يستخدم مصطلح الاكتئاب بين العامة للتعبير عن الحزن أو "القرف" أو الضيق أو تعكر المزاج، وهو ما يختلف عن المعنى العلمي لذلك المصطلح بين أفراد المجتمع الطبي. فالاكتئاب في عالم الطب، هو مرض نفسي خطير، يتميز بحالة مستمرة من الحزن الشديد، و"الملونخليا" أو السوداوية (Melancholia)، واليأس التام من الحياة. وربما كان أهم ما يفرق معنى الاكتئاب لدى العامة عن معناه الطبي، هو أنه في الحالة المرضية، يفقد المريض قدرته على تأدية مهام الحياة اليومية الروتينية، مثل الاحتفاظ بعمله أو العناية بنظافته اليومية، ويصبح عاجزاً عن التواصل والتفاعل الاجتماعي، وتصاب حياته بنوع من الشلل المزمن. ولذا سوف نهتم هنا فقط بمرض الاكتئاب الإكلينيكي (Clinical Depression)، مع ضرورة التفرقة بين هذه الحالة المرضية الخطيرة، وبين الاستخدام العامي الشائع لتعبير الاكتئاب. هذه التفرقة بالغة الأهمية، في ظل الارتفاع المذهل حالياً لعدد الحالات التي يتم تشخيصها على أنها تعبر عن الإصابة بالاكتئاب الإكلينيكي، والتي يتم علاجها باستخدام العقاقير المضادة للاكتئاب، ذات الآثار الجانبية الخطيرة. ففي بريطانيا مثلاً، يصنف واحد من كل خمسة أشخاص على أنه مصاب بالاكتئاب الإكلينيكي، وهو ما يكلف الاقتصاد البريطاني حوالي 8 مليارات جنيه إسترليني سنوياً. وإذا ما استخدمنا الأرقام السابقة، للاستدلال على مدى انتشار الاكتئاب الإكلينيكي في الدول الأخرى، فيمكننا الاستنتاج بان هذا المرض يصيب عشرات الملايين وربما مئات الملايين حول العالم. وتأخذ هذه القضية بعداً خاصاً، عندما يتعلق الوضع بالأطفال. فبخلاف التزايد المستمر لعدد الحالات بين البالغين، تشهد المجتمعات الأوروبية وباء من الاكتئاب الذي يسري سريان النار في الهشيم بين أطفالها. وهي الحقيقة المأساوية التي عادت الأرقام لتؤكدها هذا الأسبوع. حيث أظهرت الإحصائيات الرسمية الصادرة عن الحكومة البريطانية أن عدد الوصفات الطبية من العقاقير المخصصة لعلاج اكتئاب الأطفال، قد زاد بمقدار أربعة أضعاف خلال العقد الماضي فقط. ففي العام الماضي، وصف الأطباء في انجلترا وحدها أكثر من 630 ألف وصفة طبية، لعقاقير تستخدم لعلاج الاكتئاب لدى الأطفال، مقارنة بـ 146 ألف وصفة فقط في منتصف عقد التسعينيات. في مواجهة هذا الوضع، لا بد أن يطرح المرء سؤالين أساسيين: ما السبب في هذه الزيادة الهائلة في عدد حالات الاكتئاب بين الأطفال؟ وما هي الآثار الجانبية قصيرة المدى وبعيدة المدى، لتعاطي هذا الكم الهائل من العقاقير قوية المفعول على الصحة النفسية وعلى التوازن العقلي لأجيال المستقبل ؟ إجابة السؤال الأول يحيط بها الكثير من الجدل والاختلاف بين الخبراء. فبعضهم يرى أن الأطباء، بسبب ضيق الوقت وضغوط العمل، ورغبة في تجنب الإزعاج المستمر من قبل الآباء حول مشاكل أطفالهم السلوكية، يندفعون نحو وصف عقار مضاد للاكتئاب. بينما يرى آخرون، أن طبيعة الأعراض والعلامات لدى الأطفال، تجعل من العسير الوصول إلى التشخيص السليم. فعلى خلاف البالغين، تظهر أعراض الاكتئاب في الأطفال على النحو التالي: 1) فقدان الشهية. 2) سرعة التهيج. 3) مشاكل في النوم، وتكرار الكوابيس. 4) صعوبة في التعلم وضعف في الذاكرة. 5) تغيرات سلوكية ملحوظة، مثل الانعزال والانسحاب الاجتماعي، والميل للعدوانية. وبالنظر إلى هذه الأعراض، نجد أنها سلوكيات تنتشر بشكل واسع بين الأطفال، وخصوصاً المراهقين منهم. وإذا ما عرضت هذه الأعراض على أي أب، فسيقسم ساعتها أن طفله مصاب بالاكتئاب. فالاكتئاب لا يمكن تشخيصه من خلال تحليل دم أو فحص بالأشعة، بل يعتمد تشخيصه على الأعراض النفسية والسلوكية ليس إلا. ومما يزيد الطين بلة، أن الطبيب في تقديره لحجم وفداحة الأعراض السابقة، يعتمد على رواية الأبوين، والتي تتميز غالباً بالتضخيم. بينما يرى آخرون أن الاكتئاب مرض لا وجود له، وأنه مجرد "تمريض" للحالة الإنسانية العادية، أي جعل الوضع الطبيعي وضعاً مرضياً، يتطلب العلاج والمداواة. مثل هذه الفلسفة، امتد نطاقها مؤخراً ليشمل بالنقاش أمراضاً أخرى، مثل الإدمان والسمنة وحتى مرض السكري. فالتزايد المضطرد والهائل في أعداد من أصبح يصفهم الأطباء بصفة المرضى، زاد من الشكوك في أن يكون الخطأ في تعريف المرض نفسه، وليس في المرضى. هذا المنطق بالتحديد، هو ما استخدمته "جوانا مونسريف" أستاذة الطب النفسي في "يونيفرستي كولدج في لندن" في كتابها "تمريض الحياة العصرية". وتطرح "مونسريف" في ذلك البحث فكرة أن الأمراض النفسية ليست إلا أوهاماً وتخيلات من نتاج التركيبة والظروف، مع تشكيكها في وجود مرض اسمه الاكتئاب، أو وجود حاجة لعلاجه من الأساس. وبغض النظر عن أسباب الانتشار المتزايد لحالات الاكتئاب بين البالغين والأطفال، وبغض النظر عما إذا كان الاكتئاب مرضاً أم وهماً، فالحقيقة هي أن الملايين حول العالم يتلقون حالياً عقاقير مضادة للاكتئاب، تحمل في طياتها مخاطر نفسية شديدة. أهم هذه المخاطر، ربما كان تواتر التقارير عن تسببها في الانتحار بين مستخدميها، وخصوصاً من الأطفال. وهو ما يثير الشكوك حول دور شركات الأدوية متعددة الجنسيات، في توسيع مظلة التشخيص لتشمل مزيداً من الحالات، وفي دفع الأطباء لكتابة المزيد والمزيد من الوصفات، وهو ما من شأنه أن يعود على تلك الشركات وعلى مستثمريها بأرباح تقدر بالمليارات!