مثل التمييز الذي وضعه فرديناند سوسير بين اللغة والكلام، نافذة جديدة وشديدة الأهمية في الدراسات اللسانية، إذ أوضح أن اللغة ترتبط بما هو ثابت (قواعد البنية الداخلية)، فيما يمثل الكلام طريقة استخدام الفرد للغة، وهي طريقة تختلف من متكلم إلى آخر. أما اللسان فيشملهما لجهة كونه يتضمن قواعد الإنشاء والنطق معاً. كما أصبح ينظر الى اللغة من منظور سوسيولوجي باعتبارها ظاهرة اجتماعية في المقام الأول، ومن ثم فهي أساس قوي لبلورة التقارب والشعور الجماعي المشترك بين أفراد الجماعات، وهذا ما يصدق على حال المجتمعات العربية منذ حوالي ثلاثة عشر قرناً حين أصبحت لغة الضاد أحد القواسم المشتركة البارزة بينها. فما هو وضع اللغة العربية في واقعنا اليوم، أي في عصر أهم سماته العولمة وتطور التكنولوجيا الحديثة والاتصال والإعلام؟ ذلك هو السؤال المحوري المحرك لمجموع الدراسات الواردة في كتاب "اللسان العربي وإشكالية التلقي"، والذي نعرض فيما يلي أبرز ما اشتمل عليه من نقاط وأفكار وطروحات. ففي دراسة لعالم الاجتماع التونسي محمود الذوادي، نطالع وصفا نقدياً لوضع اللغة العربية في مجتمعاتها منذ ستينيات القرن الماضي، كوضع يسوده الاغتراب وفقدان العلاقة العضوية بين المجتمعات العربية ولغتها القومية. فقد فُرِض التأخر على لغة الضاد في ميادين العلوم والمعارف والتقنيات الحديثة، بإقصائها عن القيام بدورها الكامل كلغة وطنية في تسيير كافة شؤون المجتمعات العربية. ويلح الكاتب في هذا الخصوص على ملاحظتين أساسيتين؛ أولاهما ما تظهره حصيلة الأنظمة التربوية العربية من أن الطلبة الجامعيين العرب غير قادرين لا على الكتابة ولا على التحدث السليم والسهل والمتسلسل بالفصحى، وهم بالتالي جاهلون بكثير من مفرداتها وتراكيبها وقواعدها الصرفية والنحوية، بما في ذلك البسيط منها. والملاحظة الثانية هي أن "الأمن اللغوي" في الوطن العربي مهدد بالتكالب على تعلم واستعمال اللغات الأجنبية. ويتحدث الذوادي بأسى شديد عن ملامح "الأمية الجديدة" عند طلبة وأساتذة الجامعات العربية، وعن تقسيم الأدوار بين الفصحى والعامية واللغة الأجنبية، وعن تدهور مكانة الفصحى، واغترابها وانعكاساته التي لا تكاد تطرح. أما عبد الحميد الواحد، فيعالج في دراسة له حاضر اللغة العربية وآفاقه، ليلخص أمهات المشاكل المتولدة عن وضع اللسان العربي في مجموعة قضايا؛ مثل نقص المعرفة العلمية بذلك اللسان وحقيقته، والثنائية اللسانية، واللسان العربي والتعريب، وارتباكات وضع المصطلح العربي، ووضع المعجم العربي، واللسان العربي و"الإعلامية"... ثم يخلص إلى أن أبرز ما يميز وضع اللسان العربي هو تخلفه، وأن تخلفه مرهون بالتخلف الاقتصادي والمعرفي والتكنولوجي والاجتماعي أيضاً... إنه إذن ليس بمعزل عن وضع البلاد العربية عموماً، أي وضع الإنسان العربي المعاصر ذاته. ومن الدراسات التي تستوقف القارئ في هذا الكتاب، دراسة لعبد الرحمن عزي عن "فقه اللغة وعنف اللسان والإعلام في