مع أن القليلين فقط سمعوا برجل النفط، جورج ميتشل، فإنه أحد الذين ساهموا أكثر من أي شخص آخر في تغيير المشهد العالمي في مجال الطاقة، ففي عام 1981، عندما كانت شركته الصغيرة المختصة في التنقيب عن الغاز الطبيعي تواجه صعوبات كبيرة بسبب تراجع احتياطات الغاز الطبيعي، اقترح فكرة راديكالية تدعو إلى الحفر إلى مستويات أعمق في حقول النفط التي تملكها شركته بتكساس للوصول إلى الصخور الطينية اليابسة الغنية بالغاز، وذلك على عمق يصل الى أكثر من ميل تحت باطن الأرض، ولأن الغاز الذي تحتويه الصخور يصعب استخراجه... اعتقد معظم المهندسين أن الفكرة ستكلف أثماناً باهظةً ولن يكون الأمر مجدياً من الناحية الاقتصادية. لكن بعد مرور عقدين تقريباً على بدء الحفر بالطريقة التي حددها "ميتشل"، أثبت للجميع أنهم كانوا على خطأ، فالنتيجة النهائية التي خلص إليها هي توفر العالم على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي يفوق بكثير ما كان متوقعاً. ومع أن عمليات التنقيب على النفط عموماً تواجه شكوكاً متزايدة من الرأي العام والمسؤولين بسبب حادثة تسرب النفط في خليج المكسيك التي تسببت فيها شركة "بي بي"، فإنه مع ذلك تحملُ الصخور الطينية أخباراً جيدة. فإلى وقت قريب أدى تراجع المخزون الأميركي من الغاز الطبيعي إلى تزايد الاعتماد على الإمدادات الأجنبية الغالية من الغاز المسال، وهو التخوف الذي ستطيح به الصخور الطينية. هذا بالإضافة إلى أفضلية الغاز الطبيعي على باقي مصادر الطاقة التقليدية مثل الفحم مادامت نسبة ثاني أكسيد الكربون التي تنبعث منه تقل بـ50 في المئة مقارنة مع الفحم، الأمر الذي يشجع على استبدال الغاز بالفحم في محطات توليد الكهرباء وبالتالي التخفيف من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري. وأخيراً ينطوي استخدام الغاز الطبيعي المستخرج من الصخور الطينية على تداعيات جيوسياسية مهمة بالنسبة لآسيا وأوروبا، بحيث ستتمكن من تقليل الاعتماد على الغاز الروسي وإحباط أي محاولة أمام نشوء تكتل للغاز الطبيعي شبيه بـ"أوبيك". ومع أنه من غير المعروف على وجه الدقة كميات الغاز التي تضمها الصخور الطينية، تبقى التوقعات كبيرة ومشجعة. فقد أشارت لجنة الغاز الطبيعي المحتمل التي تقوم بوضع تقديرات لاحتياطات الغاز المستقبلية في الولايات المتحدة في عام 2000 إلى أن الاحتياطي الأميركي من الغاز يعادل 54 عاماً من الاستهلاك بوتيرته الحالية، وفي عام 2008 زاد التقدير ليصل إلى 90 عاماً من الاستهلاك. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي رأي "جون كورتيس" العالم الجيولوجي بكلية المعادن بكولورادو، هناك دراسات تضع الاحتياطات الحالية التي توفرها الصخور الطينية في 16200 تريليون قدم مربع، وهو ما يتجاوز بـ150 مرة الاستخدام الحالي للعالم من الغاز الطبيعي. ومن بين التقنيات المستخدمة حالياً في استخراج الغاز من الصخور الطينية، ضخ سوائل في مخزون الغاز تحت باطن الأرض لإحداث فتحات تسمح بتدفق الغاز إلى الأعلى من خلال أنبوب الحفر. ولسنوات طويلة جرب فريق المهندسين التابع لشركة"ميتشل" شتى أنواع السوائل ذات الكلفة العالية، لكن بدءاً من عام 1997 جرب المهندسون خلطياً من الماء والرمل أرخص سعراً، وهو ما يؤكده "دان ستيوارد"، الجيولوجي الذي عمل في السابق مع "ميتشل"، قائلا: "لقد تطور اقتصاد التنقيب عن الغاز وبات أقل كلفة مما كان عليه في السابق". وقد زادت شركة "ديفون إينرجي"، التي اشترت شركة "ميتشل" في عام 2002، من تطوير تقنيات التنقيب من خلال التركيز على "التنقيب الأفقي"، ففي آبار الغاز التقليدية يتم الحفر عمودياً إلى أن يصل الحفار إلى البئر ليبدأ في ضخ الغاز، وهو ما كان يحتم حفر عدة آبار في الحقل الواحد، لكن مع الحفر الأفقي يتم لي الأنبوب أفقياً ما أن يصل إلى المخزون تحت باطن الأرض بحيث تنتفي الحاجة إلى حفر المزيد من الآبار ويصبح التنقيب أقل تكلفة. لكن رغم الفوائد التي تنطوي عليها الصخور الطينية، تظل بعض التحديات قائمة، من أبرزها صعوبةُ إحداث النقلة المطلوبة من الاعتماد على النفط في توليد الطاقة إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي، فهذا الأخير لا يزود سوى 120 ألف سيارة أميركية بالوقود مقارنة بـ 250 مليون سيارة تجوب الطرقات الأميركية. ومع أن أسعار الغاز اليوم تنافس النفط، فإن السائقين لن يُقبِلوا عليه إلا إذا توافرت محطات الوقود المناسبة، كما أن المستثمرين لن يفتحوا محطات وقود تعمل بالغاز إلا إذا أقبل مستخدمو السيارات عليها لنجد أنفسنا أمام حلقة مفرغة. والأمر نفسه ينطبق على استبدال الغاز بالفحم الحجري في توليد الكهرباء، حيث مازال الاعتماد على الفحم أرخص من الغاز، فضلا عن ضرورة إنشاء المزيد من المحطات التي تعمل بالغاز وهو ما يستدعي توفر استثمارات قد لا تكون متواجدة في الوقت الحالي، أما التحدي الآخر الذي يواجه استخدام الغاز المستخرج من الصخور الطينية فيتمثل في الجانب القانوني، بحيث تنقسم الآراء بين مساند للغاز على أساس أنه يمثل مرحلة ضرورية قبل الانتقال النهائي إلى مصادر الطاقة النظيفة، وبين نشطاء البيئة المتخوفين من تلويث المياه الجوفية نتيجة التنقيب عن الغاز. روبرت صمويلسون كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست"