بدلًا من البنزين، كما فرضت قطر والبحرين إجراءات لمراقبة مستويات التلوث قرب مصانع المنتجات البتروكيماوية والألمنيوم، وهي إجراءات مهمة، إلا أنها بحاجة إلى دعم إضافي بسبب التوقعات الخاصة بارتفاع أعداد السكان. أما على المستوى الجماعي على ضفتي الخليج، فإنه لا توجد اتفاقيات أو إجراءات جماعية، وذلك على رغم الضرر الكبير الذي يلحق بموارد وبيئة كافة بلدان المنطقة، حيث جرت محاولات للتعاون في هذا الشأن في التسعينيات، إلا أنها جمدت في السنوات الماضية. وبما أن الأمر يتعلق بالتنمية المستدامة وبصحة المجتمع والمحافظة على الموارد، فإنه يمكن للأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي وضع رؤية مستقبلية للاهتمام بالبيئة والحد من التلوث ودعوة بقية بلدان المنطقة للانضمام إلى هذه الجهود، فالثروة السمكية والزراعية الشحيحة في منطقة الخليج مهددة بصورة خطيرة، في الوقت الذي يعاني فيه العالم من تناقص موارد الغذاء التي ترتفع أسعارها بمستويات جنونية في أسواق التداول الدولية. وفي هذا الجانب يمكن الاستفادة من تجارب بعض البلدان الأوروبية والآسيوية التي حققت نتائج مهمة للحد من التلوث والمحافظة على الموارد، وذلك بالإضافة إلى تقوية الأسس اللازمة للتنمية المستدامة.