المنطقة العربية"، يشير في مستهلها إلى أن أهم خصوصية للغة العربية كونها لغة مقدسة، لكن بشرط أن لا تتعرض معانيها للإفساد اللغوي، أي "العنف اللساني"، ويقصد به الإخلال بالبنية القيمية للغة وباقي البنيات الأخرى التي يهتم بها علماء الألسنية عادة. ويتمثل أحد أوجه العنف اللساني في ما يسميه الكاتب "عنف الإعلام" أو أساليب "العنف اللغوي"، المباشرة وغير المباشرة، التي تستخدمها وسائل الإعلام. فتخصيص الجزء الأكبر من النشرة الإخبارية لنشاطات المسؤول، يمثل "عنفاً إعلامياً"، وذلك لما يحدثه من نفور أو إرهاق أو ملل أو استياء... لدى المتلقي. كما أن محاولة فرض "حقيقة" على حساب الحقائق الأخرى، وتجاهل المتلقي ككائن له قيمته وحقه في التمييز بين الحقائق، يعتبر عنفاً لسانيا بطريقة ضمنية. ومن الأوجه الأخرى لـ"عنف اللسان" في وسائل الإعلام، حرمان الآخر من فعل الكلام المعبر عن حقيقته. كما أن استخدام المرأة بوصفها جسداً أو سلعة، يثمل عنفاً لسانياً ضمنياً يمس كرامة المرأة ذاتها ويشوه الحقائق أمام المتلقي. وإدخال العامية في لغة وسائل الإعلام، هو أيضاً "عنف لساني" من حيث هو يؤدي إلى اختلال البنية التركيبية للغة، وتالياً اهتزاز بنيتها القيمية. وبشكل عام فإن إنهاء عنف اللسان والإعلام، كما يقول الكاتب، يتطلب إصلاح الكلام، واستعادة ما يكاد يفلت من واقع اللغة، أي الارتفاع بمستوى خطابها وإصلاح بنياتها، وهو مطلب لا يتأتى إلا بالانطلاق من القيمة والاندفاع نحو الأفضل. وخلافاً لما انتهى إليه كل من الذوادي وعزي والواحد، يرى رياض زكي في دراسته حول "اللغة والإعلام: بحث في العلاقات التبادلية"، أن الاتصال بالجمهور المتلقي خطا خطوات ناجحة، بنقل لغة الكلام إلى ملايين الناس، مما عزز انتشار العربية في البيت والشارع والمدرسة وسائر المؤسسات، وجعلها لغة حية متداولة في الحياة اليومية. فقد شكلت وسائط الإعلام حاملا وناقلاً للعربية ومن ثم مثلت مظهراً حيوياً من مظاهر التجديد التي دفعت باللغة العربية إلى النهوض نهوضاً تمثل في رقي الأساليب التعبيرية وفي تعدد فنون القول وإدخال مفردات مولدة عن طريق الاشتقاق والاقتباس والوضع والتعريب... للتعبير عن المسميات والأفكار الجديدة. أما حافيظ علوي فيناقش واقع "البحث اللساني في الثقافة العربية وإشكالات التلقي"، ليميز في عوائق البحث اللساني العربي بين نوعين من العوائق: عوائق التلقي الموضوعية ذات الأبعاد النفسية والحضارية (صورة الغرب في المتخيل العربي)، وعوائق ذاتية ترتبط بطبيعة البحث اللساني ذاته في الثقافة العربية (دور اللسانيات واللسانيين في تكريس الوضع القائم). ومعنى ذلك باختصار، أن البحث اللساني في ثقافتنا لا يمكن أن يتطور إذا لم يتخلص من الرؤى القابعة والأحكام المسبقة التي تطبع جل مناحي الفكر العربي! محمد ولد المنى الكتاب: اللسان العربي وإشكالية التلقي المؤلفون: جماعة الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية تاريخ النشر: 2007